بين الدبلوماسية والمنبر.. الأم هي المدرسة الأولى

بقلم: عبدالكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
في رحاب الإيمان وقيم الإسلام السامية، تبرز قضية بر الوالدين كواحدة من أعظم القربات التي قرنها الخالق عز وجل بعبادته وتوحيده. وهو ما جسده حسن صالح سوار الذهب (سفير جمهورية السودان الحالي لدى الأردن) في خطبةٍ بليغة سبقت توليه مهامه الدبلوماسية، وكانت دافعاً ملهماً لصياغة هذه المقالة؛ حيث استهل حديثه بأسلوب رصين يعكس أصالة دولة السودان الشقيقة، مؤكداً أن استقامة العقيدة لا تكتمل إلا باستقامة الأخلاق مع أصل الوجود الإنساني.
إن المتأمل في نصوص الوحيين يجد أن الأم قد حظيت بنصيب وافر من التكريم والتبجيل، وذلك تقديراً لميثاق غليظ من العطاء بدأ بمكابدة الوهن فوق الوهن، وصولاً إلى تفاني الرعاية التي لا تنتظر جزاءً ولا شكراً. وقد توقف سوار الذهب بعمق عند ذلك التفضيل النبوي الذي جعل الأم أحق الناس بحسن الصحبة، موضحاً ببيانٍ عذب أن هذا لم يكن إلا إنصافاً لتلك النفس التي ذابت لتضيء حياة غيرها، وصيانةً للمكانة التي تستحقها في وجدان الأمة.
فهي المحرك الأول نحو التمكين الاجتماعي للفرد، حيث تزرع في أبنائها قيم الثقة والعطاء التي تشكل نواة المجتمع الصالح. إن رعاية الأم ليست مجرد واجب شرعي فحسب، بل هي ركيزة أساسية لتعزيز جودة الحياة؛ فالبيت الذي يسوده البر هو بيئة مستقرة نفسياً، تنعكس آثارها إيجاباً على الصحة الروحية للأبناء وتماسك البنيان المجتمعي ككل، مما يخلق مجتمعاً متصالحاً مع ذاته ومنتجاً في محيطه.
إن العقوق، كما جاء في سياق تلك الخطبة الجاذبة، ليس مجرد معصية عابرة، بل هو انحدار أخلاقي يهدد جودة النسيج الاجتماعي؛ فمن ضيع أصله وقابل الإحسان بالنكران، لم يعد يرجى منه خير لأمته أو وطنه. إن البر الحقيقي هو منظومة حياة تتجاوز الشعارات، تبدأ بلين الجانب في القول، والمسارعة إلى الخدمة قبل الطلب، وتستمر بالدعاء الصادق والوفاء الذي لا ينقطع حتى بعد الفراق.
إن هذه الرسالة التي قُدمت بروحٍ إيمانية، أثبتت أن القيم الراسخة التي يحملها الإنسان هي التي تشكل مساره المهني والإنساني لاحقاً. فهي دعوة مفتوحة لكل ابن وابنة لاستدراك ما فات من تقصير، وتجديد العهد مع الله من خلال الإحسان لمن كانت باباً للرحمة والبركة، ودمج ثقافة البر بمتطلبات الاستقرار والتمكين في مجتمعاتنا المعاصرة.




