أحمدي نجاد والموساد .. بين حقيقة التجنيد المزعوم والرواية الاستخباراتية المضللة !

مهديد. مهدي مبارك عبد الله

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق أو الطائرات التي تعبر الأجواء أو المدن التي تُقصف بل أصبحت تُقاس أيضاً بقدرة الأطراف المتصارعة على صناعة الرواية وتوجيه الإدراك وإرباك الخصم من الداخل وبعد انقضاء الجولة الأخيرة من الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً يتمثل في حرب المعلومات حيث تصدرت وسائل الإعلام العالمية تقارير تحدثت عن سعي جهاز الموساد الإسرائيلي إلى تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد وإعداده ليكون رئيساً لإيران في مرحلة ما بعد انهيار النظام وبين روايات اعتمدت على مصادر استخباراتية مجهولة ونفي إيراني قاطع برزت قضية تتجاوز شخص أحمدي نجاد لتلامس طبيعة الصراع الاستخباراتي الحديث الذي لم يعد يكتفي باختراق المنشآت العسكرية بل يسعى إلى اختراق الثقة الوطنية وصناعة الشك داخل بنية الدولة نفسها ولذلك فإن السؤال الأهم لا يتمثل في صحة الرواية أو بطلانها بقدر ما يتمثل في معرفة من يقف وراء تسريبها ولماذا اختير هذا التوقيت وما الأهداف السياسية والنفسية التي يراد تحقيقها من خلالها.

عمليا استندت الرواية التي نشرتها وسائل إعلام غربية وفي مقدمتها صحيفة نيويورك تايمز إلى مزاعم مفادها أن اتصالات سرية جرت بين أحمدي نجاد ومسؤولين في الموساد خلال لقاءات عقدت في العاصمة المجرية بودابست على هامش مؤتمر علمي عامي 2024 و2025 وأن رئيس الموساد ديفيد برنياع شارك شخصياً في بعض هذه اللقاءات وأن إسرائيل درست على مدى سنوات إمكانية الدفع بأحمدي نجاد لقيادة مرحلة انتقالية إذا ما انهارت الجمهورية الإسلامية بفعل الحرب والضغوط الداخلية كما ذهبت بعض التقارير إلى أبعد من ذلك حين تحدثت عن تمويل سري وتوفير حماية ميدانية له خلال الحرب الأخيرة وادعت أن عملية عسكرية استهدفت فك الإقامة الجبرية المفروضة عليه تمهيداً لتنصيبه رئيساً لحكومة بديلة وهي روايات أحدثت صدمة سياسية وإعلامية واسعة لأنها تتعلق بشخصية ارتبط اسمها طوال سنوات بخطاب شديد العداء لإسرائيل والولايات المتحدة.

في المقابل جاء الرد الإيراني حاسماً إذ نفى مكتب أحمدي نجاد جميع هذه المزاعم ووصفها بأنها سيناريو هوليودي وأخبار كاذبة لا تستحق حتى الرد مؤكداً أن الرئيس الأسبق لم يجر أي اتصالات مع الموساد ولم يتلق أموالاً أو دعماً من أي جهة أجنبية كما لم تصدر عن السلطات الإيرانية حتى الآن وثائق أو بيانات رسمية تؤكد وضعه تحت الإقامة الجبرية بسبب تواصله مع إسرائيل ولم تعلن إسرائيل بدورها أي معلومات رسمية تؤيد ما نشرته الصحف الأمر الذي يجعل القضية حتى الآن قائمة على تسريبات إعلامية ومصادر مجهلة لا يمكن اعتبارها دليلاً استخباراتياً قاطعاً بالمعايير المهنية المعروفة.

مع كل ذلك فإن مجرد غياب الدليل القاطع لا يعني إغلاق باب التحليل لأن أجهزة الاستخبارات لا تعمل وفق المنطق التقليدي للأدلة القضائية وإنما تبني عملياتها على استثمار الفرص ونقاط الضعف والشخصيات القابلة للتأثير وقد كان أحمدي نجاد خلال السنوات الأخيرة شخصية مختلفة كثيراً عن ذلك الرئيس الذي قاد إيران بين عامي 2005 و2013 فقد دخل في خلافات عميقة مع مراكز القوة داخل النظام ووجه انتقادات علنية لمؤسسات نافذة واستبعد ثلاث مرات من خوض الانتخابات الرئاسية وتحول من أحد أبرز رموز المحافظين إلى شخصية تقف في منطقة رمادية لا هي من المعارضة الخارجية ولا هي جزء من الدائرة الحاكمة وهو وضع يجعل اسمه قابلاً للتداول في أي سيناريو يتعلق بالخلافة أو إعادة تشكيل السلطة.

كما أن أحمدي نجاد لم يخف خلال السنوات الماضية رغبته في العودة إلى الحكم ووجه رسائل اتسمت بقدر من البراغماتية تجاه الولايات المتحدة عندما وصف دونالد ترامب بأنه رجل يحسب المصالح والخسائر وأبدى استعداده لحوار يقوم على المنفعة المتبادلة كما قام برحلات إلى دول تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل مثل المجر وهو ما وفر مادة خصبة للتكهنات والتحليلات غير أن هذه الوقائع تبقى في حدود القرائن السياسية ولا ترتقي وحدها إلى إثبات وجود علاقة استخباراتية أو تعاون سري لأن التحول في الخطاب السياسي أو السفر إلى دولة بعينها لا يشكل بذاته دليلاً على التجنيد أو العمالة.

لو افترضنا جدلاً أن الموساد حاول بالفعل التواصل مع أحمدي نجاد فإن ذلك لا يعني بالضرورة نجاح عملية التجنيد فهناك فرق جوهري بين محاولة الاستقطاب وبين تحويل الشخصية المستهدفة إلى أصل استخباراتي يعمل وفق توجيهات الجهة التي استقطبته وهذا الفارق أساسي في علم الاستخبارات لأن كثيراً من عمليات الاتصال تنتهي بالفشل أو تتحول إلى عمليات مضادة تستغلها أجهزة مكافحة التجسس لاختراق الطرف الآخر أو تضليله أو مراقبة أساليبه ومن هنا فإن أحد السيناريوهات الممكنة هو أن تكون أجهزة الأمن الإيرانية على علم بأي محاولات تواصل محتملة وأن تكون قد استثمرتها في إطار عمليات مضادة وهو احتمال لا يمكن نفيه كما لا يمكن إثباته في ظل غياب المعلومات الرسمية.

من زاوية أخرى إن اختيار أحمدي نجاد تحديداً إذا صحت الرواية يكشف عن منطق براغماتي أكثر منه أيديولوجي لأن إسرائيل والولايات المتحدة تدركان أن المعارضة الإيرانية المقيمة في الخارج رغم حضورها الإعلامي لا تمتلك قاعدة اجتماعية كافية لإدارة دولة بحجم إيران بينما يظل رئيس سابق خرج من صلب النظام ويتمتع بخبرة في إدارة مؤسسات الدولة أكثر قدرة على ملء الفراغ إذا وقع انهيار مفاجئ غير أن هذا التصور يصطدم بحقيقة أخرى لا تقل أهمية وهي أن أي شخصية يثبت تعاونها مع خصم خارجي ستفقد تلقائياً الشرعية الوطنية التي يفترض أن تؤهلها لقيادة البلاد وهنا تظهر المفارقة الكبرى إذ إن القيمة السياسية التي يفترض أن إسرائيل كانت تراهن عليها في أحمدي نجاد ستنهار بمجرد ثبوت صحة الرواية.

البعد الأكثر أهمية في هذه القضية لا يتعلق بإمكانية تغيير النظام بقدر ما يتعلق بالحرب النفسية فحتى لو كانت عملية التجنيد المزعومة قد فشلت أو لم تحدث أصلاً فإن نشرها يحقق مكاسب استراتيجية كبيرة لأنه يعزز صورة الموساد باعتباره قادراً على اختراق أعلى مستويات الدولة الإيرانية ويزرع الشك داخل النخبة السياسية ويجبر الأجهزة الأمنية على إعادة التحقيق في دوائرها الداخلية ويحول كل شخصية نافذة إلى موضع ريبة ويستهلك جزءاً من طاقة الدولة في مواجهة الانقسامات الداخلية بدلاً من التركيز على التهديدات الخارجية وهنا تتحول الرواية نفسها إلى سلاح مستقل عن حقيقتها الواقعية.

في التحليلي المعمق لا يمكن إغفال أن توقيت نشر هذه التسريبات جاء بعد الحرب الأخيرة التي أظهرت قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات دقيقة داخل إيران وهو ما يمنح الرواية قوة نفسية إضافية حتى في غياب الأدلة لأن الرأي العام يميل إلى تصديق ما يبدو منسجماً مع الوقائع السابقة وهنا تكمن خطورة الحرب المعلوماتية فهي لا تعتمد دائماً على الأكاذيب الكاملة بل تمزج بين وقائع صحيحة وفرضيات محتملة واستنتاجات غير مثبتة لتنتج رواية تبدو مقنعة رغم افتقارها إلى البرهان الحاسم.

قد يكون لبعض مراكز القوى داخل إيران مصلحة في استمرار تداول هذه المزاعم لأنها تضعف مكانة أحمدي نجاد وتحد من فرص عودته إلى الحياة السياسية وتنقل الخلاف معه من المجال السياسي إلى المجال الأمني وهو انتقال شديد التأثير في البيئة الإيرانية حيث تعد تهمة الارتباط بإسرائيل من أخطر الاتهامات الممكنة ولذلك فإن الرواية الواحدة قد تحقق في الوقت نفسه مصالح إسرائيلية تتعلق بالحرب النفسية ومصالح داخلية إيرانية تتعلق بإعادة ترتيب موازين القوى وهو ما يجعل المستفيدين من تداولها أكثر من طرف.

مضامين هذه القضية تكشف بوضوح حدود القوة الاستخباراتية مهما بلغت درجة احترافها لان اختراق مؤسسة أمنية أو تنفيذ عملية اغتيال أو جمع معلومات سرية يختلف جذرياً عن القدرة على صناعة شرعية سياسية لشخص يتولى قيادة دولة ذات تاريخ طويل وهوية قومية راسخة فالتجارب الحديثة أثبتت أن إسقاط الأنظمة بالقوة قد يكون ممكناً أما بناء نظام يحظى بقبول المجتمع فهو مهمة أكثر تعقيداً لا تستطيع أجهزة الاستخبارات إنجازها وحدها لأن الشرعية لا تُهرَّب عبر الحدود ولا تُصنع في غرف العمليات السرية.

القراءة المهنية الأكثر توازناً لهذه المسألة تقود إلى نتيجة واضحة وهي أن ما نُشر حتى الآن لا يرقى إلى مستوى الدليل القاطع على تجنيد محمود أحمدي نجاد أو تعاونه مع الموساد كما أنه لا يسمح في الوقت نفسه باستبعاد احتمال وجود محاولات استقطاب أو اتصالات غير معلنة لأن طبيعة العمل الاستخباراتي تقوم أصلاً على السرية والغموض لكن الثابت يقيناً أن هذه الرواية نجحت في تحقيق أثرها السياسي والإعلامي بصرف النظر عن مقدار صحتها وأنها تحولت إلى نموذج حي للحرب الإدراكية التي تستهدف تشكيل وعي الخصم قبل استهداف قدراته العسكرية.

لعل اهم ما تكشفه قضية أحمدي نجاد ليس مصير رجل أو مستقبل سياسي لشخصية مثيرة للجدل وإنما التحول العميق في طبيعة الصراعات الدولية حيث أصبحت الحقيقة نفسها ميداناً للقتال وأصبح الغموض سلاحاً استراتيجياً لا يقل فاعلية عن الصاروخ والطائرة المسيّرة وأصبحت التسريبات المدروسة والأخبار المنسوبة إلى مصادر مجهولة أدوات لتفكيك الثقة الوطنية وإثارة الشكوك بين مؤسسات الدولة وقادتها ومن هنا فإن الحكمة السياسية تقتضي عدم الانجرار وراء كل رواية مثيرة دون تمحيص كما تقتضي في الوقت ذاته عدم الاستخفاف بقوة الحرب النفسية وقدرتها على تحقيق أهداف قد تعجز عنها الجيوش والأسلحة.

للمصداقية والموضوعية سواء ثبتت صحة رواية تجنيد محمود أحمدي نجاد أو أنها كانت مجرد بناء استخباراتي موجه ومحكم فإن الحقيقة الأهم التي لا يجوز تجاهلها هي أن الصراع بين الدول لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأرض وإنما حول السيطرة على الإدراك وصناعة القناعات وإعادة تشكيل الثقة داخل المجتمعات والدول.

اللافت خلال المتابعة ان التسريبات المدروسة والشائعات الموجهة والتقارير المنسوبة إلى مصادر مجهولة أصبحت جزءاً اساسيا من منظومة القتال الحديثة لأنها قادرة على تحقيق ما قد تعجز عنه الجيوش والأسلحة من زرع الشك وإثارة الريبة وتفكيك التماسك الداخلي وتشويه السمعة السياسية وإرباك مؤسسات الدولة وإشغالها بصراعات داخلية تستنزف طاقتها.

الجانب الأخطر في هذه الرواية المحبوكة جيدا ليس احتمال وجود لقاءات سرية أو اتصالات استخباراتية بل احتمال نجاحها عمليا في تحويل الشك إلى حقيقة متداولة وإلى يقين راسخ في الوعي العام لأن الحرب النفسية تحقق انتصارها الكامل عندما يصبح الناس أنفسهم أدوات لنشرها وإعادة إنتاجها.

ختاما : إن التجربة الإيرانية في التعامل مع هذه القضية تقدم درساً بالغ الأهمية لكل دول المنطقة وهو أن الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقتصر على حماية الحدود والمنشآت بل أصبح يبدأ برعاية الوعي الجمعي من التضليل وتعزيز الثقة الوطنية من الاختراق وحماية الحقيقة من التزييف خاصة وانه في زمن الحروب المركبة قد تكون أخطر الأسلحة تلك التي تُزرع في العقول وتنتشر عبر الشاشات والمنصات والتي باتت تحول الأكذوبة إلى قناعة مبدئية وواقع سياسي يصعب تغييره وعندئذ سيكون الخصم قد انتصر قبل أن تبدأ معركة اليوم التالي.

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى