دخول المدارس..بين خوف الأهل ومقاومة الأبناء

لفت نظري حالة تذمر ملحوظ من أغلب الأمهات وبعض أولياء الأمور بسبب اقتراب دخول المدارس!
وخوف غير مبرر وقلق على الأبناء، بحجة دخول فصل الخريف مع دخول المدارس، وتقلبات الجو المفاجئة، والتخوف على صحة الأبناء.
تعجبت، ما الجديد؟ جيلي والجيل الذي سبقني وجيل أبنائنا، كان موعد دخول المدارس مع دخول فصل الخريف، فما الذي استجد؟ لماذا ارتفعت وتيرة تخوف أولياء الأمور على فلذات أكبادهم؟
تساءلت، فجاءني الرد الصادم: «إن جيلكم جيل البركة والصحة السليمة والمقاومة العالية، أما أبناؤنا فمقاومتهم ضعيفة، وتعرضهم لنزلات البرد والكحة سريع، وتكدس الفصول الدراسية بأعداد كبيرة، وجلوس التلاميذ بشكل متقارب من بعضهم البعض، كل تلك عوامل ساعدت على انتشار الأمراض سريعًا. وجيلكم لم يعرف الأمراض المستحدثة مثل كورونا والمتحورات الجديدة، وأسماء لم نسمع بها من قبل، والجو الملوث والماء الملوث والأطعمة الملوثة، جعلتنا نتمنى أن يكون التعليم أونلاين!»
لا أدري، هل أقتنع بمبرراتهم أم أتوجه باللوم عليهم؟ هل فعلًا العوامل الخارجية هي السبب، أم أن أولياء الأمور ليسوا على قدر من المسؤولية بشكل كامل؟
أتذكر والدي رحمه الله، إضافة إلى أنه كان يوصلنا إلى المدرسة ويعيدنا منها، بالرغم من كل مسؤولياته وأعماله، كان يحثنا على أداء تمارين رياضية صباحًا حتى نستعيد نشاطنا استعدادًا للذهاب إلى المدرسة.
وإذا اشتكى أحدنا من التعب حتى يمتنع عن الذهاب إلى المدرسة، كان يوبخه ويقيس حرارته، فإذا وجدها طبيعية يجبرنا على الذهاب إلى المدرسة. لا عذر للكسل وترك يوم دراسي كامل، علمًا أن برد شتاء العراق كان قاسيًا جدًا، لدرجة أن كل غرفة فيها مدفأة حتى نتحمل برد الشتاء.
وكانت الأمطار الغزيرة تغطي الأرصفة والشوارع، لدرجة أننا لم نكن نستطيع السير فيها إلا بعد أن يضع البعض الصخور ونمشي عليها.
أتذكر جارتنا كانت تحمل ابنتها التي في العاشرة من عمرها على كتفها كي تستطيع أن تمشي بها فوق الصخور، ولم تكن تقول لابنتها: اليوم المطر غزير، لا تذهبي إلى المدرسة!
كنا نتناول التمر أو عسل النحل مع حبة البركة، كي نرفع مناعتنا ومقاومتنا، ولا نلجأ إلى المضاد الحيوي إلا للضرورة القصوى.
أما الآن، فالكل يبحث عن السبل السهلة والسريعة. أغلب الأمهات يسارعن إلى المضادات الحيوية والفيتامينات والمكملات الغذائية، ظنًا منهن أن ذلك يبعد شبح الأمراض عن أطفالهن.
من حق الوالدين أن يهتموا بصحة أبنائهم، والحذر شيء محمود، لكن الخوف المبالغ فيه والقلق مرفوضان، بل سوف ينتقلان إلى الأبناء ويخلقان داخلهم خوفًا أو كرهًا للمدرسة.
المطلوب أن نريهم نماذج إيجابية في المجتمع، وكيف خدموا أوطانهم ورفعوا رأس والديهم، وكتبوا أسماءهم بحروف من ذهب في التاريخ.
وبالمقابل، نريهم نماذج من مجتمعنا ممن تخلفوا عن المدارس والتعليم، وكيف يبذلون جهدًا في أعمال يدوية شاقة وغير مجدية ماديًا، ويعانون من نظرة دونية اجتماعيًا، كي يلمس أبناؤنا أهمية التعليم والعلم والحصول على الشهادة.
علينا زرع أهداف سامية داخل أبنائنا، وعلينا أن نذلل الصعاب أمامهم، وأمام تنشئتهم التنشئة السليمة التي تنفعهم أولًا، وتنفع مجتمعهم ووطنهم والإنسانية جمعاء.
بقلم: نادية إبراهيم نوري


