النفط يتأرجح وسط تطورات مضيق هرمز وشحّ المخزونات والمشتقات يرفع مخاطر السوق

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

سوق تحركه العناوين الإخبارية

يواصل النفط تأرجحه الحاد مع عدم وجود مسار واضح نحو إعادة فتح مضيق هرمز في ظل حرب التصريحات الدائرة بين واشنطن وطهران. ويتداول خام برنت عند نحو 90 دولاراً للبرميل، لكن حركة الأسعار الأخيرة اتسمت بتقلبات سريعة مع تفاعل المتعاملين مع كل عنوان دبلوماسي جديد.

ولا تزال إيران تصر على ضرورة تلبية شروطها قبل إعادة فتح المضيق، في حين طرحت واشنطن مطالبها الخاصة، ما جعل المفاوضات تراوح مكانها فعلياً.

ويعكس هذا التقلب جزئياً حالة عدم اليقين الاستثنائية المحيطة بتوقيت إعادة فتح المضيق وتداعياتها. فمن المؤكد أن استئناف حركة الشحن سيُنظر إليه في البداية باعتباره عاملاً ضاغطاً على الأسعار. إذ يمكن أن ترتفع صادرات الخام، ويُعاد تشغيل جزء من إنتاج الخليج المتوقف، وتخف الاختناقات اللوجستية، كما ستتلاشى علاوة مخاطر جيوسياسية كبيرة من أسعار النفط.

لكن هذه ليست سوى جهة واحدة من الصورة. فقد أدت قرابة ستة أشهر من الاضطرابات إلى استنزاف هوامش الأمان في منظومة النفط العالمية بدرجة كبيرة مقارنة بما كانت عليه عند اندلاع الصراع.

وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن المخزونات النفطية العالمية المرصودة تراجعت بنحو 410 ملايين برميل منذ بداية الحرب، أي بمتوسط سحب يبلغ 2.7 مليون برميل يومياً. كما انخفضت المخزونات بمقدار 69 مليون برميل إضافية في يوليو، فيما تتوقع الوكالة الآن أن يظل ميزان سوق النفط العالمي في حالة عجز بنحو 1.8 مليون برميل يومياً خلال الربع الثالث.

وقد ساعدت عمليات السحب من المخزونات الطارئة على سد جزء من الفجوة، لكن هذه البراميل تمثل إمدادات مستعارة من المستقبل وليست إمدادات جديدة جرى إنتاجها. وستحتاج المخزونات الاستراتيجية في نهاية المطاف إلى إعادة بنائها، ما يعني أن عودة براميل الخليج لن تؤدي بالضرورة إلى فائض فوري أو مستدام في السوق.

لماذا لا ترتفع أسعار الخام أكثر؟

في ضوء حجم الاضطرابات وطول مدتها، قد يكون السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو: لماذا يواصل خام برنت التداول دون مستوى 100 دولار؟

ويقدم تراجع الطلب جزءاً كبيراً من الإجابة.

فقد خفضت وكالة الطاقة الدولية مجدداً توقعاتها للطلب العالمي على النفط في عام 2026، وتتوقع الآن انخفاض الاستهلاك بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً خلال العام. وانكمش الطلب، وفق تقديراتها، بنحو 4.9 مليون برميل يومياً على أساس سنوي خلال الربع الثاني، ومن المتوقع أن يظل منخفضاً بمقدار 2.8 مليون برميل يومياً في الربع الثالث.

وتؤثر أسعار الوقود المرتفعة، واضطرابات سلاسل الإمداد، وانخفاض توافر المنتجات، جميعها في الاستهلاك.

وقد أدت الصين دوراً مهماً بصورة خاصة في تحقيق التوازن. وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن متوسط واردات الصين من النفط الخام بلغ 8.1 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني، بانخفاض 32% عن الربع الأول، فيما ظلت الواردات في يوليو أقل بكثير من مستوياتها المسجلة قبل عام.

وقد ساعد انخفاض الطلب من أكبر مستورد للخام في العالم على استيعاب جزء مهم من صدمة إمدادات الخليج، ومنع الأسعار من الارتفاع أكثر.

كما أن السوق يستشرف المستقبل بطبيعته. فلا يزال المتعاملون يسعرون احتمال إعادة فتح مضيق هرمز في نهاية المطاف وتعافي إنتاج الخليج. وتفترض إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تظل التدفقات مقيدة بشدة حتى أغسطس، قبل أن تبدأ في التحسن تدريجياً اعتباراً من سبتمبر، رغم توقعها أن يستغرق استعادة أنماط التجارة والإنتاج إلى ما يقارب مستوياتها السابقة للصراع حتى أوائل عام 2027.

وتتوقع أحدث تقديراتها أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 85 دولاراً في الربع الثالث، قبل أن يتراجع إلى نحو 78 دولاراً في الربع الرابع وإلى 69 دولاراً في عام 2027، مع تعافي الإنتاج وبدء إعادة بناء المخزونات في نهاية المطاف.

وتعمل توقعات عودة الأوضاع إلى طبيعتها مستقبلاً كسقف يحد من الأسعار الفورية، حتى في الوقت الذي يظل فيه ميزان السوق الفعلي اليوم شديد الضيق.

الاختناق الحقيقي في المنتجات المكررة

يمكن القول إن أقوى مؤشر على شح الإمدادات لم يعد يتمثل في الخام نفسه، بل في المنتجات المكررة، ولا سيما المقطرات الوسطى.

ولا تزال أسواق الديزل ووقود الطائرات وزيت التدفئة تعاني ضغوطاً شديدة بسبب الاضطرابات التي طالت منطقتين رئيسيتين للتكرير. فلا تزال صادرات الخام والمنتجات من الشرق الأوسط مقيدة، فيما تواصل الهجمات الأوكرانية الحد من عمليات المصافي الروسية.

وكان الخليج قد تحول قبل الحرب إلى أحد أهم مراكز التكرير الموجهة للتصدير في العالم، إذ بلغت صادراته من المنتجات المكررة نحو 3.3 مليون برميل يومياً في عام 2025.

وتكتسب المنطقة أهمية خاصة في سوقي الديزل ووقود الطائرات. فقد صُممت العديد من مصافيها المتطورة لمعالجة أنواع الخام المتوسطة والكبريتية، وبالاقتران مع قدرات المعالجة المتقدمة، فإنها تتمتع بقدرة كبيرة على إنتاج المقطرات الوسطى.

وينتج الخام متوسط الكثافة، بطبيعته، نسبة أعلى من الديزل والكيروسين مقارنة بالخام الخفيف جداً، ما يجعل تعويض هذه البراميل المفقودة أمراً صعباً بصورة خاصة.

ويؤكد أحدث تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية حجم المشكلة. فقد بلغ إجمالي معالجة الخام في المصافي العالمية 80.9 مليون برميل يومياً في يوليو، لكنه ظل أقل بنحو 5 ملايين برميل يومياً من مستواه قبل عام.

وانخفضت صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا بمقدار 1.3 مليون برميل يومياً على أساس سنوي، بما يعادل نحو 20% من تجارة الديزل العالمية المنقولة بحراً. كما تراجعت صادرات وقود الطائرات من المناطق نفسها بنحو 670 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل 34% من حجم التجارة العالمية.

وتوضح الرسوم البيانية المصاحبة الصورة بجلاء: فقد قفزت فروق أسعار المقطرات إلى مستويات أعلى بكثير من هوامش البنزين في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، فيما ارتفع فرق أسعار التكرير لمؤشر بورصة نيويورك التجاري القائم على مزيج ثلاثة براميل من الخام مقابل برميلين من المنتجات المكررة وبرميل واحد من زيت الغاز إلى مستويات مرتفعة بصورة استثنائية.

وبالنسبة إلى المصافي القادرة على تأمين الخام والحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة، أصبحت المعادلة الاقتصادية استثنائية بكل المقاييس.

فقد أعلنت ماراثون بتروليوم أن الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك من أعمال التكرير والتسويق بلغت 6.7 مليارات دولار في الربع الثاني، مقابل 1.9 مليار دولار قبل عام، فيما ارتفع هامش التكرير لديها بأكثر من الضعف إلى 36.33 دولار للبرميل.

وتعد شركات التكرير الكبرى، بما فيها سينوبك، وأرامكو السعودية، وإكسون موبيل، وماراثون بتروليوم، وفاليرو، من أبرز المستفيدين، إذ تضاعفت تقريباً أسهم ماراثون وفاليرو منذ بداية العام، مع تسعير المستثمرين للتحسن الكبير في اقتصاديات أعمال التكرير.

هيكل السوق المتراجع يحقق مكاسب إضافية

من السمات الأخرى التي غالباً ما يجري تجاهلها في موجة صعود الطاقة هذا العام العائد المتحقق من منحنى العقود الآجلة، إذ أسهم استمرار هيكل السوق الذي تتراجع فيه أسعار العقود الآجلة كلما طال أجل استحقاقها في تعزيز أداء مراكز الشراء طويلة الأجل بصورة كبيرة.

وفي سوق يتسم بهذا الهيكل، تتداول العقود القريبة بعلاوة سعرية مقارنة بالعقود ذات آجال الاستحقاق اللاحقة. وعندما يجري ترحيل المراكز إلى عقود لاحقة، يبيع المستثمرون فعلياً العقود الأعلى سعراً التي اقترب أجل استحقاقها، ويشترون العقود المؤجلة الأرخص.

وينتج عن ذلك عائد إيجابي من ترحيل المراكز يضاف إلى مكاسب الأسعار الفورية، ويضخم العائد الإجمالي حتى خلال الفترات التي تكون فيها حركة الأسعار المباشرة محدودة نسبياً.

وتظهر بيانات بلومبرغ وساكسو المصاحبة أن خام برنت ارتفع بنسبة 46.6% على أساس العقد الآجل الأول، في حين حقق عائداً إجمالياً بلغ 75.7%.

ويظهر خام غرب تكساس الوسيط تبايناً مماثلاً تقريباً، إذ تحولت مكاسب العقد الفوري البالغة 45.5% إلى عائد إجمالي قدره 75.4%.

ويصبح الفارق أكثر وضوحاً في المقطرات؛ فقد حقق زيت الغاز عائداً إجمالياً قدره 154.8%، مقابل ارتفاع نسبته 98.4% في العقد الآجل الأول، في حين بلغ العائد على الديزل منخفض الكبريت 140.4%، مقارنة بمكاسب قدرها 100% للعقد الفوري.

وبالتالي، وفر هيكل السوق المتراجع بشدة للمستثمرين الذين يحتفظون بمراكز شراء طويلة فقط عائداً إيجابياً كبيراً من ترحيل المراكز، إضافة إلى المكاسب الناتجة عن اتجاه الأسعار.

وبعبارة أخرى، لا ينعكس نقص الإمدادات في ارتفاع الأسعار فحسب، بل يظهر أيضاً في العلاوة المتزايدة التي يدفعها السوق مقابل البراميل المتاحة فوراً.

إلى أين تتجه السوق من هنا؟

من شبه المؤكد أن تؤدي إعادة فتح مضيق هرمز في نهاية المطاف إلى موجة تصحيح هبوطية حادة أخرى، مع تسعير المتعاملين لعودة صادرات الخليج.

لكن الحركة اللاحقة قد تكون أكثر تعقيداً.

فقد استُنزفت المخزونات بشدة، وسُحبت كميات من الاحتياطيات الاستراتيجية، ولا يزال إنتاج الخليج أقل بكثير من مستوياته الطبيعية، كما فقدت منظومة التكرير طاقة إنتاجية في المناطق التي يحتاج فيها السوق إليها بشدة.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية نفسها أن تظل المخزونات تحت الضغط قبل أن يتحول ميزان السوق مجدداً نحو الفائض في وقت لاحق من هذا العام.

وهذا يضع سوق الخام بين قوتين متعارضتين ومؤثرتين: توقعات عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية مستقبلاً من جهة، وتراجع هوامش الأمان المادية في السوق إلى مستويات متدنية بصورة متزايدة من جهة أخرى.

وإلى أن يُعاد فتح المضيق فعلياً وتظهر مؤشرات واضحة على تعافي الإنتاج، يبدو أن التقلب سيظل سمة أساسية للسوق، فيما قد تواصل المقطرات وشكل منحنى العقود الآجلة تقديم أوضح دليل على مدى ضيق سوق الطاقة الأساسية.

بقلم أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى