جوقة تجمع الأصوات العربية في الإمارات.. من الطرب والتراث إلى الفلكلور الفلسطيني

في مدينة مثل دبي، تبدو فكرة أن تجتمع أصوات عربية متعددة في جوقة واحدة أكثر من مجرد مشروع موسيقي؛ إنها تجربة تعكس طبيعة المدينة التي تحولت إلى ملتقى لمختلف الثقافات والجنسيات.

من هنا جاءت «جوقة بسمة»، التي استطاعت خلال سنوات قليلة أن تقدم نموذجًا موسيقيًا يقوم على جمع المواهب العربية تحت مظلة واحدة، وتقديم الأغنية العربية بمساحات واسعة تمتد من الطرب الأصيل إلى التراث والموشحات والفلكلور والأغنية المعاصرة.

الجوقة أسسها السوري علاء الدين حنيني، فيما يتولى ناجي غانم قيادة الكورال، لتتحول «بسمة» إلى مساحة فنية تجمع موسيقيين ومغنين من خلفيات عربية متعددة، وتقدم أعمالًا تستعيد الذاكرة الموسيقية العربية وتعيد تقديمها بروح جماعية معاصرة.

فكرة بدأت من الموسيقى

بحسب تصريحات لمؤسس الجوقة علاء الدين حنيني فإن فكرة تأسيس «بسمة» قامت على توحيد الموسيقى العربية تحت مظلة واحدة، وتقديم محتوى يجمع بين الفن الطربي الأصيل والمضمون الثقافي الراقي

هذه الفكرة تبدو واضحة في طبيعة الأعمال التي تختارها الجوقة حيث لا تتعامل مع الأغنية باعتبارها لونًا موسيقيًا منفصلًا، وإنما باعتبارها جزءًا من ذاكرة ثقافية أوسع.

فالأغنية الشامية يمكن أن تلتقي بالخليجية، والموشح بالأغنية الحديثة، والتراث الشعبي بالموسيقى الأوركسترالية، ضمن رؤية تحاول أن تقول إن اختلاف اللهجات والأنماط لا يعني اختلافًا في الجذور.

دبي.. المكان الطبيعي للتجربة

اختيار دبي لتكون مساحة لهذه التجربة ليس تفصيلًا عابرًا فالمدينة تضم جاليات عربية متعددة وتستضيف على مدار العام فعاليات ثقافية وفنية متنوعة، الأمر الذي يوفر للجوقة جمهورًا واسعًا ومتعدد الخلفيات ولهذا تبدو «بسمة» أشبه بصورة مصغرة عن المدينة نفسها؛ أصوات مختلفة تجتمع في مكان واحد، مع احتفاظ كل صوت بخصوصيته.

عبّر حنيني عن أهمية تقديم مشاركات تعزز الثقافة العربية خصوصًا في مدينة مثل دبي التي تحتضن مختلف الجنسيات العربية

من الطرب إلى التراث

لا تحصر «بسمة» تجربتها في نمط موسيقي واحد فالبرنامج الفني للجوقة يتحرك بين الأغنية العربية الكلاسيكية والطرب والموشحات والأندلسيات والأغاني الشعبية والتراثية، إلى جانب أعمال معاصرة.

هذا التنوع يمنح أعضاء الجوقة فرصة للتعرف إلى موسيقى بلدان عربية أخرى، كما يمنح الجمهور فرصة للاستماع إلى أكثر من لون موسيقي في عرض واحد.

وتصبح الجوقة في هذه الحالة مساحة للتعلم والتبادل الثقافي، وليس مجرد مجموعة تؤدي الأغاني على المسرح.

ناجي غانم.. قيادة الصوت الجماعي

يقود الجوقة ناجي غانم، الذي ارتبط اسمه بالتدريب الموسيقي والإشراف على الأداء الجماعي لـ«بسمة» والعمل مع الكورال يختلف عن الغناء الفردي؛ فنجاح العرض يعتمد على قدرة عشرات الأصوات على التناغم في التوقيت والأداء والتعبير.

وهنا تأتي أهمية قائد الكورال في ضبط الإيقاع، وتوحيد مخارج الصوت، وإدارة الطبقات الصوتية، وتحويل مجموعة من الأصوات الفردية إلى صوت فني واحد.

وفي إحدى تجارب الجوقة، جرى إعداد أداء لموشح «لما بدا يتثنى» في صيغة مرتبطة بالمعارضة الشعرية «همت بظبي جفلا» التي كتبها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وهي تجربة أظهرت قدرة «بسمة» على التعامل مع النص العربي والموسيقى التراثية في قالب جماعي

محطات على الطريق

خلال مسيرتها، شاركت «بسمة» في عدد من الفعاليات والمنصات الثقافية والفنية في الإمارات ومن بين المحطات التي ارتبط اسم الجوقة بها مشاركات في فعاليات مثل Hekayah في جامعة نيويورك أبوظبي، وفعاليات في مهرجان القوز، ومركز جميل للفنون، ومهرجان سكة للفنون والتصميم كما ظهرت الجوقة في ختام مهرجان الشارقة للآداب، حيث قدمت عرضًا احتفى باللغة العربية والثقافة، ووصفت التغطية المشاركة بأنها جمعت مواهب عربية متعددة بلغة الغناء والموسيقى وفي تلك المناسبة تحدث حنيني عن وصول الجوقة إلى مرحلة وصفها بالمتميزة، مؤكدًا فكرة المشروع القائمة على جمع الموسيقى العربية ضمن إطار واحد

«بسمة» وفلسطين حين يصبح التراث رسالة

في عام 2026 اتسع حضور «بسمة» ليشمل مساحة مهمة من التراث الفلسطيني فقد شاركت الجوقة في فعالية «الإمارات تحب فلسطين» التي شهدها مركز دبي للمعارض في مدينة إكسبو دبي، ضمن فعالية جمعت الثقافة والفنون والتراث الفلسطيني، وحظيت بحضور جماهيري واسع

تكتسب مشاركة «بسمة» في هذه المناسبة أهمية خاصة لأنها تأتي في سياق اهتمام الجوقة بتقديم الفن والفلكلور الفلسطيني إلى جانب الألوان العربية الأخرى التي تشكل هويتها الموسيقية.

فالتراث الفلسطيني بالنسبة إلى الجوقة ليس مجرد لون غنائي إضافي، وإنما جزء من الذاكرة الثقافية العربية، بما يحمله من أغانٍ شعبية وإيقاعات وفلكلور وحكايات متوارثة.

ومن خلال تقديم الأغنية والفلكلور الفلسطيني، تسهم «بسمة» في إبقاء هذه الذاكرة حاضرة على المسرح، وتعريف جمهور متنوع في الإمارات بجانب من الموروث الثقافي الفلسطيني.

وتأتي هذه المشاركة في فعالية أقيمت في دبي وجمعت عناصر متعددة من الثقافة الفلسطينية، من الفنون والموسيقى إلى المأكولات والحرف والتراث الشعبي. وقد وصفت تقارير إعلامية الحدث بأنه مساحة جمعت الفلسطينيين من مختلف الأعمار واستحضرت تفاصيل من الذاكرة الفلسطينية في مدينة إكسبو دبي

الفن كجسر بين الجاليات

ربما تكمن أهمية تجربة «بسمة» في أنها لا تقدم التنوع بوصفه شعارًا، بل تحوله إلى ممارسة فنية.

عندما يغني السوري إلى جانب الفلسطيني والمصري والخليجي والمغاربي وغيرهم، تصبح الموسيقى مساحة لاكتشاف الآخر.

وهنا تتحول الجوقة إلى ما يشبه مختبرًا ثقافيًا صغيرًا؛ يتعلم فيه الفنان أغنية ليست من بيئته، ويتعرف إلى إيقاع لم يعتده، ويكتشف أن الاختلاف في اللهجة والمقام لا يلغي وجود مساحة مشتركة واسعة.

وقد عكست شهادات بعض أعضاء الجوقة هذا الجانب؛ إذ وصفت إحدى المشاركات «بسمة» بأنها نموذج للتعلم والتعايش وتبادل الثقافات بين العرب، مؤكدة أن التجربة لا تضيف إلى المشاركين فنيًا فحسب، وإنما ثقافيًا وإنسانيًا أيضًا

«نوستالجيا عربي».. استعادة الذاكرة

من التجارب المرتبطة بمشروع «بسمة» أيضًا مشروع «نوستالجيا عربي»، الذي جاء في إطار الاحتفاء بالذاكرة الموسيقية العربية وتقديمها بصورة جماعية.

وتعكس مثل هذه المشاريع جانبًا أساسيًا من فلسفة الجوقة: العودة إلى الأغنية التي يعرفها الجمهور، لكن من خلال توزيع وأداء يقدمانها بطريقة جديدة.

فالجوقة لا تحاول منافسة المغني الفرد، بل تبني جمالها من تعدد الأصوات وتداخلها.

أكثر من كورال

بعد سنوات من العمل، أصبحت «بسمة» أكثر من مجرد مجموعة غنائية.

إنها تجربة ثقافية تعكس جانبًا من طبيعة الحياة الفنية في الإمارات، حيث يستطيع الفنان العربي أن يحمل تراث بلده معه، وفي الوقت نفسه يكتشف تراث الآخرين.

ومن هنا تأتي خصوصية التجربة: الأغنية السورية لا تفقد هويتها عندما يغنيها صوت فلسطيني، والأغنية الفلسطينية لا تفقد خصوصيتها عندما تصل إلى جمهور عربي متعدد، بل تكتسب مساحة جديدة للانتشار والتفاعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى