مادور كاكار، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “إليفيت للخدمات المالية” – “Elevate Financial Services”

لا تكمن أهمية اجتماع البنك المركزي الأوروبي اليوم في قرار الفائدة المباشر بقدر ما تكمن في صياغة التوجهات المستقبلية؛ إذ إن خيار التريث أضحى مستوعباً بالكامل في تسعير الأسواق، بينما يكمن المحرك الحقيقي للأسواق في الإشارات الموجهة من كريستين لاغارد، وما إذا كانت ستعكس مجرد استراحة مؤقتة أم بداية لتحول أعمق في مسار السياسة النقدية.
وعلى الرغم من أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة دفعت أسعار الطاقة نحو الارتفاع بشكل مؤقت، إلا أن تزايد فرص الاستقرار الإقليمي من شأنه أن يخفف من حدة هذه الضغوط بمرور الوقت. وفي الوقت ذاته، لا تزال منطقة اليورو تصارع وتيرة نمو متواضعة، وهو ما يجعل تبرير الاستمرار في التشديد النقدي الصارم أمراً بالغة صعوبته.
والراجح أن يميل البنك المركزي الأوروبي إلى التثبيت المقرون بنبرة تشديدية؛ بما يضمن إبقاء جميع الخيارات المستقبلية مطروحة دون الالتزام الصريح برفع آخر للفائدة. وبذلك، ينتقل سجال الأسواق تدريجياً من التساؤل عن الحد الذي قد تصل إليه الفائدة إلى البحث في المدى الزمني لبقائها عند هذه المستويات المرتفعة؛ وهو التحول التدريجي في الخطاب الذي سيمتد أثره ليكون أشد إرباكاً وتحريكاً لأسواق العملات والسندات والأسهم من قرار الفائدة ذاته اليوم.

نيك سبنسر سكين، كبير المسؤولين التنفيذيين في “لونارو ماركتس ليمتد” – “Lunaro Markets Limited”
يعقد مجلس المحافظين في البنك المركزي الأوروبي اجتماعه للسياسة النقدية لشهر يوليو 2026 اليوم في تمام الساعة 13:15 بتوقيت المملكة المتحدة؛ وذلك في إطار جدول أعماله الدوري لمراجعة الأوضاع الاقتصادية واتخاذ القرارات بشأن أسعار الفائدة وأدوات السياسة النقدية الأخرى.
وتشير التوقعات إلى تثبيت أسعار الفائدة في الوقت الراهن عند مستوى 2.25%، بعد أن استوعبت الأسواق كلياً احتمالية الإبقاء عليها دون تغيير. وبينما تتوقع الغالبية العظمى ممن يرجحون التثبيت إقرار زيادة بمقدار 25 نقطة أساس في الاجتماع المقبل خلال شهر سبتمبر، يُنظر إلى اجتماع يوليو بوصفه محطة انتقالية وليس نقطة تحول مفصلية. وعليه، تتجه الأنظار نحو المؤتمر الصحفي الذي يعقب الاجتماع بدرجة أكبر من القرار نفسه، ما لم يباغت البنك الأسواق بإجراء غير متوقع.
ومنذ اجتماع يونيو الماضي، ازدادت المشهد الاقتصادي تعقيداً؛ إذ أدت التوترات الجيوسياسية إلى دفع تكاليف الطاقة نحو الارتفاع واستقرارها عند مستويات مرتفعة، وهو ما بدأ يتغلغل في بنية التضخم العام. ومن المتوقع أن يطرأ تغيير طفيف على الخطاب الإعلامي للبنك المركزي الأوروبي في المؤتمر الصحفي، مع ترجيح الإبقاء على الصياغة المتعلقة بمخاطر التضخم وآفاق النمو كما هي دون تعديل.
وبناءً على ذلك، لا ينصب محور الاهتمام اليوم على مبدأ رفع الفائدة ذاته، بل على تحديد توقيت الخطوة القادمة، حيث سيترقب المتعاملون في الأسواق إشارات جلية بين سطور تصريحات رئيسة البنك، كريستين لاغارد.

فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة “سنشري فاينانشال” – “Century Financial”
تتجه الأنظار اليوم إلى البنك المركزي الأوروبي، حيثُ تُجمع التوقعات على إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، بعد أن أقدم في الشهر الماضي على رفعها للمرة الأولى منذ عام 2023. ويأتي اجتماع اليوم خلوًا من أي تقديرات اقتصادية جديدة لخبراء البنك؛ وهو ما يجعل قرار الرفع مجددًا في غياب بيانات محدثة أمرًا يصعب تبريره، لا سيما بعد أن صوّر صنّاع السياسة النقدية قرار يونيو باعتباره خطوة محددة ومحسوبة بعناية، وليس مجرد رد فعل لتقلبات قصيرة الأجل.
وقد عززت بيانات التضخم الخاصة بشهر يونيو من طروحات الداعين إلى التريّث؛ إذ تباطأ معدل نمو أسعار المستهلكين في منطقة اليورو إلى 2.8% على أساس سنوي مقارنة بـ 3.2% في مايو، بينما هبط مؤشر التضخم الأساسي -الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتذبذبة- إلى 2.4%. وجاء كلا الرقمين أدنى من التقديرات، مما منح الأعضاء الأكثر حذرًا داخل مجلس المحافظين أرضية صلبة للمطالبة بالتريث والتأني.
غير أن ذلك لا يحسم النقاش القائم داخل البنك؛ فمعدلات التضخم لا تزال تتجاوز سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي -وهو الوضع الذي يختلف عما هو عليه الحال في الولايات المتحدة أو بريطانيا. يُضاف إلى ذلك أن البنك يعمل وفق “تفويض أحادي” صريح يتمثل في إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف عند 2%، وهو ما يقلص هامش المرونة لديه مقارنة بنظرائه لتجاهل أي صدمات قد تشهدها أسواق الطاقة.
وتظل الطاقة المحرك الأساسي لحالة عدم اليقين؛ إذ شهدت أسعار السلع الأساسية تقلبات حادة منذ الاجتماع الماضي، فاستقرت عندما بدا التوصل إلى اتفاق مع إيران قريبًا، ثم ما لبثت أن ارتدت صاعدة فور استئناف العمليات العسكرية. وتُتداول أسعار الغاز حاليًا عند مستويات أعلى بكثير مما افترضته أكثر سيناريوهات البنك المركزي الأوروبي تفاؤلاً في يونيو. ولهذا السبب، لا يزال صوت “صقور السياسة النقدية” مسموعًا بقوة؛ إذ أكدت إيزابيل شنابل، العضو في مجلس إدارة البنك، أنه ينبغي التهيؤ لمزيد من التشديد النقدي. كما وصفت كريستين لاغارد، رئيسة البنك، في المؤتمر السنوي للبنك بالبرتغال الشهر الماضي، الاستجابة الملائمة بأنه يجب أن تكون “متزنة”، وهو ما فُسّر على نطاق واسع بأنه إشارة إلى زيادة واحدة إضافية لا غير.
وبناءً على ما تقدم، فإن النتيجة الأرجح لاجتماع اليوم تتمثل في اتخاذ قرار بالتثبيت مصحوبًا بنبرة تشديدية. وهناك جزيئتان تستحقان المتابعة والاهتمام: أولاهما ما إذا كان البيان الإستراتيجي سيستمر في وصف مخاطر التضخم بأنها تميل نحو الارتفاع، والثانية ما إذا كانت لاغارد ستدعم توقعات المتعاملين في الأسواق بشأن اتخاذ تحرك في سبتمبر المقبل.
ويُعد اجتماع سبتمبر الأكثر أهمية وخطورة، نظراً لأنه سيشهد نشر التوقعات الاقتصادية المحدثة لخبراء البنك. وهناك سيناريو قائم قد لا يدعم توجهات التيار المتشدد؛ فقد سجل النمو الاقتصادي ركودًا في الربع الأول، بينما تراجعت المؤشرات المسحية، وظل نمو الأجور محصورًا عند حدود 2.8%، وهو مستوى يقل بكثير عن الأرقام المرتفعة التي شهدها عام 2022. وبناءً عليه، وفي حال عدم حدوث تصعيد مستدام ومتواصل في الشرق الأوسط، قد يتكشف الواقع عن أن رفع يونيو كان الزيادة الأخيرة في دورة التشديد النقدي الحالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى