تامر عاشور في قرطاج… يغني للوجع على مسرحٍ عمره قرون

لم تكن ليلة الثامن من أوت مجرد موعد جديد في روزنامة الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، بل كانت ليلة اختار فيها تامر عاشور أن يدخل من الباب الكبير إلى واحد من أعرق المسارح العربية، حاملاً معه أغنياتٍ حفظها الجمهور، وذاكرةً موسيقية صنعت مكانته على امتداد سنوات.
على ركح المسرح الأثري بقرطاج، حيث تختلط هيبة الحجارة القديمة بصوت آلاف المتفرجين، وجد عاشور نفسه أمام جمهور تونسي انتظر حضوره طويلًا، خصوصًا وأن هذه السهرة مثّلت مشاركته الأولى في تاريخ مهرجان قرطاج الدولي.
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن الرهان لم يكن على الاستعراض بقدر ما كان على الإحساس. فتامر عاشور لا يحتاج إلى كثير من الزخرفة حتى يصنع حالة؛ صوته وحده قادر على نقل الجمهور من مقعده إلى مساحة أخرى، حيث الحب والخذلان والحنين والعتاب، وهي المفردات التي التصقت بتجربته الفنية وأحبّه الجمهور من خلالها.
وكانت أغنياته القديمة حاضرة بقوة، في لقاء بين عاشقين: فنان يعرف كيف يروي الحكاية، وجمهور يعرف كلماتها قبل أن تُغنّى. أعمال مثل «هيجيلي موجوع» و«تيجي نتراهن» و«ذكريات كدابة» و«قولوله سماح» و«خليني في حضنك» كانت من أبرز العناوين التي ارتبط بها برنامج السهرة المنتظرة.
لكن عاشور لم يكتفِ بفتح دفاتر الماضي؛ فقد حمل إلى قرطاج أيضًا جديده الفني، من خلال ألبومه «مراية الحب»، الذي صدر قبل الحفل بفترة قصيرة ويضم 12 أغنية، ليضع أمام الجمهور التونسي صورة أحدث لتجربته الموسيقية.
وهنا تحديدًا اكتسبت السهرة خصوصيتها: أغانٍ صنعت ذاكرة عاشور، وأخرى تحاول صناعة ذاكرة جديدة.
فـ«مراية الحب» ليست مجرد عنوان ألبوم جديد، بل بدت كأنها امتداد طبيعي لعالم عاشور الفني؛ عالم يضع المشاعر في الواجهة ويترك للموسيقى مهمة ترجمة ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله.
واللافت أن حضور تامر عاشور في تونس لم يبدأ من فوق الخشبة فقط، بل سبقته حالة من التشويق والانتظار، بعدما وجّه رسالة إلى جمهوره التونسي معلنًا موعد اللقاء، مؤكدًا اشتياقه إليهم بعبارة تونسية: «وحشتوني برشا».
وفي قرطاج، لم يكن عاشور يغني أمام جمهور غريب عن تجربته؛ فالأغنية المصرية، بما تحمله من إرث عاطفي وموسيقي، لطالما وجدت طريقها إلى الأذن التونسية. لذلك بدا اللقاء أقرب إلى استكمال لحوار قديم بين الفنان وجمهور عربي يعرفه ويحفظ تفاصيله.
قرطاج في تلك الليلة لم تكن مجرد مسرح للحفل، بل كانت جزءًا من الحكاية.
فحين يقف فنان في بدايات مشواره القرطاجي أمام مدرجات تحمل ذاكرة ستين سنة من المهرجان، تصبح اللحظة أكبر من مجرد حفلة. إنها لحظة اختبار للحضور، وللقدرة على تحويل الأغنية إلى تجربة جماعية يتقاسمها الفنان والجمهور.
وتامر عاشور اختار أن يواجه هذا الاختبار بلغته الخاصة: صوت هادئ، إحساس عالٍ، وأغانٍ تعرف كيف تقترب من الناس دون استئذان.
ومع نهاية السهرة، لم يكن المهم فقط عدد الأغاني التي قُدّمت، ولا ترتيبها، بل ذلك الشعور الذي بقي مع الجمهور بعد انطفاء الأضواء: أن قرطاج احتضنت للمرة الأولى صوتًا لطالما ارتبط عند مستمعيه بلحظات شخصية جدًا، فحوّل تلك اللحظات إلى ذاكرة جماعية على واحد من أكثر مسارح العالم العربي رمزية.
هكذا كانت ليلة تامر عاشور في قرطاج: لا يحتاج فيها الوجع إلى أن يكون حزينًا، ولا يحتاج الحب إلى أن يكون مكتملًا… يكفي أن يُغنّى بصدق، حتى يجد طريقه إلى آلاف القلوب.
وبذلك، سجّل تامر عاشور حضوره الأول في قرطاج بطريقة لا تشبه مجرد «أول مشاركة»؛ بل كأنّه ترك في مدرّجاتها فصلًا جديدًا من حكايته الفنية، عنوانه هذه المرة: “حين يعبر الإحساس الحدود، يصبح للجمهور وطن واحد… هو الأغنية.”
بقلم الصحفية: #شيماء_شعبان






