ما وراء إغلاق مراكز الإيواء: هل المجتمع مهيأ لاحتضان الإعاقات الشديدة؟

بقلم: عبدالكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
مع اقتراب عام 2027، الموعد النهائي الذي حدده القانون لإغلاق مراكز إيواء الأشخاص ذوي الإعاقة، تندفع وزارة التنمية الاجتماعية نحو آلية تنفيذية تعتمد بشكل أساسي على “الدمج الاجتماعي” و”الأسر البديلة”. وفي هذا السياق، تطرح الوزارة رؤيتها مؤكدة أن الهدف الأسمى هو “حفظ كرامة الإنسان” وتحريره من عزلة الجدران الأربعة، عبر تقديم حزمة من الحلول تشمل دعماً مادياً يتراوح بين 300 إلى 400 دينار للأسرة، وخدمات مساندة عبر فرق تخصصية. إلا أن هذا التوجه يفتح الباب أمام تساؤلات وجودية حول ما إذا كان “الدمج” قد تحول من تمكين للفرد إلى وسيلة لـ “تعهيد المسؤولية الحكومية” وإلقاء أعبائها على كاهل المجتمع دون جاهزية حقيقية.
إن هذا الاندفاع يضعنا أمام مفارقة مؤلمة؛ فإذا كان الأهل البيولوجيون قد رفعوا “الراية البيضاء” عاجزين عن إدارة الأزمات السلوكية العنيفة للإعاقات العقلية الشديدة، فكيف يمكن للحلول المادية والزيارات المتباعدة أن تمكن أسرة بديلة من السيطرة على مواقف تتطلب تدخلاً مهنياً على مدار الساعة؟ إن الرعاية الحقيقية ليست مجرد مخصصات مالية، بل هي مهارات فنية دقيقة تفتقر إليها الأسر البديلة التي لم تُعد إعداداً احترافياً يحل محل المؤسسات المتخصصة.
والأمر الذي يدعو للقلق العميق هو غياب الضمانات القاطعة للخصوصية وضبابية المسؤولية القانونية في حال وقوع انتهاك داخل تلك البيوت؛ ففي المراكز تفرض المنظومة المؤسسية رقابة متبادلة، بينما في البيوت الخاصة تنحسر الرقابة لتصبح تلك الفئة الهشة تحت رحمة أفراد غرباء في مساحات غائبة عن الأعين. ولضمان انتقال آمن، لا بد من فرض “رخصة تأهيل مهني” للأسر البديلة، مع ضرورة الاستثناء القطعي للحالات الشديدة والإبقاء عليها في “وحدات رعاية مركزة ومصغرة” تضم كادراً طبياً وأمنياً مقيماً.
إن “جودة الحياة” لا تتحقق بنقل جغرافيا الإقامة فقط، بل بتوفير الأمان المطلق. إن الهروب من كلفة إدارة المؤسسات الكبرى نحو نظام الأسر البديلة، دون بناء جسور رقابية صلبة وميثاق حماية جسدية صارم، هو مقامرة بكرامة الإنسان. لا يمكن للمجتمع أن يكون “كبش فداء” لقصور التخطيط، ولا يجوز أن يكون الدمج سكيناً يذبح استقرار هؤلاء الأفراد، بل يجب أن تظل الدولة هي الضامن الحقيقي والرقيب الأول على كل تفاصيل حياتهم.




