بسام العريان يكتب : أدب الرحيل.. حين تصبح الكرامة هي المستقَر

في حياة كلٍّ منا لحظةٌ فاصلة، لا تعود بعدها الأشياء كما كانت. لحظةٌ يتوقف فيها المرء عن الجري خلف سراب التقدير، ويستدرك أن العطاء بلا حدود لمن لا يصونه ليس سوى استنزافٍ بطيء للروح. كم أمضينا من العمر ونحن نحتشد لأولئك الذين ظنناهم المأوى والمستقر، بنينا معهم جدراناً من الأمان، وغرسنا في أرضهم طمأنينةً نسينا أن نزرعها في ذواتنا، لنستيقظ في النهاية على حقيقةٍ مَرّة: أن الاستقرار والكرامة لا يُستجديان من أيدٍ اعتادت الإيذاء، ولا يُطلبان ممن يرون الحنان ضعفاً والمودة فرصةً للاستخفاف.
إن الروح حين تتشبع بالخيبات تصل إلى مرحلةٍ من الزهد الكامل؛ لم تعد تميل إلى شيء، وأصبح البعد عن كل شيء هو الخيار الأعدل والأنقى. لا شوقَ يغريها بالعودة، ولا وعدَ براقاً يملك القدرة على ترميم ما انكسر أو إعادة نبض الأمل. وحين يكثر الكلام وتلتبس الحقائق ويصبح مجرد البقاء إهانةً للذات، يغدو الصمتُ هو الموقف الأكثر بلاغة؛ فالصمت في وجه الإساءة كرامة، والرحيل عن الموائد التي لا تُحترم فيها نجاة.
لم يكن الرحيل يوماً رغبةً في القسوة أو بحثاً عن الانتقام، بل كان خيار الضرورة، والأكسجين الأخير لرئةٍ أرهقها التجمّل بالصبر. إن الرحيل راحةٌ تنزع عن الكاهل ثقل الانتظار والتوقع. الاستقرار الحقيقي لا يأتي من التشبث بآخرين يُمزقون الهدوء الداخلي، بل ينبع من الشجاعة في إغلاق الأبواب التي يأتي منها الريح، والالتفات إلى الذات لنكون نحن الأرض والمأوى والسند. أن نرحل بخفة، بلا ضغينة ولا حنين، معافين من تكرار الخيبة، ومدركين أن السلام الداخلي يبدأ تماماً من اللحظة التي نكفّ فيها عن ملاحقة السراب.


