كيف يستغل الرئيس ترامب مقتل الجنود الأميركيين لتبرير استمرار الحرب على إيران ؟

د . مهدي مبارك عبد الله

لم تكن الحروب خلال التاريخ الحديث تُدار بالصواريخ والطائرات وحدها بل كانت تُدار أيضاً بالرواية السياسية وبالقدرة على إعادة تشكيل وعي الرأي العام وتحويل المأساة الإنسانية إلى وقود لاستمرار المعركة ومنذ أن ارتفع عدد القتلى في صفوف القوات الأميركية خلال المواجهة مع إيرانمن 18الى 20 قتيل وما بين 427 الى 624 جريحا ومصابا وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هذه الخسائر فرصة سياسية سانحة أكثر منها مأزقاً أخلاقياً وبدلاً من أن تتحول دماء الجنود إلى مناسبة لإعادة تقييم جدوى الحرب أو مراجعة حسابات التصعيد جرى توظيفها لتوسيع دائرة المواجهة وإعادة إنتاج خطاب الانتقام وتعبئة الداخل الأميركي خلف مشروع عسكري متهور يزداد كلفة وتعقيداً يوماً بعد آخر .

اللافت ان الطريقة التي تعامل بها ترامب مع مقتل الجنود الأميركيين لا تعكس فقط أسلوباً سياسياً يقوم على استثمار الأحداث بل تكشف ايضا عن فلسفة حكم ترى في كل أزمة فرصة لتعزيز السلطة وتوسيع هامش القرارات وإعادة رسم الأولويات العامة وفق مقتضيات المصلحة السياسية الشخصية لذلك لم يكن غريباً أن تتحول مراسم تشييع الجنود واستقبال نعوشهم إلى منصات اعلامية واسعة لإعادة تسويق الحرب وأن يصبح الحزن الوطني الجماعي جزءاً من حملة سياسية تهدف إلى تحصين البيت الأبيض من الضغوط الداخلية وإقناع الأميركيين بأن استمرار العمليات العسكرية ليس خياراً بل ضرورة وطنية مفروضة لا تحتمل التراجع .

وفق التحليلات العسكرية الدقيقة والتقارير الاجتماعية والنفسية المحكمة لعل أخطر ما في هذا السلوك أنه يعيد إنتاج النموذج الأميركي التقليدي الذي طالما استخدم دماء الجنود لتبرير التوسع العسكري لكن هذه المرة بصيغة أكثر حدة وشخصانية حيث لم يكتف ترامب بالحديث عن التضحية والفداء والواجب الوطني وإنما نسب إلى الجنود القتلى أنفسهم وإلى عائلاتهم تأييدهم استمرار الحرب ورفض امتلاك إيران للسلاح النووي رغم غياب أي دليل او سند يثبت ذلك بل إن بعض ذوي الجنود نفوا علناً أنهم طلبوا من الرئيس أو من وزير الدفاع مواصلة العمليات العسكرية وهو ما يكشف حجم الفجوة بين الرواية الرسمية الدعائية والواقع الإنساني المؤلم الذي تعيشه تلك الأسر .

في هذا السياق اصبح الموت أداة خطابية أكثر منه مأساة إنسانية حيث يُعاد تعريف الضحية باعتبارها شاهداً على صحة القرار السياسي لا ضحية له وتُختزل مشاعر العائلات وآلامها في عبارات جاهزة تخدم هدفاً واحداً هو حماية الحرب من النقد وتجريد المعارضين لها من أي شرعية أخلاقية وانسانية وكأن الاعتراض على استمرار النزاع يعني التقليل من قيمة تضحيات الجنود أو التنكر لدمائهم .

واقعيا من يراقب تصريحات ترامب خلال الأسابيع الأخيرة يلاحظ بوضوح كيف انتقل في الخطاب من الحديث عن الرد العسكري إلى بناء معادلة سياسية جديدة مفادها أن كل جندي أميركي يسقط يبرر توسيع بنك الأهداف داخل إيران وأن الانتقام لم يعد مجرد رد على هجوم بل تحول إلى عقيدة سياسية تحكم القرار العسكري ولذلك جاءت توجيهاته الصريحة لوزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة دانيال كين بضرورة أن تدفع إيران عاجلا ثمن مقتل أي جندي أميركي بأضعافاً مضاعفة في محاولة منه لترسيخ مبدأ الرد المفتوح الذي لا تحده قواعد اشتباك ولا تقيده حسابات التناسب العسكري الميداني .

الواضح للخبراء والمختصين في الشؤون العسكرية ان هذه المقاربة التي يستعرضها ترامب لا تؤسس لا حالة ردع مستقر بقدر ما تفتح الباب من جديد أمام دوامة تصعيد لا تنتهي لأن كل ضربة ستستدعي ضربة أكبر وكل قتيل سيصبح مبرراً لتوسيع الحرب وصولاً إلى استهداف منشآت مدنية وبنى تحتية ومواقع نووية كانت حتى وقت قريب خارج دائرة الاستهداف المباشر وهنا يصبح دم الجندي الأميركي بمثابة تفويض سياسي دائم مشروع ومفتوح لتجاوز الخطوط الحمراء وتوسيع نطاق العمليات العسكرية بما يخدم رؤية ترامب الشخصية أكثر مما يخدم الأمن القومي الأميركي .

من الملاحظ أيضاً أن الإدارة الأميركية لم تكتف باستخدام الخطاب العاطفي بل لجأت إلى إدارة الصورة بعناية فائقة حيث حرص ترامب على حضور مراسم استقبال الجثامين في قاعدة دوفر الجوية وقدم نفسه باعتباره القائد الاعلى الذي يشارك جنوده وعائلاتهم الألام والاحزان لكن عمليا سرعان ما فقدت هذه الصورة الكثير من بريقها عندما تعرض الى سيل من لانتقادات بسبب توظيفه تلك المناسبات لنقل رسائل سياسية وإعلامية وحتى دعائية الأمر الذي عزز الانطباع بأن الاعتبارات الانتخابية والشخصية حضرت بقوة في مشهد كان يفترض أن يظل محاطاً بالوقار والاحترام والخصوصية .

على المستوى الإعلامي فقد بدا واضحاً أن البيت الأبيض ووزارة الدفاع انشغلا بإدارة الانعكاسات السياسية لمقتل الجنود أكثر من انشغالهما بتقديم رواية شفافة حول طبيعة الخسائر وأسبابها وان التأخر في إعلان بعض الإصابات ومحاولة التقليل من أعداد الضحايا ثم مهاجمة وسائل الإعلام التي سلطت الضوء على الخسائر البشرية كلها مؤشرات واضحة اظهرت أن معركة ترامب الإعلامية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المعركة العسكرية وأن الحفاظ على صورة الحرب بات هدفاً قائماً بذاته بغض النظر عن المناسبة .

بتوالي الاحداث ومرور الايام لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل لجأ ترامب إلى مقارنة عدد قتلى الحرب الحالية بخسائر الولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان في محاولة ساخرة لتقليل وقع الأرقام وإقناع الأميركيين بأن الكلفة البشرية لا تزال محدودة وأن العمليات تحقق نتائج كبيرة بأثمان مقبولة غير أن مثل هذه المقارنات تتجاهل حقيقة أساسية وهي أن قيمة حياة الإنسان لا تقاس بإحصاءات رقمية تاريخية وأن الأسرة التي فقدت ابنها لا يعنيها إن كان عدد القتلى أقل من حرب أخرى لأن المأساة بالنسبة لها كاملة وغير قابلة للمقارنة بالأخرين .

كما ربط ترامب في السياق ذاته وبشكل مباشر بين استئناف أي مسار تفاوضي وبين توقف الهجمات الإيرانية على القوات الأميركية بما يعني عملياً أن الدبلوماسية أصبحت رهينة لمنطق الانتقام وأن أي فرصة للتهدئة ستظل مؤجلة إلى أن تتحقق معادلة الرد التي يريدها البيت الأبيض وبذلك تتحول الحرب من وسيلة لفرض شروط التفاوض إلى بديل دائم عن التفاوض نفسه وما يتبعها من كلفة وضحايا .

مثل هذا السلوك السلبي والارعن يكشف عن جانب آخر في شخصية ترامب يقوم على المزج بين البراغماتية المطلقة والاستعراض السياسي التهريجي والذي اعتاد عليه فهو لا يتعامل مع الجنود بوصفهم مواطنين يحملون حقوقاً وكرامة إنسانية بقدر ما ينظر إليهم باعتبارهم جزءاً من معادلة القوة الامريكية الصارخة التي تمنحه مساحة أوسع للمناورة الداخلية والخارجية ولذلك تبدو المصلحة السياسية لديه في كثير من الأحيان متقدمة على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية .

التاريخ الأميركي الحربي وفي صفحاته السوداء المتكررة يقدم شواهد كثيرة على استثمار الإدارات المتعاقبة لمقتل الجنود في تعبئة الرأي العام لكن ما يميز تجربة ترامب هذه هو الطابع الشخصاني المسيطر والحاد في إدارة هذا الملف حيث تتداخل صورة الرئيس مباشرة مع صورة الحرب بكل تفاصيلها إلى درجة يصبح فيها الدفاع عن قراراته دفاعاً عن الجنود أنفسهم بينما يُصوَّر أي نقد لسياسته وكأنه إساءة إلى تضحيات العسكريين وحرمة موتهم وهو خلط مقصود بين الولاء للوطن والولاء للرئيس .

من زاوية أوسع نجد إن استمرار هذا النهج يحمل مخاطر تتجاوز حدود الحرب القائمة مع إيران لأنه يرسخ سابقة خطيرة في الثقافة السياسية الأميركية تجعل من دماء الجنود رصيداً سياسياً قابلاً للاستثمار في كل أزمة مستقبلية كما يحول المؤسسة العسكرية إلى أداة لتغذية الخطاب الانتخابي الشعبوي بدلاً من أن تبقى مؤسسة وطنية مستقلة ذات مكانة وهيبة وفوق الحسابات الحزبية والشخصية .

الفكرة التي لا يجوز تجاهلها في هذه المرواحة الترامبية المفضوحة إن الحرب التي تُبنى شرعيتها على صور النعوش أكثر مما تقام على وضوح الأهداف والنتائج تكون فعلا قد دخلت مرحلة فقدان البوصلة خاصة وان الانتصارات العسكرية مهما كانت لا تُقاس بعدد الضربات الجوية ولا بحجم الدمار الذي يلحق بالخصم وإنما بقدرة القيادة السياسية الواعية على حماية أرواح جنودها وتجنب تحويلهم إلى أدوات وقود في معركة إعلامية وسياسية مفتوحة وذات مرامي ضيقة .

عمليا ربما يكون معلوم لدي كثير من المختصين والمحللين السياسيين ان خلف طريقة الاستخدام السياسي لدماء الجنود الأميركيين توجد حسابات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط وان الحرب مع إيران بالنسبة لإدارة ترامب لا ترتبط فقط بالبرنامج النووي الإيراني كما يُقدم في الخطاب الرسمي المتكرر بل تتداخل فيها اعتبارات النفوذ الإقليمي وأمن الممرات البحرية والطاقة العالمية ومحاولة فرض معادلة جديدة على طهران وحلفائها ولذلك فإن توظيف مقتل الجنود يأتي في لحظة حاسمة تحتاج فيها واشنطن إلى غطاء سياسي يسمح لها بنقل المواجهة من نطاق الردود المحدودة إلى استراتيجية ضغط شاملة للقدرات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية لإيران وان الدم الأميركي المسفوح هنا يتحول مباشرة إلى مبرر رغائبي لتوسيع مشروع أكبر من مجرد الرد على هجوم عسكري محدود .

المفارقة الابرز هنا أن اندفاع ترامب وتهوره نحو التصعيد يكشف عن قدر عميق من التباين في سياسته وهو يرفع باستمرار شعار إنهاء الحروب الطويلة وعدم تكرار تجارب العراق وأفغانستان لكنه في الوقت نفسه يقود الولايات المتحدة نحو الغرق في مواجهة مفتوحة تحمل كثيراً من سمات وعناصر تلك التجارب من حيث خطر الاستنزاف وتعدد الجبهات وارتفاع الكلفة المالية والعسكرية سيما وان الحرب التي تبدأ تحت عنوان حماية الأمن القومي قد تجد نفسها لاحقاً أسيرة لمنطق الهيبة السياسية والخوف من التراجع وهذا ما يجعل القادة العسكريين يواصلون التصعيد ليس لأن الطريق واضح نحو النصر بل لأن الاعتراف بصعوبة المسار أصبح أكثر كلفة على صورتهم السياسية من بقاء الاستمرار فيه .

خلاصة القول : بناءا على كل ما سبق يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بما إذا كانت إيران ستدفع ثمناً أكبر أم لا بل فيما إذا كانت الولايات المتحدة نفسها ستدفع ثمن هذا النهج الاهوج الذي يحول الجنود من أبناء للوطن إلى أوراق ضغط في لعبة السياسة مع العلم ان القيادة التي تجعل من الموت وسيلة لإدامة الحرب لا تكرم ضحاياها بقدر ما تجعلهم وقوداً لصراع مشتعل قد لا تكون له نهاية واضحة ولا أهداف قابلة للتحقق وبين خطاب الانتقام ومنطق الدولة تبقى الحقيقة الأكثر قسوة أن أرواح الجنود لا ينبغي أن تتحول إلى رأس مال سياسي مهما كانت طبيعة الخصم أو حجم الخلاف ومستوى الصراع لأن الدول العظيمة والمتحضرة تُقاس أولاً بقدرتها على صون حياة أبنائها لا بقدرتها على توظيف موتهم لسياسات وغايات نفعية ضيقة وانانية مهوسة .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى