في زيارته الأخيرة … ما الذي تغيّر في واشنطن حتى تغيّرت قواعد التعامل مع نتنياهو ؟

. مهدي مبارك عبد الله
لم تكن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن مجرد محطة دبلوماسية عادية في سجل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية كما لم يكن اختلاف بروتوكول الاستقبال أو تأخر تحديد موعد اللقاء أو غياب الحفاوة التقليدية مجرد تفاصيل شكلية يمكن تجاوزها باعتبارها ترتيبات تنظيمية عابرة بل كانت جميعها إشارات سياسية محسوبة في طريقة تفكير الإدارة الأمريكية وانتقال العلاقة من الشراكة التي تميل فيها واشنطن لمجاراة تل أبيب إلى شراكة تعيد فيها واشنطن ترتيب اولوياتها وفق مصالحها الخاصة كما عكست التحول المباشر تجاه الرجل الذي ظل لعقدين كاملين أحد أكثر القادة الإسرائيليين نفوذا داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.
لا زلنا نتذكر قبل عامين كيف وقف نتنياهو تحت قبة الكونغرس الأمريكي يخاطب أعضاءه وسط تصفيق متكرر بلغ ( إحدى وثمانين مرة ) في مشهد أرادت واشنطن من خلاله أن تؤكد للعالم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ما زال يتمتع بمكانة استثنائية لا يحظى بها أي زعيم أجنبي آخر وأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي ما يزال فوق كل الخلافات السياسية والحزبية أما في هذه الزيارة فقد جاء الرجل نفسه إلى العاصمة الأمريكية بطلب منه وانتظر أشهرا للحصول على موعد ولم تمنحه الإدارة الأمريكية الموافقة إلا في الأيام الأخيرة السابقة للزيارة ثم دخل البيت الأبيض بعيدا عن مظاهر الاحتفاء التقليدية وفي ظل برنامج سياسي مختلف تماما عما اعتاده خلال السنوات الماضية.
اللافت هنا ان الخطأ الذي وقع فيه كثير من المحللين هو أنهم قرأوا المشهد من زاوية البروتوكول فقط بينما تجاهلوا ما هو أهم بكثير وهو التحول في فلسفة إدارة العلاقة نفسها وان القضية ليست أن واشنطن أرادت إهانة نتنياهو وتهميشه ولا أنها قررت التخلي عن إسرائيل ولا حتى أنها حسمت موقفها من مستقبل الرجل السياسي ما حدث في الحقيقة أكثر تعقيدا وأبعد أثرا خاصة وان الولايات المتحدة بدأت تعيد تعريف قواعد العلاقة مع نتنياهو بعد أن تغيرت البيئة الإقليمية والدولية التي صنعت نفوذه الاستثنائي داخل المؤسسة الأمريكية.
الحرب في غزة والمواجهة مع لبنان ثم الحرب المباشرة مع إيران جاءت لتقلب كثيرا من الحسابات داخل واشنطن والإدارة الأمريكية التي اعتقدت في البداية أن الضغط العسكري سيؤدي إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا في الواقع الميداني فلا حركة حماس انتهت كما كان متوقعا ولا حزب الله اختفى من المعادلة ولا إيران انهارت أو تخلت عن مشروعها الإقليمي بل على العكس اتسعت دائرة التوتر وأصبحت الولايات المتحدة نفسها أكثر انخراطا في نزاعات لم تكن ترغب في التورط المباشر فيها اصلا.
السؤال الحقيقي الذي فرض نفسه داخل واشنطن بعد التطور السلبي للاحداث الاقليمية هو هل ما يزال نتنياهو جزءا من الحل أم أنه أصبح جزءا من المشكلة الاكبر ومثل هذا السؤال لم يكن مطروحا بهذه الحدة قبل سنوات لأن نتنياهو كان يقدم نفسه باعتباره الرجل القادر على حماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط من خلال مواجهة إيران وتوسيع اتفاقيات التطبيع وتعزيز التفوق الإسرائيلي لكن نتائج الحروب الأخيرة دفعت كثيرا من دوائر القرار الأمريكية إلى إعادة تقييم هذه الفرضية ومدى مصداقيتها سيما وانه بدلا من احتواء إيران أصبحت المنطقة أكثر اشتعالا وعوضا عن توسيع الاستقرار الإقليمي أصبحت احتمالات الحرب الشاملة أكبر من أي وقت مضى.
انطلاقا من هذا التصور بالتحديد بدأ يتغير التفكير الأمريكي بعدما باتت الولايات المتحدة اليوم ليست هي التي كانت قبل عامين حيث اصبحت إدارة ترامب الثانية تواجه تحديات داخلية وخارجية متشابكة والمنافسة مع الصين أصبحت أولوية استراتيجية مطلقة والملف الأوكراني ما زال يستنزف القدرات الأمريكية والاقتصاد الأمريكي يواجه ضغوطا متزايدة والناخب الأمريكي لم يعد متحمسا لخوض حروب جديدة في الشرق الأوسط مهما كانت مبرراتها لذلك لم يعد منطق الدعم المفتوح وغير المشروط لأي مغامرة عسكرية يخدم المصالح الأمريكية كما كان في السابق وبذلك لم تعد واشنطن مستعدة لأن تتحرك وفق الإيقاع الذي يريده نتنياهو.
في الملف الإيراني على سبيل المثال بدا واضحا أن الطرفين لم يعودا ينظران إلى الهدف نفسه بالطريقة ذاتها ونتنياهو يرى أن أي الفرصة لإضعاف إيران يجب استثمارها إلى أقصى حد حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة إقليمية واسعة بينما تنظر الإدارة الأمريكية إلى الملف من زاوية مختلفة تماما وهي تريد منع امتلاك إيران للسلاح النووي لكنها في الوقت نفسه تريد إعادة فتح باب التفاوض ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب طويلة الامد تستنزف الولايات المتحدة قبل غيرها.
بالتدقيق نجد أن اختلاف الرؤية بشأن إيران لم يكن سوى أحد مظاهر التحول الأوسع في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب حيث ظهرت الخلافات أيضاً في ملفات أخرى مثل الموقف من تركيا بعد رفض الإدارة الأمريكية الاعتراضات الإسرائيلية على صفقة مقاتلات إف خمسة وثلاثين وكذلك في مسار الاتفاق النووي المدني مع السعودية وبينما سعى نتنياهو منذ البداية إلى جعل التطبيع السعودي الإسرائيلي شرطاً مركزياً لأي تقدم في العلاقات مع الرياض بدت واشنطن أكثر ميلاً إلى الفصل بين الملفات أو على الأقل إعادة ترتيب أولوياتها بما يضمن مصالحها الاستراتيجية ولم تكن هذه الخطوات قرارات منفصلة بقدر ما كانت تعكس رسالة سياسية مفادها أن الولايات المتحدة بدأت تستعيد هامش قرارها الإقليمي وتعيد صياغة سياساتها وفق حساباتها الخاصة وليس وفق الرؤية الإسرائيلية وحدها.
وفق هذه الرؤية لم تكن زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن مناسبة ملائمة ليعرض فيها أجندته على البيت الأبيض كما اعتاد طوال سنوات بل كانت فرصة مفاجئة ليكتشف أن البيت الأبيض أصبح يمتلك أجندته الخاصة التي قد تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية في بعض الملفات لكنها لم تعد تدور بالكامل في فلكها.
التحول الأكثر أهمية لن يكن يتصل بالسياسات المعلنة بقدر ما يتعلق بميزان النفوذ داخل العلاقة نفسها خاصة وانه على امتداد العقدين الماضيين نجح نتنياهو في بناء صورة داخل إسرائيل مفادها أنه الزعيم الوحيد القادر على فتح أبواب البيت الأبيض اي كان ساكنه ديمقراطيا أو جمهوريا وأن علاقاته الشخصية بالرؤساء الأمريكيين تمثل أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية المطلقة والحقيقة ان هذه الصورة لم تكن مجرد دعاية انتخابية بل استندت إلى وقائع راسخة جعلت كثيرا من الإدارات الأمريكية تحسب حسابا كبيرا لمواقف نتنياهو قبل اتخاذ قراراتها المتعلقة بالشرق الأوسط.
اليوم يبدو ان إن المشهد بدأ ينقلب تدريجيا وواشنطن لم تعد تسأل نفسها كيف يمكن إرضاء نتنياهو بقدر ما أصبحت تتساءل كيف يمكن حماية المصالح الأمريكية من تداعيات سياساته الكارثية وهذه نقطة مفصلية لأنها تعني أن الرجل لم يعد ينظر إليه باعتباره مفتاح الحلول الدائم بعدما بات أحد مصادر التعقيد الرئيسية التي ينبغي التعامل معها بحذر شديد .
عمليا هذا ما يفسر بأن الزيارة الأخيرة لم تشهد اجتماعا ثنائيا مغلقا بالصيغة التي اعتادها نتنياهو في لقاءاته السابقة مع الرؤساء الأمريكيين كما يظهر أيضا تراجع الاتصالات المباشرة بينه وبين الرئيس ترامب مقارنة بما كان يجري خلال الأشهر الأولى من الحرب حيث كانت الاتصالات شبه يومية ولم يعد مستغربا أن تشير تسريبات من داخل الإدارة الأمريكية إلى أن بعض المسؤولين باتوا يتعاملون مع تقديرات نتنياهو العسكرية والسياسية بقدر أكبر من الشك والرفض بعد أن أخفقت رهانات كثيرة قدمها خلال الحرب سواء فيما يتعلق بإيران أو غزة أو لبنان.
غير أن القراءة المتأنية تفرض علينا الابتعاد عن استنتاج متسرع يذهب إلى أن الولايات المتحدة قد قررت الاستغناء عن نتنياهو أو أنها تخلت عن إسرائيل ومثل هذا الاستنتاج لا تدعمه الوقائع وإسرائيل ما تزال تمثل بالنسبة لواشنطن قاعدة استراتيجية متقدمة في الشرق الأوسط والمصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية بين البلدين هي أعمق من أن تهتز بسبب خلافات مع رئيس حكومة مهما بلغت أهميته لكن الصحيح أيضا أن واشنطن بدأت تميز لأول مرة بهذا الوضوح بين إسرائيل بوصفها حليفا استراتيجيا ثابتا وبين نتنياهو بوصفه زعيما سياسيا يمكن أن يختلف معه البيت الأبيض بل ويمكن أن يبحث عن بدائل له إذا اقتضت المصالح الأمريكية ذلك.
لعل جوهر هذا التحول يكمن في ان الولايات المتحدة لا تريد فعلا إسقاط نتنياهو ولا تعمل على إبعاده بصورة مباشرة لكنها في المقابل لم تعد مستعدة لأن تجعل حساباتها الإقليمية رهينة لحساباته السياسية والشخصية وهي تدرك حيدا أن بقاءه في السلطة يرتبط إلى حد كبير باستمرار مناخ التوتر والحروب وأن أي تهدئة طويلة قد تضعه أمام استحقاقات داخلية وقضائية وانتخابية معقدة وفي المقابل فإن الإدارة الأمريكية تبحث عن استقرار إقليمي يسمح لها بتخفيف أعباء الشرق الأوسط والتفرغ لأولوياتها العالمية.
للحقيقة هنالك واقعيا معادلتان مختلفتان تماما فنتنياهو يريد استمرار الأزمات حتى يحافظ على موقعه السياسي أما واشنطن فتحتاج إلى إدارة الأزمات ومنع انفجارها حتى تحافظ على مكانتها الدولية ومن هنا بدأ التباعد الذي ظهر في الزيارة الأخيرة.
التحول المتسارع داخل المجتمع الأمريكي نفسه يوضح الصورة أكثر سيما وان لأجيال الجديدة في الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى إسرائيل بالعين نفسها التي نظر بها الجيل الذي تأثر بذكريات الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وصور الابادة الجماعية والدمار في غزة والخسائر الإنسانية واتساع الانتقادات الدولية والسياسات الإسرائيلية الاستيطانية في الضفة الغربية كلها عوامل ساهمت في تغيير المزاج العام الأمريكي بصورة لم يعد بالإمكان تجاهلها كما ان هذا التحول لم يعد مقتصرا على الحزب الديمقراطي بل بدأ يجد صداه بصورة اكبر داخل أوساط جمهورية ومحافظة كانت حتى وقت قريب تعتبر أي انتقاد لإسرائيل خطا أحمر.
هذا الواقع المستجد يعني بالضرورة أن أي إدارة أمريكية أصبحت مضطرة إلى أخذ الرأي العام الداخلي في الحسبان عند رسم سياساتها تجاه إسرائيل وقيادتها السياسية ومن هنا يمكن فهم جانب آخر من الفتور الذي أحاط بزيارة نتنياهو حيث لم تعد الحفاوة المبالغ فيها تحقق مكاسب انتخابية للرئيس الأمريكي كما كان الحال في السابق بل قد تتحول إلى عبء سياسي داخلي.
لكل هذه الاسباب حملت زيارة نتنياهو رسائل متعددة الاتجاهات الاولى إلى نتنياهو نفسه بأن زمن فرض الإيقاع الاسرائيلي على السياسة الأمريكية لم يعد كما كان والرسالة الثانية للداخل الأمريكي بأن البيت الأبيض هو من يجب ان يحدد أولوياته وليس أي حليف خارجي كما بعثت رسالة خاصة إلى حلفاء واشنطن في المنطقة بأن الولايات المتحدة بدأن تعيد صياغة سياستها الإقليمية وفق شبكة مصالح أوسع من العلاقة الثنائية مع إسرائيل وحدها.
مرة ثانية ربما يكون من تكرار الخطأ تفسير هذه الرسائل على أنها إعلان قطيعة مع تل ابيب دون الاخذ بعين الاعتبار ان السياسة الأمريكية لا تعرف الفراغ ولا تبني استراتيجياتها على ردود الأفعال وإذا كان نفوذ نتنياهو داخل واشنطن قد تعرض في هذه المرحلة لاهتزاز واضح فإن ذلك لا يعني أن الرجل خرج من المعادلة أو فقد أوراقه كلها وهو ما يزال يمتلك حضورا قويا داخل المؤسسة الإسرائيلية ويحظى بدعم تيارات نافذة داخل الولايات المتحدة وما تزال ملفات الأمن والتكنولوجيا والتعاون العسكري تجعل من العلاقة بين البلدين تتجاوز الأشخاص والخلافات لكن المؤكد أن نتنياهو لم يعد يقف في واشنطن بالموقع نفسه الذي وقف فيه قبل سنوات والواضح من تداعيات هذه الزيارة ان موازين التأثير تغيرت حتى وإن لم تتغير طبيعة التحالف وان قواعد العلاقة بين الطرفين تبدلت حتى وإن بقيت المصالح الكبرى على حالها.
الدرس السياسي الأهم الذي حملته الزيارة ان القوة في العلاقات الدولية لا تقاس بعدد اللقاءات ولا بحرارة التصفيق والابتسامات ولا حتى بطول السجاد الأحمر وإنما بقدرة كل طرف على فرض أولوياته على الآخر وفي هذا الاختبار بالتحديد بدا واضحا أن الكفة لم تعد تميل كما كانت في السابق حيث عاد نتنياهو من واشنطن وهو لا يحمل أزمة مع الولايات المتحدة لكنه لم يحمل أيضا صورة الزعيم الذي يستطيع أن يحدد عليها اتجاه البوصلة المستقبلية كما فعل مرارا خلال العقدين الماضيين وهذا هو التحول الحقيقي الذي حاولت الإدارة الأمريكية إيصاله بهدوء وحزم ومن دون بيانات صاخبة حيث لم تغلق الباب في وجهه لكنها فتحت أمامه بابا مختلفا تماما عنوانه ( أن التحالف باق لكن النفوذ لم يعد مطلقا ) وأن الشراكة مستمرة لكن بشروط أمريكية أكثر من أي وقت مضى.
ختاما : التاريخ يعلمنا أن التحالفات الكبرى لا تبدأ بالتصدع عندما يختلف الحلفاء على الأهداف بل عندما يختلفون على من يملك حق تحديدها ويبدو أن زيارة نتنياهو الأخيرة للبيت الابيض لم تكن سوى اعلان هادئ عن بداية هذا النوع من الاختلاف أما فيما اذا كان ذلك سيبقى مجرد تباين عابر أم سيتحول إلى مسار استراتيجي دائم فذلك سؤال اخر قد تجيب عنه تطورات المنطقة في الأشهر المقبلة لكن المؤكد أن واشنطن لم تغيّر حليفها بعد وإنما بدأت تعيد تعريف حدود نفوذه داخل غرفة القرار الأمريكي.
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]




