هل ما زالت ساعات العمل مقياساً للإنتاجية؟ الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد تقييم الأداء

أعلنت إمارة دبي مؤخراً عن اعتماد نظام موحّد لقياس إنتاجية القوى العاملة عبر مختلف الجهات الحكومية، في خطوة تعكس توجهاً متزايداً نحو تطوير أساليب أكثر دقة وموضوعية لقياس الأداء، بعيداً عن الاعتماد على ساعات العمل وحدها كمؤشر للإنتاجية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه بيئات العمل تحولات متسارعة بفعل انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، والتي بدأت تغير طبيعة المهام التي يؤديها الموظفون والطريقة التي تقيس بها المؤسسات القيمة الناتجة عن العمل.
ومع تزايد الاستثمارات في الحلول التكنولوجية، يبرز تحدٍ جديد أمام المؤسسات يتمثل في تحديد ما إذا كانت هذه الأدوات تسهم فعلياً في تحسين جودة المخرجات وتسريع اتخاذ القرار ورفع كفاءة فرق العمل، أم أنها مجرد إضافة تقنية لا تنعكس بشكل ملموس على الأداء.
ويرى ماهيش شاهدادبوري، رئيس مجلس إدارة مجموعة تاسك للتوظيف، أن التحول نحو قياس الإنتاجية وفقاً للقيمة الفعلية التي يضيفها الموظف يمثل خطوة مهمة في مواكبة التغيرات التي تشهدها أسواق العمل.

وقال ماهيش شاهدادبوري:
“يُعدّ توجه دبي نحو إقرار منهجية موحّدة لقياس الإنتاجية مؤشراً جلياً على ضرورة تجاوز معيار الساعات التي يقضيها الموظف على مكتبه عند تقييم الأداء؛ فالساعات الفعلية لا تعكس القيمة الحقيقية التي يضيفها الموظف، ولا جودة مخرجات عمله، كما أنها لا تبين ما إذا كانت الأنظمة التقليدية تعوق سير إنجازه.
وتزداد أهمية هذا التمييز مع اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل. ورغم الضخ الاستثماري الكبير للمؤسسات في الأدوات التكنولوجية الحديثة، إلا أن الكثير منها لا يزال يفتقر إلى رؤية واضحة حول مدى انعكاس هذه الاستثمارات على تعزيز الأداء الفعلي. إن المعايير الحقيقية لقياس النجاح اليوم تكمن في حجم الوقت المُوفّر، وجودة المخرجات، وسرعة اتخاذ القرار، وقدرة المؤسسة على إعادة توجيه طاقات كادرها البشري نحو مهامٍ أعلى قيمة وأكثر فائدة.
ومن منظور إدارة المواهب، يمكن لبيانات الإنتاجية كشف ثغرات وملاحظات تغفل عنها غالباً تقييمات الأداء التقليدية. ففي حال تراجع أداء فريق عمل بأكمله، قد تعود المشكلة إلى إجراءات التشغيل، أو التقنيات المستخدمة، أو هيكلة الوظيفة نفسها، وليس إلى قدرات الأفراد. وحين تُستغل هذه البيانات بالشكل الأمثل، فإنها تمكّن أصحاب العمل من تحديد الفجوات المهارية، وإعادة تصميم الأدوار الوظيفية، وتوجيه البرامج التدريبية نحو المجالات التي تحقق أثراً ملموساً.
وعلى الجانب الآخر، هناك مخاطرة جلية؛ إذ لا ينبغي إطلاقاً أن تتحول أدوات قياس الإنتاجية إلى صورة أخرى من صور الرقابة على الموظفين أو وسيلة لمضاعفة أعباء العمل. فاعتماد مؤشرات قياس غير دقيقة قد يكافئ النشاط الظاهري على حساب المساهمة الحقيقية، مما يؤدي سريعاً إلى تقويض الثقة داخل بيئة العمل.
لذا يجدر بالقطاع الخاص التعامل مع مبادرة دبي كحافز لإعادة تقييم مفهوم الأداء؛ بحيث تتحدد الأولويات في صياغة مفهوم واضح للأداء، وتجاوز العقبات الإجرائية التي تعطل الموظفين، وضمان تحقيق التكنولوجيا لقفزات ملموسة في أساليب تنفيذ الأعمال.”
وفي وقت تواصل فيه المؤسسات في كافة أنحاء البلاد إعادة النظر في مفاهيم الإنتاجية والأداء وسط متغيرات بيئة العمل، فمن المتوقع أن تسهم مبادرة دبي في إثراء الحوار حول سبل تمكين أصحاب العمل من قياس المساهمة الفعالة للموظفين، بما يدعم أهداف الأعمال ويرعى الكوادر البشرية في آن واحد.

وتعمل تاسك للتوظيف مع مؤسسات وقطاعات مختلفة في المنطقة على استراتيجيات القوى العاملة، والتخطيط للكفاءات، واستشراف مستقبل الوظائف، ما يمنحها رؤية مباشرة حول التحولات التي تؤثر في التوظيف وإدارة القوى العاملة في القطاع الخاص.
وتطرح الخطوة الجديدة في دبي تساؤلاً أوسع أمام المؤسسات حول مستقبل قياس الأداء: هل يبقى الوقت الذي يقضيه الموظف في العمل هو المعيار الأساسي، أم تصبح جودة المخرجات وسرعة الإنجاز والقيمة التي يضيفها الموظف هي المؤشرات الأكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى