بعد تداعيات الحرب على إيران : هل بدأت نهاية الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط ؟

د . مهدي مبارك عبد الله
منذ أكثر من أربعة عقود شكّل الشرق الأوسط أحد أهم مسارح النفوذ الأمريكي في العالم ومنذ إعلان جيمي كارتر ما عُرف بعقيدة كارتر عام 1980 تحولت منطقة الخليج إلى مصلحة استراتيجية عليا بالنسبة لواشنطن وأصبح ضمان تدفق الطاقة وحماية الممرات البحرية ومنع صعود أي قوة إقليمية مهيمنة أخرى أهدافاً ثابتة للسياسة الأمريكية لكن التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة أعادت طرح سؤال هام ظل يتردد داخل دوائر القرار الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة هل ما زال الشرق الأوسط يستحق الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تدفعها الولايات المتحدة للبقاء فيه .
ربما يكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية متجددة اليوم خاصة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما رافقها من نتائج متباينة بين الأهداف المعلنة والوقائع الفعلية وبينما أعلنت الإدارة الأمريكية تحقيق انتصار استراتيجي كبير الا إن مخرجات المواجهة وما تبعها من تفاهمات ومفاوضات أعادت الكثير من الملفات إلى نقطة البداية وأثارت نقاشاً واسعاً داخل واشنطن والعالم حول جدوى الاستمرار في النهج التقليدي القائم على الحضور العسكري المكثف وإدارة التوازنات الإقليمية بالقوة الصلبة.
لقد بدا واضحاً أن الحرب الأخيرة لم تنتج حلاً نهائياً للمسألة الإيرانية ولم تسقط النظام او تنهِ الجدل حول البرنامج النووي كما انها لم تضع حداً ايضا للتنافس الجيو سياسي في الخليج بل إن كثيراً من الأصوات الأمريكية رأت بأن الولايات المتحدة أنفقت موارد كبيرة واستجلبت قوات عسكرية ضخمة لتعود في النهاية إلى طاولة التفاوض نفسها التي كانت قائمة قبل الحرب ومن هنا ظهرت مجدداً دعوات تطالب بضرورة إعادة النظر في مجمل الدور الأمريكي في المنطقة وإلى الانتقال من سياسة الانخراط المباشر إلى سياسة إدارة النفوذ عن بعد.
معظم المؤيدون لفكرة الانسحاب الأمريكي يملكون اليوم حججاً أقوى مما كان لديهم في العقود الماضية خاصة وانهم يشيرون بقوة وجراءة إلى أن الولايات المتحدة خاضت حروباً مكلفة في العراق وأفغانستان وأنفقت تريليونات الدولارات وخسرت آلاف الجنود دون أن تتمكن من تحقيق الأهداف الكبرى التي رفعتها تحت شعارات نشر الديمقراطية وإعادة بناء الدول ومحاربة الإرهاب كما أن مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الأمريكية انتهى في المحصلة إلى نتائج معاكسة في كثير من الحالات حيث ازدادت الانقسامات وتعمقت الأزمات وتراجعت صورة الولايات المتحدة بوصفها قوة قادرة على فرض الامن والاستقرار.
يستند انصار هذا التيار أيضاً إلى التحولات الجذرية التي جرت في ملف الطاقة والولايات المتحدة لم تعد تعتمد على نفط الخليج كما كانت في العقود السابقة وأصبحت من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم كما أن التوجه نحو تنويع مصادر الطاقة عالمياً جعل بعض دوائر القرار الأمريكي ترى أن المصالح الحيوية التي بررت الوجود العسكري الضخم لم تعد قائمة بالدرجة نفسها التي كانت عليها في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي .
فوق كل ذلك برز بقوة التحدي الصيني الاكبر باعتباره الأولوية الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة خلال العقود المقبلة وان الصراع على التكنولوجيا والتجارة وسلاسل الإمداد والنفوذ العالمي دفع واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية والاقتصادية باتجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ وفي ظل محدودية الموارد وتزايد الأعباء المالية تبدو بعض النخب الأمريكية مقتنعة بأن الاستمرار في استنزاف القدرات داخل الشرق الأوسط يعرقل القدرة على مواجهة التحدي الصيني المتفاقم والذي تعتبره واشنطن التهديد الأكبر لمكانتها الدولية.
في المقابل إن معسكر الرافضين للانسحاب بدوره لا يزال يمتلك مبررات قوية تمنع اتخاذ قرار جذري وسريع لان الشرق الأوسط رغم كل التحولات ما زال يحتل موقعاً محورياً في الاقتصاد العالمي وفي حركة التجارة الدولية كما أن مضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس والممرات البحرية الاستراتيجية لا تزال تشكل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي وان أي اضطراب كبير فيها بحسب رائيهم ستكون له انعكاسات تتجاوز المنطقة لتطال الأسواق العالمية بأكملها.
على الجانب الاخر يجب ان لا نغفل في هذا السياق ان العديد المؤسسات الأمنية الأمريكية لا زالت تخشى من أن يؤدي أي انسحاب واسع إلى فراغ جيوسياسي تسعى قوى دولية وإقليمية اخرى إلى ملئه كما يؤكدون ان الصين وإن كانت مترددة في تحمل الأعباء الأمنية المباشرة الا انها تواصل اليوم توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة أما روسيا ورغم انشغالاتها الدولية وتركيزها على حربها في اوكرانيا الا انها لا تزال تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره ساحة مهمة للحفاظ على مكانتها العالمية وفي الوقت نفسه توجد قوى إقليمية صاعدة مثل إيران وتركيا وإسرائيل تسعى جميعها إلى توسيع نفوذها في بيئة قد تصبح أقل خضوعاً للضبط الأمريكي التقليدي في المستقبل القريب .
اللافت للمتابعين والمحللين ان التعقيد في المشهد العام يزداد بسبب طبيعة العلاقات الأمنية التي بنتها واشنطن مع حلفائها على مدى عقود والكثير من دول المنطقة نسجت عقائدها الدفاعية وأنظمتها التسليحية واستراتيجياتها الأمنية على أساس وجود المظلة الأمريكية الحامية لأراضيها ووجودها والتي فشلت في الحرب الاخيرة حيث عجزت القوات والقواعد الامريكية عن حماية نفسها او الدول المضيفة لها امام هجمات الصواريخ والمسيرات الايرانية المتتالية ولهذا فإن أي انسحاب مفاجئ قد يدفع هذه الدول إلى البحث عن بدائل أمنية جديدة أو إلى الدخول في سباقات تسلح وتحالفات إقليمية جديدة ستكون مكلفة وقد تزيد من احتمالات عدم الاستقرار في المنطقة .
عمليا إذا كانت الحرب مع إيران قد كشفت حدود القوة الأمريكية الا إنها لم تثبت في المقابل وجود بديل قادر ومستعد على وراثة الدور الأمريكي والصين مثلا الان لا تريد أن تتحول إلى شرطي للمنطقة وروسيا كذلك لا تملك الإمكانات الاقتصادية والعسكرية اللازمة لتحمل أعباء مشابهة ولهذا فإن فكرة الفراغ الكامل تبدو غير واقعية في المدى المنظور بقدر ما يبدو مرجحاً ظهور نمط جديد من الحضور الأمريكي الأقل كلفة والأكثر اعتماداً على الحلفاء والتكنولوجيا والقواعد المحدودة.
بناء على ما سبق فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الانسحاب الامريكي الكامل بل إعادة التموضع الى حد تقليص القوات البرية الكبيرة والاعتماد على القوة الجوية والبحرية والقدرات الاستخبارية وشبكات الشراكات الإقليمية وهو نموذج يسمح لواشنطن بالحفاظ على النفوذ دون تحمل أعباء الاحتلال أو التدخل المباشر كما حدث في العراق وأفغانستان .
على مستوى الحلفاء الإقليميين تركت الحرب الأخيرة آثاراً عميقة على تصوراتهم تجاه الولايات المتحدة وحتى الدول الأقرب إلى واشنطن باتت تدرك أن المظلة الأمريكية لم تعد مطلقة الحماية كما كانت في السابق وأن المصالح الأمريكية كأولوية متقدمة قد تفرض في أي لحظة إعادة ترتيب الأولويات ولهذا تتجه كثير من العواصم إلى تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز قدراتها الذاتية وفتح قنوات متوازية مع قوى دولية وإقليمية مختلفة لتقليل الاعتماد الحصري على واشنطن.
التأثير المعنوي بمجرد الحديث الأمريكي المتكرر عن الانسحاب أصبح عاملاً مؤثراً في سلوك دول المنطقة حتى قبل حدوث الانسحاب نفسه وان بعضها باتت تتصرف اليوم وكأنها تستعد لعالم اخر أقل اعتماداً على القوة الأمريكية وأكثر تركيزاً على عقد التفاهمات الإقليمية وتعزيز المصالح المتبادلة وتقوية التوازنات المحلية.
مع كل ذلك يبدو مرة اخرى ان الحديث المتواصل اليوم عن نهاية كاملة للدور او الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط سابقاً لأوانه سيما وان الولايات المتحدة ما تزال تمتلك أكبر شبكة قواعد عسكرية في الخليج والشرق الاوسط وفق اتفاقيات تعاون استراتيجي لحماية المصالح الغربية وضمان ان الملاحة الدولية ففي ( قطر تتواجد قاعدة العديد الجوية وهي المقر المتقدم للقيادة المركزية الامريكية وفي البحرين المقر الرئيسي للأسطول الخامس الامريكي وفي الامارات قاعدة الظفرة الجوية للطيران الامريكي وفي الكويت قاعدة على السالم الجوية وعدد من المراكز لتجمع القوات الامريكية واللوجستية وفي السعودية قاعدة الامير سلطان الجوية وفي الاردن قاعدة موفق السلطي الجوية وفي العراق قاعدة عين الاسد وقاعدة اربيل وقاعدة انجرليك في تركيا ) بالإضافة الى اقامة أقوى التحالفات وأوسع النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة كما أن المصالح الامريكية الحيوية والاستراتيجية لا تزال مرتبطة بشكل مباشر بأمن الممرات البحرية ومنع الانتشار النووي وحماية حلفائها وضبط التوازنات الإقليمية.
بالتحليل السياسي الاستشرافي للواقع نجد إن السؤال الحقيقي لم يعد فيما إذا كانت الولايات المتحدة ستنسحب من الشرق الأوسط أم لا بل كيف ستبقى وبأي أدوات وبأي كلفة لان الانسحاب الكامل لا يبدو خياراً واقعياً في المستقبل القريب لكن البقاء بالشكل القديم أصبح بدوره أكثر صعوبة من أي وقت مضى وبين هذين الخيارين المرين تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها تقليص الالتزامات المباشرة وتوسيع الاعتماد على الشركاء المحليين وإدارة النفوذ من الساحة الخلفية.
للحقيقة قد يكون من المبكر إعلان نهاية الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط كما قد يكون من الخطأ تجاهل التحولات العميقة التي كشفتها حرب إيران خاصة وان ما جرى لم يكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة بل اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن على فرض إرادتها وتحقيق أهدافها الاستراتيجية في منطقة تتغير موازينها بسرعة وإذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أدوات قوة هائلة عسكرية واقتصادية وسياسية الا إن الحرب الأخيرة أظهرت بوضوح أن القوة الباطشة وحدها لم تعد كافية لصناعة النظام الإقليمي أو ضمان الاستقرار أو حتى فرض النتائج المرجوة.
لهذا لم يعد من المهم كثيرا ان نعلم إذا كانت أمريكا سترحل غداً عن الشرق الأوسط بل اصبح الاهم ان نعرف فيما إذا كانت المنطقة ستدخل فعلاً مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية المطلقة سيما وانه ما بين تصور الانسحاب الكامل وإعادة التموضع بدأت تتشكل ملامح شرق أوسط جديد تتراجع فيه قدرة القوى الخارجية على الانفراد بصناعة الأحداث فيما باتت تتعاظم أهمية التوازنات الإقليمية والفاعلين المحليين .
ختاما : ربما يكون الدرس الاقوى الذي أفرزته حرب إيران أن زمن السيطرة المنفردة اقترب من نهايته وأن العالم يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً لا مكان فيها لقوة واحدة تحتكر القرار أو ترسم مستقبل المنطقة وحدها وانها كشفت أن الشرق الأوسط لم يعد الساحة السهلة التي اعتادت واشنطن فيها على ادارة أزماتها والتحكم بمساراتها لعقود طويلة وحتى لو بقيت القواعد والأساطيل والتحالفات فإن صورة القوة الأمريكية الردعية لم تعد كما كانت ومن هنا فإن القضية الفاصلة ليست في عدد الجنود الذين سيبقون أو سيرحلون بل في حقيقة أعمق تتمثل في أن ميزان النفوذ العالمي الذي بدأ يتغير وأن المنطقة باتت تدخل مرحلة جديدة عنوانها تعدد القوى وتراجع الاحتكار والحقيقة الازلية الراسخة انه عندما تبدأ الإمبراطوريات بالدفاع عن مواقعها بدلاً من توسيع نفوذها فإن التاريخ يكون قد أطلق بالفعل إشارة الانتقال إلى عصر جديد بكل ادواته وتفاصيله .
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية





