مفارقة سوق السيارات الإماراتي: قرارات حكومية مرنة واشتراطات بنكية قاسية لذوي الرواتب الصغيرة

يواجه موظفو القطاع الخاص من ذوي الرواتب المنخفضة في الإمارات تحديات متزايدة في الحصول على التمويلات المصرفية، رغم القرارات التنظيمية التي تهدف إلى تسهيل الوصول إلى الخدمات المالية، حيث لا تزال العديد من البنوك تتبنى سياسات تحفظية تقيّد منح القروض، خاصة لمن تقل رواتبهم عن 5000 درهم، ما يضع هذه الشريحة أمام خيارات محدودة وصعبة في ظل الحاجة الملحّة لوسائل تنقل مناسبة.

وتبرز المفارقة في أن البنوك تسهّل منح بطاقات الائتمان لهذه الفئة، رغم ما تحمله من فوائد مرتفعة ورسوم تثقل كاهل المستخدمين، في حين ترفض منحهم قروضاً شخصية أو تمويل سيارات، وهو ما يدفع الكثيرين إلى اللجوء إلى حلول مالية مكلفة قد تؤدي إلى التعثر المالي على المدى المتوسط والطويل.

 

ويؤكد مصرفيون أن قرار المصرف المركزي بإلغاء الحد الأدنى للراتب للحصول على التمويل، والذي كان محدداً عند 5000 درهم، لا يعد قراراً إلزامياً للبنوك، بل تنظيمي يتيح لها المرونة في تحديد سياساتها الائتمانية وفقاً لتقييمها الخاص للمخاطر، وهو ما يفسر استمرار القيود المفروضة على هذه الفئة من العملاء.

وتعتمد البنوك في قراراتها على مجموعة من المعايير الإضافية مثل السجل الائتماني، ونسبة المديونية، واستقرار الدخل، وطبيعة جهة العمل، ما يجعل أصحاب الرواتب المنخفضة أقل حظاً في الحصول على التمويل، خاصة في ظل ارتفاع المخاطر المرتبطة بتمويل السيارات مقارنة بمنتجات مالية أخرى.

وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد المطالب بضرورة تطوير حلول تمويلية مبتكرة تستهدف هذه الشريحة، بما يحقق التوازن بين إدارة المخاطر وتعزيز الشمول المالي، خصوصاً مع التوسع الكبير في قطاع التقنيات المالية الذي قد يشكّل بديلاً عملياً وفعالاً في المرحلة المقبلة.

ويعاني العديد من الموظفين من صعوبة شراء سيارات مستعملة بأسعار تتراوح بين 10 و20 ألف درهم، رغم أنها الخيار الأنسب لدخولهم المحدودة، حيث ترفض البنوك تمويل هذه الفئة من السيارات بحجة عدم توافقها مع معايير العمر الافتراضي للمركبات الممولة، والتي غالباً ما لا تتجاوز خمس سنوات.

وتدفع هذه القيود بعض العملاء إلى اللجوء إلى بطاقات الائتمان لسحب نقدي أو شركات التمويل السريع، ما يضعهم في دائرة من الالتزامات المالية المتراكمة، ويزيد من احتمالات التعثر، خاصة في ظل ارتفاع الفوائد وتكاليف الاقتراض غير التقليدي.

ويرى خبراء مصرفيون أن الحل يكمن في تصميم منتجات مالية مخصصة لهذه الشريحة، سواء عبر شركات تمويل تابعة للبنوك أو من خلال منصات التكنولوجيا المالية، بما يضمن توفير قروض صغيرة بشروط مرنة ومدروسة، تلبي احتياجات العملاء دون تعريضهم لمخاطر مفرطة.

 

كما يشدد الخبراء على أهمية دراسة السوق بشكل أعمق لفهم سلوك هذه الفئة واحتياجاتها الحقيقية، وتطوير نماذج تقييم ائتماني أكثر مرونة تعتمد على البيانات الحديثة وليس فقط المعايير التقليدية، بما يفتح المجال أمام شريحة واسعة للاستفادة من الخدمات المصرفية.

وفي ظل استمرار هذا التحدي، يبقى التوازن بين التوسع في الإقراض والحفاظ على جودة المحافظ الائتمانية هو العامل الحاسم في رسم سياسات البنوك، ما يجعل مستقبل تمويل ذوي الدخل المحدود مرهوناً بمدى قدرة المؤسسات المالية على الابتكار والتكيّف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى