رحيل المجرم ليندسي غراهام … صاحب دعوة إلقاء القنبلة النووية على غزة

د . مهدي مبارك عبد الله
البكاء في تل أبيب والاحتفالات في كل بلد حر شريف ذي إنسانية وأخلاق .
أُعلن مساء السبت 11 تموز/ يوليو 2026 بحسب بيان صادر عن مكتبه وتناقلته وسائل إعلام وفاة السيناتور الجمهوري الأمريكي ليندسي غراهام بعد وعكة صحية مفاجئة وقصيرة عن عمر ناهز 71 عامًا منهياً مسيرة سياسية امتدت لأكثر من عقدين داخل مجلس الشيوخ الأمريكي. وبرحيله يغيب أحد اكبر السياسيين الأمريكيين حضورًا في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية وأكثر الأصوات المدافعة عن إسرائيل داخل المؤسسة السياسية الأمريكية تاركًا خلفه سجلًا حافلًا بالمواقف المتناقضة التي أثارت تأييد مؤيديه وانتقادات واسعة من خصومه
ولد غراهام عام 1955 في ولاية كارولاينا الجنوبية وانتقل من المؤسسة العسكرية إلى عالم السياسة حيث خدم سنوات طويلة في القوات الجوية الأمريكية قبل أن يصبح عضوًا في مجلس النواب ثم مجلس الشيوخ منذ عام 2003 وخلال مسيرته السياسية عُرف بمواقفه المتشددة في قضايا الأمن والحروب وبإيمانه الواسع بدور القوة العسكرية الأمريكية الساحقة في التعامل مع الأزمات الدولية.
لم يكن ليندسي غراهام مجرد سياسي جمهوري تقليدي بل كان أحد ممثلي تيار أمريكي يرى أن التفوق العسكري الكامل هو أساس النفوذ العالمي وأن استخدام القوة يمكن أن يكون أداة لتحقيق المصالح السياسية ولهذا ارتبط اسمه بمواقف داعمة للتدخلات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان وبمواقف متشددة تجاه إيران ودعوته المتكررة إلى خيارات عسكرية في مواجهة خصوم الولايات المتحدة.
القضية الابرز التي طبعت صورة غراهام السياسية أكثر من غيرها تمحورت حول علاقته الوثيقة بإسرائيل حيث كان من أبرز المدافعين عنها داخل الكونغرس الأمريكي وقد اعتبر دعمها جزءًا أساسيًا من السياسة الخارجية الأمريكية كما وزار إسرائيل مرات عديدة ودافع عن حكوماتها المتعاقبة ودعم خطط نتنياهو العدوانية وطالب باستمرار بتقديم الدعم العسكري والسياسي لتل ابيب خصوصًا خلال الحرب على غزة.
خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر ظهر غراهام كأحد أكثر الأصوات الأمريكية تأييدًا لاستمرار العمليات العسكرية للقضاء على حركة حماس وتدمير غزة وتجويع شعبها وعلى الدام كان رافضًا فرض قيود على المساعدات العسكرية لإسرائيل ومؤكدًا أن تل أبيب يجب أن تحصل على ما تحتاجه لتحقيق أهدافها العسكرية وقد اعتبر منتقدوه أن هذه المواقف تعكس انحيازًا كاملًا للرؤية الإسرائيلية وتجاهلًا لحجم المعاناة الإنسانية التي خلفتها الحرب.
أكثر تصريحاته همجية وإثارة للجدل كانت تلك التي استحضر فيها قصف الولايات المتحدة لهيروشيما وناغازاكي خلال الحرب العالمية الثانية ومطالبته بألقاء قنبلة نووية على غزة معتبرًا أن استخدام السلاح النووي في ذلك الوقت كان قرارًا صحيحًا وضروريا كما دعا إلى منح إسرائيل القنابل الاكثر فتكا والتي تحتاجها لإنهاء الحرب وقد فُهمت هذه التصريحات من قطاعات واسعة على أنها تبرير لاستخدام القوة النووية في سياق حرب غزة وأثارت إدانات وانتقادات دولية واسعة وفي المقابل انكر غراهام لاحقًا بوقاحة لافتة أنه لم دعى صراحة إلى إلقاء قنبلة نووية على غزة وإنما كان يشير إلى ضرورة استخدام القوة لإنهاء الحرب وهذا كذب بواح.
اللافت ان خطورة تصريحات غراهام في أنها لم تصدر عن معلق إعلامي أو ناشط سياسي وإنما عن عضو نافذ في مجلس الشيوخ الأمريكي وهي مؤسسة تشارك في رسم السياسة الخارجية وصناعة القرار وعندما تصبح سياسات التهديد بالإفناء والتدمير اكبر من الكلمات في تطبيع فكرة اللجوء إلى القوة المفرطة بوصفها خيارًا قابلًا للنقاش فالكلمات التي تصدر عن أصحاب النفوذ كثيرًا ما تتحول إلى سياسات والسياسات تتحول إلى قرارات والقرارات تترك آثارها على حياة ملايين البشر.
واقعيا لم يكن ليندسي غراهام مجرد سيناتور جمهوري متحمس لإسرائيل بل كان أحد أبرز ممثلي المدرسة الأمريكية التي ترى أن التفوق العسكري هو الأداة الأولى لصناعة النظام الدولي وهي المدرسة التي نشأت بعد الحرب الباردة وتعزز نفوذها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث باتت تنظر إلى التدخل العسكري والعقوبات والحصار وتغيير الأنظمة باعتبارها أدوات مشروعة لتحقيق المصالح الأمريكية ومن هذا المنطلق جاءت مواقفه من العراق وأفغانستان وإيران وغزة إذ لم يكن يرى في القوة خيارًا أخيرًا بل وسيلة سياسية طبيعية لفرض الإرادة.
ردود الفعل الإسرائيلية الحزينة وحجم الصدمة في تل ابيب بعد وفاته كان كاشفًا أكثر من أي تحليل سياسي خاثة وان بيانات الرئاسة والحكومة والوزراء وقادة الأحزاب الإسرائيلية لم تنعِ مسؤولًا أمريكيًا فحسب بل بدت وكأنها تنعى أحد رجالها داخل المؤسسة السياسية الأمريكية فقد كان غراهام خلال سنوات طويلة قناة ضغط فاعلة داخل الكونغرس والإدارات المتعاقبة وساهم في ترسيخ الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، ودافع عن استمرار تدفق السلاح إليها حتى في ذروة الانتقادات الدولية للحرب على غزة ولذلك لم يكن غريبًا أن تصفه شخصيات إسرائيلية بأنه أحد أعظم أصدقاء إسرائيل في العصر الحديث.
التجربة السياسية لليندسي غراهام تفتح سؤالًا أكبر من شخصه وتفكيره السوداوي بل الاجرامي وإلى أي مدى يمكن للقوة العسكرية أن تكون بديلًا عن الحلول السياسية وهل يمكن أن يتحقق الأمن عبر توسيع دائرة الحروب أم عبر معالجة جذور الصراعات وهي أسئلة ستظل مطروحة طالما بقي العالم يدفع ثمن قرارات اتخذت باسم الأمن والاستقرار.
لعل الجانب الأكثر إثارة للنقاش في مسيرة ليندسي غراهام هو أن مواقفه لم تكن منفصلة عن سياق أوسع داخل المؤسسة السياسية الأمريكية حيث نشأ تيار قوي يربط أمن الولايات المتحدة بأمن إسرائيل ويرى أن التفوق العسكري هو الطريق الأقصر لحماية المصالح الاستراتيجية وهذا التيار لم يكتفِ بتأييد التحالفات السياسية بل انتقل في كثير من الأحيان إلى تبني مواقف تمنح الحروب شرعية سياسية وأخلاقية حتى عندما تكون نتائجها الإنسانية موضع إدانة واسعة من منظمات دولية وقطاعات كبيرة من الرأي العام العالمي.
كما تكشف مسيرة غراهام العملية ايضا عن أزمة أعمق في الخطاب السياسي الدولي والتي تتعامل مع حياة المدنيين أثناء الحروب فحين تصبح لغة القوة المطلقة هي السائدة وتتراجع مساحة الحديث عن القانون الدولي والحلول السياسية فإن العالم يدخل دائرة خطرة تتحول فيها المعاناة الإنسانية إلى مجرد أرقام في حسابات المصالح ولذلك فإن مراجعة إرث السياسيين لا ينبغي أن تقتصر على عدد المناصب التي شغلوها أو التحالفات التي بنوها بل على أثر الأفكار التي دافعوا عنها في حياة الشعوب ومستقبل المنطقة والعالم.
لقد أثبتت تصريحات غراهام الهوجاء أن القوة حين تنفصل عن الضوابط الأخلاقية والقانونية تتحول إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم سيما وان التاريخ لا يحتفظ بعدد القنابل التي أُلقيت او ستلقى بل يتذكر أيضًا الأصوات التي دافعت عنها أو بررتها ولذلك فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق بشخص غراهام وحده بل بالمنظومة الفكرية التي تجعل القانون الدولي استثناءً عندما يتعلق الأمر بالحلفاء، وتصبح حقوق الإنسان قابلة للتأويل كلما تعارضت مع الحسابات الجيوسياسية.
ما يجب ان يفهمه العالم كغبرة ودرس أن رحيل السياسيين لا ينهي النقاش حول الأفكار التي حملوها والتصرفات التي اقترفوها والأشخاص سوف يغادرون طال الزمن او قصر لكن السياسات والقرارات والنتائج تبقى موضع دراسة ومراجعة. والتاريخ لا يقرأ فقط ما قاله السياسيون عن أنفسهم، بل ينظر أيضًا إلى آثار مواقفهم على الشعوب والدول والأزمات التي شاركوا في تشكيلها.
إن رحيل ليندسي غراهام يذكر بحقيقة لا تستثني أحدًا وهي أن المناصب والنفوذ والقدرة على التأثير كلها أمور إلى زوال بينما تبقى السياسات والمواقف والكلمات جزءًا من الذاكرة السياسية للأمم وان الدعوة إلى الحروب أو تبريرها قد تحقق مكاسب آنية لكنها تترك وراءها مدنًا مدمرة وأطفالًا فقدوا أسرهم وشعوبًا تحمل جراحها لأجيال والتاريخ لا يخلّد أصحاب السلطة بقدر ما يخلّد آثار قراراتهم.
ختاما : لعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يتوقف عنده الطغاة دعاة القوة المطلقة هو أن صناعة السلام تتطلب شجاعة لا تقل عن شجاعة خوض الحروب وأن الحضارات لا تُقاس بقدرتها على امتلاك أدوات الدمار بل بقدرتها على صون كرامة الإنسان واحترام القانون والعدل وتحقيق الامن والسلام الدوليين أما الذين يعتقدون أن القوة وحدها تصنع المستقبل فإن صفحات التاريخ تكشف أن الدول تبقى وتتغير بينما يرحل الساسة جميعًا ولا يبقى بعدهم إلا سجل أعمالهم يقرؤه الناس ويقيمه المؤرخون ويحاكمه الضمير الإنساني فمنهم من تتبعه اطيب دعوات الرضى و الرحمة ومنهم من تلاحقه ابشع الاوصاف واللعنات اما انت يا لندسي غراهام فلا اسف على رحيلك ولا رحمة الله عليك وان شاء الله في الدرك الاسفل من النار وساءت مصير .
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]





