“داخلها أنثى وفي البطاقة ذكر”.. “رودينا” تفضح تشوها في المجتمع

“صوتي، خطوتي، إحساسي، لبسي، أنوثتي، تفكيري كلي (بنت)، وفي البطاقة (ذكر) اسمه (أ)”، عبارة قالتها فتاة في المنيا تعيش مأساة بسبب تشوه خلقي ظهر في عضوها التناسلي، ما دفع الداية التي أشرفت على ولادتها أن تقول لأسرتها “مبروك ولد زي الشربات”.

دق هاتفي فحدثتني فتاة صوتها عذب، تطلب المساعدة “محتجالك ضروري مسألة حياة أو موت”، قلت لها خيرا أديني فكرة عن مشكلتك رفضت بشدة وطلبت لقائي فحددنا موعدا بأحد الكافيهات في مدينة المنيا، وعند اللقاء وجدت فتاة جميلة في منتصف العشرينيات من عمرها ترتدي ثياب مهندمة وجذابة تبرز مفاتنها، جسدها ممشوق القوام تجلس علي المائدة في صمت وهدوء، ثم نظرت إليّ وقالت “اتفضل.. ممكن نقعد في ركن علشان هقولك موضوع حساس، جلسنا بالفعل بعيدا عن الأنظار فقالت أنت شايفني قدام إيه” فقلت لها “مش فاهم، فقالت جنسي إيه فقلت لها أكيد بنت”.

قالت “نعم صوتي بنت، مشي بنت، إحساسي بنت، لبسي بنت، لكن للأسف في البطاقة (ذكر) واسمي (أ-م)”، ثم رددت “كرهت نفسي وحياتي مش عارفة أخد حقي في هذا المجتمع الذكوري الغريب الذي لايرحم، داية ريفية قضت على مستقبلي، فحينما ولُدت بأحد مراكز المنيا، ظهر تشوه في الجهاز التناسلي فأعتبرتني الداية ذكر، وتم تدوين ذلك بشهادة ميلادي، وحينما كًبرت بدأت معالم الأنوثة تطغى على جسدي بقوة”، وفق ما ورد في “هن”.

وأضافت، “بدأت المعاناة الحقيقية حينما تمت خطبتي من شاب كانت تربطني به قصة حب وبعد علمه بأني بالبطاقة (ذكر) فسخ الخطوبة وتركني ثم شهر بي وهددني وتمادي في المضايقات وحرض بعض زملائه للتحرش بي معتبرا أنني خدعته، وحينما حررت محضر (تحرش) ضده وآخرين بأحد أقسام الشرطة فشلت في الحصول على حقي باعتبار أني (ولد) وقيل لي (بطاقتك ذكر إزاي أتحرش بيكي ولد)”.

روت “رودينا” مأساتها قائلة: “مشكلتي بدأت منذ الولادة التي تمت علي يد داية ريفية في عام 1994 بأحد المراكز، وقتها ظهر تشوه بسيط في الجهاز التناسلي، فأبلغت الداية أسرتي بأني (ذكر) وتم استخراج شهادة ميلادي طبقا لذلك (ذكر)، وحينما بلغت من العمر 13 ربيعا ولم تظهر أي معالم ذكورية بل علي العكس بدأت معالم الأنوثة تظهر بشكل واضح اصطحبني والدي إلي أحد الأطباء فقال له (دي حالة أنثي ومولده بنت كل أعضائها مكتملة لكن تحتاج لجراحة بسيطة، لكن أبي للأسف خاف من نظرة المجتمع لأنه صعيدي الأصل، وتراجع حينما شعر بأن مشكلة ما ستطفو وتكبر لو أجري تلك الجراحة، وظلت المشكلة قائمة أسرتي تتعامل معي منذ البداية كبنت، والشارع لم يستوعبني كولد شكلي واضح (بنت)”.

قالت الفتاة: “قبل استخراج البطاقة الشخصية كان عمري تقريبا 16 عاما، تم عرضي علي طبيب مختص أكد مجددا أني أنثي، ثم قص والدي مشكلتي على طبيب آخر ذو نظرة سطحية ومتواضعة، فأقترح حينذاك إعطائي هرمونات لتنشيط الذكورة رغم أنها غير موجودة في الأساس، فخضعت للعلاج لفترة ثم توقفت لأنها دون جدوي، فأنا بيولوجيا بنت تفكيري وإحساسي وعقلي يؤكد ذلك”.

أضافت “رودينا”: “التحقت بالجامعة ومارست حياتي بشكل طبيعي كأنثي، وفي تلك الأثناء تعرفت على شاب كان يتردد عليّ بعدما نشأت بيينا علاقة حب، ثم تقدم لخطبتي ولم يكن يعلم أن حينذاك بوجود خطأ بالبطاقة (ذكر)، وحينما علم بدأت نقطة التحول الرهيبة في حياتي واجهت تشهير وأصبحت مشكلتي في مسقط رأسي بأحد المراكز يعلمها الجميع وينطبق عليها المثل الشعبي (أشهر من النار علي العلم)، وبدأت التهديدات تلاحقني فحرض هذا الشاب بعض أصدقائه وشقيقه وتحرشوا بي، حتي قائدي الموتوسيكلات يتربصون بي في الشوارع للتحرش بأماكن حساسه من جسدي”.

وتابعت: “تصاعدت حدة المهاترات فمكثت فترة طويلة في المنزل أعتزلت الدنيا كلها حينما شعرت أنني (مش عارفة أعيش)، خاصة أن والدي وأشقائي يعملون بالخارج، وللأسف حينما أحرر محضر تحرش يكون الرد قهقهة وسخرية ثم بالقول (ذكر يتحرشوا بيه إزاي)، وكان ردي (معاي إشاعات وتحاليل تثبت أنني أنثي)، ثم تقابلت مع مسئول محلي وقولت له مش عايزين يعملوا محضر أعمل أيه دا مش ذنبي مين هجيبيلي حقي فوجهني إلي قيادة أمنية أبلغته بمشكلتي، فقال لي (أنا عارف مشكلتك كويس بس لو عملنا محاضر كل شوية هيبقي تشهير بيكي)”.

وقالت “رودينا”: “للأسف تركت محل إقامتي بأحد المراكز هربا من المضايقات فالبعض يعتبرني ذكرا أصبح أنثى على غير الحقيقة، وهذا ما اضطرني للجوء للإعلام بعدما فاض بي الكيل، وفي الأساس أنا متبرجة لكنني متخفية بحجاب ونضارة شمس علشان أقدر أدخل وأطلع من بيتي خاصة أن القانون مش في صفي، فبعض الشباب يعرف مشكلتي ومتأكدون أنني بنت، وفي البطاقة ذكر، وهذا من وجهة نظرهم تحرش ببلاش ولن تطبق عليهم عقوبة، حتي أن أحد المحامين قال (مش هتقدري تعملي حاجة بمحضر التحرش) وهدفي الحصول علي حقي”.

وناشدت رودينا أهل الخير ورجال الأعمال بالتدخل ومساعدتها على إجراء عملية جراحية بإزالة التشوه الخلقي خاصة في ظل وجود رحم وفتحة مهبلية، قائلة: “لجأت لكل الجهات محدش ساعدني أعيش بمفردي مع أمي المريضة، وعلشان خطأ مليش ذنب فيه أصبح جسمي حق مكتسب للمتحرشين، نفسي عقوبة التحرش ضدي تتطبق، إحنا في بلد قانون، لما الحكومة مش هتحميني مين يحميني أجيب بلطجية مثلا”.

مسئول أمني فضل عدم ذكر اسمه، أكد أن تلك الحالة سبق وترددت على قسم شرطة بإحدى مدن المحافظة، وحررت محضر “نصب وتحرش” ضد آخرين، والذي أكد ظاهريا أنها “أنثي” لكن قانونا وطبقا لرقمها القومي هي من وجهة نظر رجال الشرطة “ذكر”، مشير إلى أنه حين عرضها على النيابة العامة يكون التعامل معها على هذا النحو، فقصة تحديد كونها ذكر أم أنثى يرجع لرأي الأطباء والمتخصصين والطب الشرعي وليس من اختصاصنا.

وأكد الدكتور رضا إبراهيم، أخصائي نساء وتوليد، أن الحالة واردة الحدوث، فكان يتوجب إجراء الكشف الطبي والفحص الدقيق على المولود فور الولادة، فمن المحتمل أن يكون الأمر قد اختلط على “الداية”، التي تولت مهمة الولادة لأنها غير متخصصة، ربما وجدت تضخما في عضو “البظر” حينذاك، فاعتبرت أن المولود “ذكر”، ويحتمل أيضا في مثل هذه الحالة أن هناك عيب خلقي لم يتم كشفه مبكرا وقت الولادة، ومع الوقت بدأت تظهر علامات الأنوثة التي يتم التعرف عليها ظاهريا من خلال المظهر والشكل والتصرف.

وأضاف: “يمكن بإجراء أشعة مقطعية حسم الأمر، خاصة أذا تبين وجود رحم ومبايض، فهرمون الأستروجين الأنثوي سيكون أعلى من هرمون التستيرون الذكوري”، مشيرا إلى أنه في حالة وجود عيوب خلقية ظاهرية في أي طفل حديث الولادة ينبغي ذكرها عند التسجيل، وأن يُعرض على المتخصصين.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى