هبة الرواشدة تكتب ازمه الهوية الذاتية

0 916

تعددت الدراسات الفلسفية والسيكولوجية التي تتناول الهوية الذاتية كمادة بحثية شائكة ومرنة، يتسع صدرها للكثير من التأويلات والنظريات بغض النظر عن صحتها أو تطرفها في تهميش الواقع، من خلال تعظيم الخيال أحياناً كوقود لا ينضب لتشكيل الذوات، وبالتالي حشرها في قالب الهوية.

و من أهم الطروحات التي كان لها باعٌ طويلٌ لحل هذه المعضلة ما خلص إليه سقراط بأن الإنسان يتفكر في ذاته وفي مرجعياته ومنبع سلوكياته، ولكنه يترك ما يعجز عن تفسيره للغيب .

في حين ظهرت مخطوطاتٌ هنديةٌ تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، تناولت الهوية الذاتية متجاوزةً النظرة الفلسفية وصولاً إلى ما يشبه علمًا اكلينيكيًا، إذ توجهت لتجسيد النفس ككيان صاحب سلطة لا يمكن الاستهانة به فهي الصديقة والقاهرة، ولها أن تكون العدو الوحيد، وهو ما يبدو حقيقيًا إذا ما امتلكنا الشجاعة للاعتراف به، فالإنسان صاحب القرار عندما نتحدث عن إدارة العقل حتى في تلك الحالات التي نسمح فيها بتدخل خارجي نكون من منح الموافقة.

وما كان ينقص هذه الفرضيات لربما الإشارة إلى عدم ثبات الهوية الذاتيه، فأنت -عزيزي القارئ- لن تستطيع الاستحمام في ماء النهر مرتين بصفته دائمة الجريان، وهو ما استخدمه هيراقليطس للدلالة على تغير الهوية الذاتية، فمزيج من الذات الاجتماعية، والمادية، والروحية لن تكون بمنأى عن المحيط الذي يرشقنا بالتغييرات ولا نملك درعاً لحماية ذواتنا، ونحن لسنا إلا نتاج تاريخٍ شخصيٍ أقحم الآخرون أنفسهم فيه، وتأثر بالضرورة بتاريخ البشرية جمعاء .

مما لا شك فيه أن الهوية الذاتية أثارت حماسة العديد من الفلاسفة القدماء للإدلاء بدلوهم فيها، وعلى الرغم من أنها مادةٌ فلسفيةٌ بامتياز إلا أنها كمصطلح، صارت مدار التداول حديثاً لحاجة الإنسان العالق في متاهة الحداثة إلى خارطة طريق تأخذ بعين الإعتبار جميع المعطيات النفسية والمادية ليصل إلى مستوى مقبول من التصالح مع الذات في ظل التدفقات الهائلة من الثورات التكنولوجية تحديداً، وفتح باب العولمة على مصراعيه، وتلاشي حفنة من المقومات العقائدية والقومية واختلاط الحابل بالنابل بين الشعوب التي كانت أقدر في ما مضى على ردف الهوية الذاتية بموازين سويةٍ تتماشى مع المنظومة الأخلاقية و الإجتماعية.

ومن الجلي أن الشعوب الأضعف هي الأكثر عرضةً لخسارة هويتها أو تماهيها مع الهويات الأكثر صلابةً، تماماً كما يحدث اليوم لدى الجيل الناشىء في البلدان العربية الذي يفرد ذراعيه أمام سيلٍ جارفٍ من صور الحياة لدى الغرب بكل ما تحمل من حرياتٍ مشوهةٍ وتوجهاتٍ براقةٍ في ظاهرها، عنجهيةٍ في جوهرها، مما سيؤدي إلى تآكل الذوات النمطية ولن تُستبدل بذواتٍ أكثر تحضراً بكل ما يحمل المعنى من تبني لما هو صالحٌ أخلاقياً وفكرياً على أقل تقدير، فإذا لم يصدح خطابٌ مستقرٌ لمحاربة الازدواجية وتنقيح الضخ الإعلامي والتعليمي الهش في الحاضر، والذي يجب أن يمثل خط الدفاع الأول عن الهوية .

 

 

اترك رد