ما وراء الفيتو

إلهام لي تشاو

 

في الوقت الذي دخل فيه وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، كانت جولة جديدة من التجاذب قد بدأت بالفعل. وصل نائب الرئيس الأمريكي إلى إسلام آباد على رأس وفد أمريكي، حيث جرى أول تواصل رفيع المستوى مع ممثلين عن إيران منذ اندلاع هذه الجولة من الصراع. أما طهران، فقد دخلت هذا المسار بشروط واضحة، من بينها أن يشمل وقف إطلاق النار الجبهة اللبنانية بصورة فعلية، وأن يعيد النظر في ملف الأصول الإيرانية المجمدة. وهذا وحده يكشف أن الهدنة القائمة لا تزال هشة، وأن ما يجري ليس تسوية مستقرة بقدر ما هو محاولة لالتقاط الأنفاس وفتح نافذة محدودة أمام التفاوض.

وفي مثل هذا المناخ، تصبح كل خطوة مرتبطة بمضيق هرمز أو بلبنان أو بترتيبات الأمن الإقليمي خطوة شديدة الحساسية. وخلال اليومين الماضيين، راجت رواية تقول إن الصين هي التي دفعت إيران إلى قبول وقف إطلاق النار، بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى أبعد من ذلك حين صورت الأمر وكأن طهران لا تستمع إلا إلى بكين. غير أن هذا النوع من السرديات، وإن بدا ظاهريا كأنه يعكس ثقلا دبلوماسيًا للصين، فإنه في الواقع يبتعد عن جوهر المسألة. فالقضية ليست في من أقنع من، بل في الكيفية التي وصل بها هذا الصراع أصلا إلى هذا المستوى من التصعيد.

ومن هنا، يبدو من المفيد إعادة قراءة الفيتو الصيني في مجلس الأمن بشأن مشروع القرار المتعلق بمضيق هرمز، ولكن من زاوية أوسع من مجرد لحظة التصويت نفسها. فبالنسبة إلى دول الخليج العربية، يعد شريان حيوي يتصل مباشرة بصادرات الطاقة، وحركة التجارة، واستقرار الأسواق بالإضافة إلى الأمن الداخلي لهذه الدول. ومن الطبيعي، في ظل تصاعد التوتر، أن تسعى هذه الدول إلى موقف دولي واضح يحمي الملاحة ويحول دون انفلات الأمور.

لكن السؤال الذي لا يقل أهمية هو: أي نوع من القرارات يخدم فعلا مصالح الخليج على المدى البعيد؟ هل هو القرار الذي يفتح بابا أمام خفض التصعيد الحقيقي، أم القرار الذي يبدو معنيًا بأمن الملاحة في ظاهره، بينما يترك في باطنه مجالا لتوسيع التدخل العسكري الخارجي؟ من هذه الزاوية تحديدا، يمكن فهم الفيتو الصيني بصورة مختلفة. فبكين لم تعترض على أهمية أمن المضيق، ولم تقلل من شأن القلق الخليجي المشروع، لكنها رفضت منطقا سياسيا وأمنيا رأت فيه خطرا أكبر من النص نفسه.

ذلك أن أزمة مضيق هرمز لم تنشأ بوصفها أزمة ملاحية منفصلة عن سياقها، بل جاءت نتيجة مباشرة لامتداد الصراع وتوسع نطاقه. وإذا جرى تناول التوتر في المضيق بمعزل عن أصل المشكلة، أو جرى اختزاله في سلوك طرف واحد من دون النظر إلى من كسر التوازن أولًا ودفع بالأزمة إلى هذا المستوى، فإن أي قرار يصدر في هذا السياق سيبقى معرضا لأن يتحول من أداة لاحتواء التوتر إلى أداة لإعادة تشكيله في صورة أشد تعقيدا.

وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية بالنسبة إلى دول الخليج. فبعض الصياغات التي تبدو محايدة في ظاهرها، حين ترتبط بتعابير مثل الجهود الدفاعية أو التحركات المنسقة، قد تتحول عمليًا إلى مدخل لتوسيع الحضور العسكري الخارجي في المنطقة. وتجارب الشرق الأوسط خلال العقود الماضية تقدم شواهد كثيرة على أن الأزمات التي تبدأ بعنوان حماية الأمن لا تنتهي بالضرورة إلى تقليل المخاطر، بل قد تقود إلى مزيد من القوات الأجنبية، ومزيد من الاستقطاب، ومزيد من تقلص الهامش الاستراتيجي للدول الإقليمية نفسها.

ومن هذا المنطلق، فإن الفيتو الصيني لا ينبغي قراءته بوصفه موقفًا مناهضًا للمخاوف الخليجية، بل بوصفه تحذيرا من مسار قد يبدو في لحظته الراهنة حلا أمنيا، لكنه يحمل في طياته بذور أزمة أعمق. فما يطرح اليوم تحت عنوان حماية الملاحة قد يتطور غدا إلى تنسيق أمني أوسع، ثم يتحول لاحقا إلى نمط أكثر رسوخا من التدخل الخارجي والارتهان العسكري. وبالنسبة إلى منطقة مثل الخليج، دفعت مرارا أثمان التنافسات الدولية والإقليمية، فإن هذا الاحتمال ليس تفصيلا نظريا، بل احتمالا واقعيا يستحق التوقف عنده.

كما أن من المهم التذكير بأن الصين نفسها ليست بعيدة عن مصالح مضيق هرمز ولا عن استقراره. فبكين طرف رئيسي معني بحرية الملاحة في هذا الممر الحيوي، ولا مصلحة لها في استمرار الاضطراب أو في تجاهل القلق الذي تشعر به دول الخليج من امتداد التوتر إلى فضائها المباشر. ولهذا تحديدًا، تميل المقاربة الصينية إلى الربط بين أمن المضيق وبين معالجة أصل الأزمة، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها. فالملاحة لا تستقر بإضفاء شرعية جديدة على منطق الحرب، ولا بدفع مزيد من القوى العسكرية إلى مياه شديدة الحساسية، بل بخفض التصعيد وإعطاء التفاوض فرصة حقيقية.

والواقع أن السنوات الأخيرة تشير إلى أن دول الخليج نفسها باتت أكثر ميلا إلى مقاربة تقوم على الاستقلال الاستراتيجي وخفض التوتر وتحسين علاقات الجوار. وهذا التحول يعكس فهما أكثر نضجا لطبيعة الأمن في المنطقة. فالأمن المستدام لا يقوم على استدعاء مزيد من التدخلات الخارجية، ولا على تحويل الأزمات المتحركة إلى بنية دائمة للاعتماد العسكري، بل على بناء توازنات تقلل احتمالات الانفجار وتوسع هوامش القرار الوطني والإقليمي.

لهذا كله، ربما يكون من الأنسب النظر إلى الفيتو الصيني من منظور أبعد من اللحظة الآنية. فهو لا يبدو اعتراضا على الشواغل الخليجية بقدر ما يبدو محاولة لوقف مسار كان يمكن أن يمنح مزيدًا من الشرعية لتدويل الأزمة وعسكرتها. وقد يثير هذا الموقف شيئا من التحفظ لدى بعض العواصم الخليجية في اللحظة الراهنة، لكن قراءته في سياق أوسع قد تقود إلى نتيجة مختلفة: أن هذا الفيتو لم يوقف مجرد مشروع قرار، بل ربما حال دون فتح باب جديد أمام تدخلات كان من شأنها أن تزيد كلفة الأزمة على المنطقة بأسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى