أسواق السلع تتراجع مع تسعير الأسواق لمسار سلام مؤقت

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

يتجه مؤشر “بلومبرغ لإجمالي العائد على السلع” نحو تسجيل خسارة شهرية بنحو 3%، مما يقلص مكاسبه منذ بداية العام الحالي إلى 26%. ورغم أن هذا التراجع يمثل أول هبوط شهري للمؤشر منذ ديسمبر الماضي، إلا أنه لا يغير كثيراً من المشهد العام الذي يظهر أن السلع لا تزال واحدة من أقوى فئات الأصول أداءً خلال عام 2026.

لقد كان شهر مايو شهراً حافلاً بالتناقضات؛ فبينما استمر المستثمرون في ضخ السيولة بنهم في أسهم قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مما دفع مؤشرات الأسهم الرئيسية نحو مستويات قياسية جديدة، أمضت أسواق السلع معظم الشهر في إعادة تقييم آفاق انقطاع الإمدادات الناجم عن الصراع المستمر منذ ثلاثة أشهر في الشرق الأوسط. وهكذا، وبينما ركزت أسهم الشركات على مكاسب الإنتاجية وفرص الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، انصب تركيز أسواق السلع على ما إذا كانت أكبر صدمة في الإمدادات تشهدها الأسواق منذ سنوات قد بدأت تتلاشى أخيراً.

وقد بدت ردة الفعل هذه أكثر وضوحاً في أسواق الطاقة؛ حيث هبط خام برنت دون مستوى 86 دولاراً للبرميل، مسجلاً أدنى مستوى له في ثلاثة أشهر، وذلك بعد أن أشار الرئيس ترامب مجدداً إلى أن المفاوضات تحرز تقدماً نحو اتفاق محتمل. وبخلاف التصريحات السابقة التي قوبلت بتشكيك واسع، تبدو الأسواق هذه المرة أكثر استعداداً لتسعير احتمالية نجاح حقيقية لهذه المفاوضات.

ويعزى جزء من هذا التفاؤل إلى التطورات الميدانية؛ فرغم أن الأوضاع لا تزال بعيدة عن طبيعتها، إلا أن تدفقات النفط الخام والمشتقات المكررة والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز أظهرت مؤشرات تحسن أولية خلال الأسبوع الماضي. وفي الوقت نفسه، يركز المتداولون بشكل متزايد على آفاق حدوث قفزة في الصادرات من ناقلات النفط العالقة حالياً داخل الخليج وتلك التي تنتظر خارجه لشحن حمولاتها بمجرد تحسن ظروف الشحن بشكل أكبر، مما قد يخلق فترة مؤقتة تشهد فيها السوق ما يمكن وصفه بـ “صدمة إمدادات عكسية” (وفرة مفاجئة). ومع ذلك، ونظراً للتراجع الذي شهده خام برنت بالفعل ودخولنا فترة ذروة الطلب الموسمي، فإننا نرى أن المجال لمزيد من الهبوط الحاد في الأسعار يبدو محدوداً بعد استيعاب الموجة الأولى من الشحنات المؤجلة.

إن استمرار المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في استخدام مسارات الأنابيب البديلة يعني أن التدفقات عبر المضيق قد لا تحتاج إلى العودة لمستويات ما قبل الحرب لتطبيع تدفقات الشرق الأوسط الإجمالية. ومع ذلك، فإن الكثير الآن يتوقف على القدرة على إعادة تشغيل 10,000 بئر نفطي وسرعة تفريغ منشآت التخزين لاستقبال الإنتاج الجديد. ويتحرك متوسط سعر خام برنت لعام 2027 حول 78 دولاراً، أي أعلى بنحو 18% من مستويات ما قبل الحرب، مما يسلط الضوء على سوق تسعر سيناريو بقاء الأسعار “أعلى لفترة أطول” في ظل طلب إضافي موجه نحو إعادة بناء المخزونات التجارية والاستراتيجية، مقابل عامل موازن يتمثل في حجم تضرر الطلب على المدى الطويل بسبب الارتفاع السابق للأسعار. وفي الوقت الحالي، يبدو أن المتداولين يركزون على التداعيات الفورية لإعادة فتح الممرات المائية بدلاً من التحديات المتبقية على المدى الطويل.

وقد ارتد هذا الانخفاض في أسعار الطاقة ليلقي بظلاله على مجمل أسواق السلع؛ حيث تراجع مؤشر “بلومبرغ للسلع” بنحو 5% حتى الآن هذا الشهر، مما قلص مكاسبه منذ بداية العام إلى حوالي 19%. وقد كان هذا الضعف واسع النطاق بشكل ملحوظ، حيث كان النحاس والماشية الاستثناءين الوحيدين من بين 26 عقداً مستقبلياً رئيسياً نجحت في التداول في النطاق الأخضر هذا الشهر.

وامتد أثر انخفاض أسعار النفط الخام إلى العديد من الأسواق الزراعية عبر ارتباطها بالطلب على الوقود الحيوي والإيثانول والألياف الاصطناعية؛ حيث واجهت زيوت الصويا، الذرة، السكر، والقطن ضغوط بيع متجددة مع ضعف الجدوى الاقتصادية الداعمة لإنتاج الوقود البديل بالتزامن مع تراجع أسواق الطاقة.

كما تميزت موجة التصفية الأخيرة في قطاع المعادن باتساع نطاقها؛ فبدلاً من أن تعكس تطورات خاصة بكل سلعة على حدة، بدا سلوك الأسعار الأخير أشبه بتعديل مدفوع بعوامل الاقتصاد الكلي شمل القطاع بأكمله، مما أدى إلى زيادة عمليات البيع على المكشوف ذات الطابع الفني. إن ارتفاع توقعات التضخم في أعقاب صراع الشرق الأوسط — والذي دعم بدوره ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار — بالإضافة إلى التكهنات المتزايدة بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يحتاج إلى الإبقاء على سياسته النقدية المتشددة لفترة أطول، شكلت مجتمعة بيئة مليئة بالتحديات لأسواق السلع. ونتيجة لذلك، خفض المستثمرون مراكزهم المالية في عدة قطاعات بالتزامن.

وكان قطاع المعادن الثمينة الأكثر تضرراً على وجه الخصوص. ورغم التعافي الذي شهدته بالتزامن مع مساعي السلام الأخيرة في الشرق الأوسط، فقد هبط مؤشر “بلومبرغ للمعادن الثمينة” بنحو 8% هذا الشهر، متراجعاً بنحو 2% منذ بداية العام. وقاد هذه الموجة البيعية الفضة والبلاتين، واللذان يميلان إلى أن يكونا أكثر تقلباً من الذهب نظراً لصغر حجم أسواقهما وقلة سيولتها.

وهبط الذهب إلى أدنى مستوى له في سبعة أشهر هذا الأسبوع مقترباً من 4,000 دولار للأوقية، بعد أن كسر مؤخراً خط متوسط حركته في 200 يوم — والذي استقر مؤخراً حول 4,450 دولار — مما أطلق عمليات بيع فنية وتصفية واسعة لمراكز الشراء الطويلة، لينتج عن ذلك تراجع الذهب بنسبة 38.2% من موجة صعوده الممتدة بين عامي 2022 و2026. هذا التصحيح الحاد المدفوع بزخم البيع الفني، ومؤخراً بعمليات التصفية القسرية للمراكز الطويلة، أدى إلى إعادة ضبط شاملة لمعنويات المستثمرين، وهو ما انعكس في انخفاض حجم المراكز المفتوحة في سوق العقود الآجلة، وتدفقات السيولة الخارجة من صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs)، وتباطؤ الطلب المادي الحقيقي.

وكما سلف الذكر، ارتد الذهب ومعظم المعادن الأخرى صعوداً عقب إعلان ترامب الأخير بشأن إيران مع قيام البائعين على المكشوف بتقليص مراكزهم. ويعكس هذا الارتداد الآمال في أن يسهم الاتفاق الناجح في تخفيف ضغوط التضخم عبر خفض أسعار الطاقة، مما يقلل الضغط على عوائد السندات ويسمح للمستثمرين بإعادة التركيز على الملفات الداعمة طويلة الأجل؛ مثل المخاوف المتعلقة بالديون السيادية المالية، وتوجه البنوك المركزية لتنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار، والتشرذم الجيوسياسي المستمر.

ومع ذلك، ستكون الأسواق على الأرجح بحاجة إلى اتفاقية موقعة وأدلة ملموسة على تحسن تدفقات الطاقة قبل أن تعود الثقة بالكامل. وحتى ذلك الحين، من المرجح أن تظل المعنويات هشّة طالما استمر تداول الذهب دون متوسط حركته في 200 يوم، المستقر حالياً عند حوالي 4,450 دولار.

في المقابل، أظهرت المعادن الصناعية مرونة أكبر. إذ انخفض قطاع “بلومبرغ للمعادن الصناعية” بنحو 2% فقط هذا الشهر، لكنه لا يزال يحتفظ بمكاسب تقارب 13% منذ بداية العام، ويظل النحاس الأبرز أداءً رغم التصحيح الأخير.

واستمر تداول النحاس عالي الجودة في بورصة نيويورك (COMEX) قريباً من مستويات استقراره دون تغيير يذكر هذا الشهر بعد نجاحه في الدفاع عن مستوى الدعم الرئيسي القريب من 6.15 دولار للرطل. كما تحتفظ السوق بعلاوة سعرية فوق أسعار بورصة لندن للمعادن، حيث يترقب المتداولون نتائج مراجعة الإدارة الأمريكية للتعرف على الرسوم الجمركية المحتملة على النحاس، والمقرر صدورها بحلول نهاية يونيو الحالي.

ورغم أن النحاس لم يسلم من موجة تقليص المخاطر العامة، إلا أن آفاقه الهيكلية لا تزال داعمة؛ فالطلب المرتبط بمشاريع التحول الكهربائي، والاستثمار في شبكات الطاقة، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والإنفاق الدفاعي، يستمر في دعم الرواية طويلة الأجل للنحاس، مما يساعد السوق على استيعاب موجات الضعف الدورية الناجمة عن عوامل الاقتصاد الكلي.

وبالنظر إلى مدى أبعد، برز عامل خطر آخر قد يكون كبيراً ومؤثراً. حيث أعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية رسمياً عن عودة ظروف ظاهرة “النينيو” المناخية في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ، لتسجل أول حالة من نوعها منذ عام 2023. ويناقش بعض خبراء الأرصاد بالفعل احتمالية حدوث موجة قوية بشكل استثنائي، مع وجود فرصة بنسبة 63% لتطورها إلى ظاهرة “نينيو عملاقة” (Super El Niño) بالانتقال إلى عام 2027، مما يثير المخاوف بشأن فترة أخرى من الاضطرابات المرتبطة بالطقس في أسواق السلع العالمية.

وتأتي ظاهرة “النينيو” في وقت شديد الحساسية؛ فالاقتصاد العالمي لا يزال يتكيف مع التداعيات التضخمية للصراع الإيراني، بينما تظل سلاسل الإمداد عرضة للاضطراب بعد أشهر من عدم الاستقرار. وتاريخياً، ارتبطت ظاهرة النينيو بحالات جفاف شديدة في أجزاء من أستراليا وجنوب شرق آسيا والجنوب الأفريقي، وهي مناطق حيوية لإنتاج الحبوب والسكر والمحاصيل الزراعية الأخرى. وفي الوقت نفسه، يمكن للأمطار الغزيرة في أجزاء من أمريكا الجنوبية أن تعطّل شبكات النقل وتؤثر سلباً على عمليات التعدين، بما في ذلك إنتاج النحاس في تشيلي وبيرو.

وبعيداً عن قطاعي الزراعة والتعدين، غالباً ما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة الطلب على الكهرباء وتضع ضغوطاً إضافية على شبكات الطاقة، مما يخلق تأثيرات تتابعية على أسواق الغاز الطبيعي والفحم والطاقة. إن زيادة الطلب على التبريد، لا سيما في آسيا، قد ترفع استهلاك الغاز لتوليد الكهرباء وتوفر دعماً لأسعار الغاز الطبيعي المسال العالمية في وقت يتنافس فيه المشترون الأوروبيون والآسيويون على الشحنات المتاحة. ويأتي هذا في وقت قد تواجه فيه دولة قطر — وهي أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم — صعوبة في العودة إلى كامل طاقتها التصديرية لعدة أشهر بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآت التصدير خلال المراحل الأولى من الصراع، مما قد يحد من مرونة الإمدادات خلال فترات ذروة الطلب.

وفي هذه المرحلة، لا يزال تأثير هذه الظاهرة متمثلاً في “علاوة المخاطر” السعرية بدلاً من كونه صدمة فعلية في الإمدادات. ومع ذلك، فبعد قضاء معظم العام في التركيز على الملفات الجيوسياسية وأمن الطاقة، قد تجد أسواق السلع نفسها قريباً مضطرة لمواجهة تحدٍ كلاسيكي مألوف: أحوال الطقس.

لكن يظل المشهد الدبلوماسي المتقلّب بين واشنطن وطهران، في الوقت الحالي، هو المحرك الأساسي للأحداث؛ فالأسواق تبدي استعداداً متزايداً لتصديق وجود مسار نحو الانفراج والتطبيع، إلا أن هذا الاعتقاد وحده لن يمحو “علاوة مخاطر الحرب” بالكامل. ولحين توقيع اتفاق رسمي ينعكس فعلياً على تدفقات الطاقة المادية، ستظل أسواق السلع شديدة الحساسية لكل عنوان رئيسي يصدر عن عاصمتي البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى