ببصمة أردنية.. «واسجد واقترب» السعودي من لوحة في مكة إلى أرشيف الأوسكار بـ31 جائزة عالمية
لم يكن الطريق من لوحة فنية إلى أرشيف أكاديمية الأوسكار طريقاً قصيراً بالنسبة للفيلم السعودي للرسوم المتحركة «واسجد واقترب»، الذي تحولت حكايته المستوحاة من لحظة استثنائية عاشهاالمسجد الحرام خلال جائحة كورونا إلى رحلة سينمائية عالمية، حصد خلالها 31 جائزة دولية، ومر بمحطات بارزة في فينيسيا وكان، قبل أن يصل إلى أرشيف أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة.
لكن وراء هذه الرحلة السعودية، تبرز حكاية أخرى لا تقل أهمية، عنوانها «البصمة الأردنية».
فالفيلم الذي حمل قصة سعودية وروحاً مستوحاة من مكة المكرمة، شاركت في صناعته شركة «تومندورا للإنتاجات» الأردنية، إلى جانب مجموعة من الكفاءات الأردنية التي ساهمت في مراحل فنية أساسية، من بينها التحريك والمونتاج.
وتبرز أسماء أردنية في اعتمادات الفيلم، في مقدمتها عمر عبد الحافظ، الذي تولى مهمة قيادة التحريك، إلى جانب سيف الربيحات ومحمد السبيناتي وحسام أبو عرقوب في المونتاج، فيما يرتبط المخرج الأردني مصطفى المرايات بشركة «تومندورا» التي شاركت في إنتاج الفيلم.
وبذلك، فإن الإنجاز الذي يُحسب للسينما السعودية يحمل في تفاصيله أيضاً مساهمة أردنية تستحق أن تُروى، خصوصاً أن هذه الكفاءات شاركت في صناعة عمل وصل إلى واحدة من أهم مؤسسات حفظ تاريخ السينما في العالم.
من لوحة «واسجد واقترب» بدأت الحكاية
تعود جذور الفيلم إلى عام 2020، خلال فترة جائحة كورونا، عندما رسمت الفنانة التشكيلية السعودية نبيلة أبو الجدايل لوحة حملت عنوان «واسجد واقترب».
اللوحة التقطت مشهداً غير مألوف للمسجد الحرام في مكة المكرمة، بعدما أدت الإجراءات الاحترازية المرتبطة بالجائحة إلى إغلاق المكان أمام المصلين والزوار، ليظهر أحد أكثر الأماكن ازدحاماً في العالم في صورة استثنائية يغلب عليها الهدوء والفراغ.
ومن تلك اللحظة البصرية ولدت فكرة الفيلم.
تحولت اللوحة إلى عمل رسوم متحركة قصير، تولت ثريا الشهري ونبيلة أبو الجدايل كتابته وإنتاجه وإخراجه، من خلال شركة «الثريا للإنتاج الفني».
ويبلغ الفيلم نحو سبع دقائق، ويستند إلى أحداث حقيقية، ويركز على لحظة روحانية داخل المسجد الحرام خلال فترة الإغلاق المرتبطة بجائحة كوفيد-19.
لكن تحويل لوحة ثابتة إلى فيلم متحرك لم يكن مجرد عملية تقنية، بل تطلب فريقاً متخصصاً في بناء الحركة والصورة والإيقاع السينمائي، وهنا دخلت الخبرة الأردنية إلى المشروع.
الأردن.. من اللوحة إلى الحركة
من أهم ما يميز «واسجد واقترب» أن الصورة التي وصلت إلى الجمهور العالمي لم تكن نتاج الفكرة وحدها، بل نتيجة عمل فني وتقني متعدد المراحل.
وفي هذا الجانب، جاءت مشاركة «تومندورا للإنتاجات» الأردنية، وهي شركة متخصصة في مجال الرسوم المتحركة والإنتاج الإبداعي.
وتظهر اعتمادات الفيلم مشاركة الشركة الأردنية ضمن شركات الإنتاج، إلى جانب أسماء أردنية في الفريق الفني.
ويبرز اسم الأردني عمر عبد الحافظ بوصفه «قائد التحريك» في الفيلم، وهي واحدة من أهم المهام في أي عمل للرسوم المتحركة؛ فبعد أن تكون الفكرة واللوحة قد حددتا العالم البصري للعمل، تأتي مرحلة التحريك لتمنح الشخصيات والعناصر والمكان حركة وحياة وإيقاعاً.
وهنا تحديداً يمكن قراءة البصمة الأردنية في الفيلم بصورة أعمق: لم يكن دور التحريك مجرد إضافة تقنية، بل كان الجسر الذي نقل العمل من لوحة تشكيلية إلى لغة سينمائية متحركة.
أسماء أردنية في المونتاج
ولا تتوقف المشاركة الأردنية عند التحريك.
فقد شارك سيف الربيحات ومحمد السبيناتي وحسام أبو عرقوب في المونتاج، بحسب اعتمادات الفيلم المنشورة.
والمونتاج في فيلم قصير لا يقل أهمية عن التحريك؛ فمع مدة لا تتجاوز دقائق قليلة، تصبح كل لقطة محسوبة، وكل انتقال بين المشاهد جزءاً من عملية سرد القصة وبناء تأثيرها العاطفي.
وبذلك، شاركت الكفاءات الأردنية في مرحلتين حاسمتين من صناعة الفيلم: صناعة الحركة، ثم بناء الإيقاع النهائي للعمل عبر المونتاج.
مصطفى المرايات.. اسم أردني حاضر في المشروع
ومن الأسماء الأردنية التي تستحق الإضاءة أيضاً المخرج مصطفى المرايات، المرتبط بشركة «تومندورا» الأردنية.
ويأتي حضور المرايات في سياق المشاركة الأردنية في المشروع من خلال الشركة التي كانت ضمن شركات إنتاج الفيلم، وليس باعتباره مخرج الفيلم نفسه؛ إذ تنسب الاعتمادات المنشورة إخراج «واسجد واقترب» إلى ثريا الشهري ونبيلة أبو الجدايل.
وهذا التفصيل مهم مهنياً، لأنه يوضح الفرق بين صانعي الفيلم الرئيسيين وبين الكفاءات والشركات التي شاركت في إنتاجه وتنفيذه.
وبالنسبة للأردن، فإن أهمية التجربة تكمن في أن شركة أردنية وفريقاً من العاملين الأردنيين في الرسوم المتحركة شاركوا في صناعة فيلم أصبح لاحقاً جزءاً من مسار دولي كبير.
فينيسيا.. أول محطة كبرى
بعد اكتمال العمل، بدأت رحلة «واسجد واقترب» إلى المهرجانات الدولية.
وفي 30 أغسطس 2024، عُرض الفيلم ضمن برنامج سوق الأفلام في «Venice Production Bridge» خلال الدورة الـ81 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، في صالة «Sala Pasinetti».
وتشير المواد الخاصة بالفيلم إلى أن العرض مثّل سابقة للرسوم المتحركة السعودية، باعتباره أول فيلم سعودي للرسوم المتحركة يُعرض في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.
وهنا بدأت قصة الفيلم تتحول من نجاح فني إلى حضور دولي.
كان.. جائزة جديدة تفتح أبواب العالم
في الدورة الـ77 من مهرجان كان السينمائي عام 2024، حصد «واسجد واقترب» جائزة «Animation That Matters».
وتوثق المواد الخاصة بالفيلم حصوله على الجائزة، إلى جانب نسب الإخراج والإنتاج إلى ثريا الشهري ونبيلة أبو الجدايل.
وكان الفوز في كان محطة مفصلية، خصوصاً أن الفيلم لم يكن يقدم قصة تقليدية، وإنما يعالج لحظة شديدة الخصوصية في التاريخ الحديث للمسجد الحرام.
31 جائزة في المهرجانات الدولية
بعد فينيسيا وكان، واصل الفيلم رحلته في المهرجانات، حتى وصل عدد الجوائز الدولية التي حصدها إلى 31 جائزة.
كما سجل الفيلم سابقة بوصفه أول فيلم رسوم متحركة سعودي قصير يدخل القائمة الطويلة المؤهلة لجوائز الأوسكار.
وتكشف قراءة نقدية للفيلم أن قوة العمل لا تقوم فقط على موضوعه، بل على معالجته البصرية لمشهد المسجد الحرام وهو شبه خالٍ من المصلين، مع التركيز على عمال النظافة والحمام الموجود في المكان بوصفهم من العناصر القليلة التي بقيت حاضرة خلال تلك الفترة.
وهذه المعالجة منحت الفيلم بعداً إنسانياً، بعيداً عن الصورة التقليدية التي اعتاد الجمهور رؤيتها للمسجد الحرام وهو مكتظ بالحشود.
من «شاهد» إلى أرشيف الأوسكار
وفي 30 أغسطس 2024، تزامن عرض الفيلم في فينيسيا مع طرحه على منصة «شاهد»، في خطوة أتاحت للجمهور مشاهدة الفيلم بالتزامن مع حضوره في المهرجان الإيطالي.
لكن المحطة التي أعطت الفيلم بعداً تاريخياً جاءت في عام 2026.
في 18 مايو 2026، أُعلن عن إدراج «واسجد واقترب» في أرشيف أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، مع إيداع مواد أصلية من الفيلم في مكتبة «مارغريت هيريك» التابعة للأكاديمية في بيفرلي هيلز بولاية كاليفورنيا.
وشملت المواد المودعة ملصق الفيلم وعناصر إبداعية أصلية مرتبطة به، لتُحفظ ضمن مؤسسة تعنى بتوثيق تاريخ السينما وفنونها.
إنجاز سعودي.. وبصمة أردنية
في ظاهر القصة، نحن أمام إنجاز سعودي مهم في مجال الرسوم المتحركة.
لكن عند النظر إلى تفاصيل صناعة الفيلم، تظهر صورة أوسع للتعاون العربي.
ثريا الشهري ونبيلة أبو الجدايل قادتا الفيلم كتابة وإخراجاً وإنتاجاً، وانطلقت الفكرة من لوحة نبيلة أبو الجدايل، بينما دخلت شركة «تومندورا» الأردنية وفريق من الكفاءات الأردنية في مراحل أساسية من التنفيذ.
وهنا تظهر أسماء تستحق أن تُذكر بوضوح:
مصطفى المرايات — اسم أردني مرتبط بشركة «تومندورا» المشاركة في إنتاج الفيلم.
عمر عبد الحافظ — قائد التحريك.
سيف الربيحات — مونتاج.
محمد السبيناتي — مونتاج.
حسام أبو عرقوب — مونتاج.
هذه الأسماء ليست هامشاً في قصة الفيلم، لأن الرسوم المتحركة تعتمد على سلسلة متكاملة من المهام الفنية، ويشكل التحريك والمونتاج جزءاً أساسياً من تحويل الفكرة إلى تجربة سينمائية مكتملة.
الأردن حاضر في صناعة الرسوم المتحركة
وتحمل هذه المشاركة أهمية خاصة بالنسبة لصناعة الرسوم المتحركة الأردنية، لأنها تظهر قدرة الشركات والكفاءات المحلية على الدخول في إنتاجات عربية ذات طموح دولي.
فالفيلم لم يتوقف عند العرض المحلي، ولم تكن مشاركته في المهرجانات العالمية مجرد حضور رمزي، بل قطع رحلة طويلة انتهت بإدراجه في أرشيف أكاديمية الأوسكار.
وبالتالي، فإن وصول العمل إلى هذه المرحلة يمنح أسماء الفريق الأردني قيمة إضافية، لأن مساهمتهم أصبحت جزءاً من فيلم محفوظ ضمن مؤسسة عالمية تعنى بتاريخ السينما.
من مكة إلى العالم
ربما تكون المفارقة الأجمل في قصة «واسجد واقترب» أن العمل بدأ من مشهد بدا في لحظته منعزلاً عن العالم.
مسجد حرام شبه خالٍ، خلال واحدة من أصعب فترات القرن الحادي والعشرين، ولوحة فنية التقطت هذا المشهد.
لكن اللوحة تحولت إلى فيلم، والفيلم تحول إلى مشاركة دولية، والمشاركة تحولت إلى جوائز، ثم أصبح العمل جزءاً من أرشيف أكاديمية الأوسكار.
وفي هذه الرحلة، لم تكن الحدود العربية عائقاً أمام الإبداع.
قصة سعودية، ومشروع سعودي، وشركة أردنية، وكفاءات أردنية شاركت في التحريك والمونتاج، ثم مهرجانات عالمية وأرشيف سينمائي أمريكي يحتفظ بمواد الفيلم.
إنها في النهاية قصة نجاح عربي مشترك، وفي قلبها أسماء أردنية صنعت جزءاً من الصورة التي شاهدها العالم.
وبينما يواصل «واسجد واقترب» حضوره بوصفه تجربة بارزة في الرسوم المتحركة السعودية، فإن مشاركة مصطفى المرايات وعمر عبد الحافظ وسيف الربيحات ومحمد السبيناتي وحسام أبو عرقوب، إلى جانب «تومندورا للإنتاجات»، تمنح الإنجاز بعداً أردنياً يستحق أن يُروى ويُعرف.
فمن لوحة صامتة في مكة خلال زمن الجائحة، إلى شاشة فينيسيا، وجائزة في كان، و31 جائزة دولية، وصولاً إلى أرشيف الأوسكار، قطع «واسجد واقترب» رحلة طويلة.
وفي جزء من هذه الرحلة، كانت هناك أيادٍ وعقول أردنية ساهمت في تحويل اللوحة إلى حركة، والحركة إلى فيلم، والفيلم إلى قصة وصلت إلى العالم.





