البطوش: نجاح التوجيهي… فرحة، مش استعراض «خلّوه تشريف بلا تكليف… وارحموا الناس»

د. حنين البطوش
استشارية نفسية أسرية وتربويّة

مع إعلان نتائج الثانوية العامة «التوجيهي»، تدخل آلاف الأسر الأردنية مرحلة جديدة تختلط فيها مشاعر الفخر والفرح بالقلق والترقب، بعد عام طويل من الدراسة والضغط والتوقعات. وبينما يحتفل الناجحون بثمرة جهدهم، يقف آخرون أمام نتائج لم تكن كما تمنوا، ما يجعل هذه المناسبة محطة تحتاج إلى الفرح، ولكنها تحتاج بالقدر ذاته إلى الوعي والإنسانية ومراعاة اختلاف ظروف الناس.

ومن هذا المنطلق، ترى الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية حنين البطوش أن نجاح التوجيهي ينبغي أن يبقى مناسبة للفرح والاحتفاء، لا أن يتحول إلى مساحة للاستعراض أو المقارنة أو فرض أعباء جديدة على الأسر.

وتقول البطوش إن «النجاح يستحق أن يُحتفى به، لكن الاحتفال لا ينبغي أن يتحول إلى تكليف مادي أو نفسي، ولا إلى معيار اجتماعي يقيس الناس بعضهم ببعض».

بحسب البطوش، فإن ثقافة الاحتفال بالنجاح ليست مشكلة بحد ذاتها، بل هي جزء طبيعي من التعبير عن الفخر والامتنان. إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول مظاهر الاحتفال إلى منافسة غير معلنة، فيصبح السؤال ليس: «كيف نفرح بابننا؟»، وإنما: «كيف نجعل احتفالنا أكبر من غيرنا؟».

وهنا قد يدخل بعض الأهالي في دائرة من المقارنات المتعلقة بالهدايا والحفلات والملابس والتصوير والضيافة، وقد يجدون أنفسهم أمام نفقات لم تكن ضمن خططهم، فقط لأنهم يشعرون بأن عليهم مواكبة ما يرونه حولهم.

وتؤكد البطوش أن الاحتفال الصحي هو الذي يتناسب مع إمكانات الأسرة، وليس مع توقعات المجتمع؛ فالفرحة لا تحتاج إلى ديون، والنجاح لا يحتاج إلى إثبات مادي.

وترى البطوش أن المبالغة في الإنفاق قد تكون لها تبعات تتجاوز يوم الاحتفال نفسه، خصوصًا أن مرحلة ما بعد التوجيهي ترتبط بتكاليف جديدة؛ من رسوم جامعية، ومواصلات، وأجهزة، وكتب، وتدريب، وغيرها من المتطلبات.

وتوضح أن الأسرة قد تشعر أحيانًا بضغط اجتماعي يدفعها إلى الإنفاق بما يتجاوز قدرتها الحقيقية، بينما الأولى أن تُدار الفرحة ضمن ميزانية واضحة تراعي احتياجات المرحلة القادمة، فالنجاح ليس في قيمة الهدية، ولا في حجم الحفل، ولا في عدد المدعوين، وإنما في تقدير الجهد الذي بذله الطالب ومشاركة الأسرة فرحتها به.

وتشير البطوش إلى أن الجانب النفسي هو الأكثر حساسية في موسم النتائج، لأن يوم إعلان النتائج لا يحمل المعنى نفسه للجميع، هناك طالب يحتفل، وآخر يبكي، وثالث لا يزال عاجزًا عن استيعاب النتيجة، ورابع يشعر بالخوف من المستقبل، وخامس قد يكون قد حقق نجاحًا لكنه لم يحصل على المعدل الذي كان يطمح إليه.

ولهذا فإن إطلاق عبارات المقارنة أو السخرية أو التقليل من نتائج الآخرين قد يترك أثرًا نفسيًا مؤلمًا، خصوصًا لدى المراهقين والشباب الذين تكون صورتهم عن ذواتهم في مرحلة التكوين.

وتؤكد البطوش أن العلامة لا تختصر الإنسان، والنتيجة لا تختصر مستقبله، وأن عدم تحقيق المعدل المطلوب لا يعني أن الطالب انتهى أو فشل أو فقد فرصته في الحياة.

وتوجه البطوش رسالة خاصة إلى الأهل الذين لم يحقق أبناؤهم النتائج التي كانوا يتوقعونها، داعية إياهم إلى عدم تحويل اللحظة إلى محاكمة، وتقول إن الابن أو الابنة في هذه اللحظة قد يكون بحاجة إلى حضن وكلمة طيبة أكثر من حاجته إلى الأسئلة واللوم.

وتحذر من عبارات مثل: «شو بدنا نحكي للناس؟»، أو «فلان جاب أكثر منك»، أو «ضيعت تعبنا»، لأن مثل هذه العبارات قد تجعل الطالب يشعر بأن قيمته مرتبطة بالنتيجة، وأنه خذل أسرته والمجتمع.

وتشدد على أن دور الأسرة يبدأ بعد ظهور النتيجة، وليس قبلها فقط؛ فالمطلوب هو مساعدة الابن على فهم خياراته، وتقييم قدراته، والتفكير بالمسارات البديلة، بدل دفعه إلى قرارات متسرعة تحت ضغط الصدمة.

وتؤكد البطوش أن الحياة لا تسير دائمًا وفق السيناريو الذي نضعه لأنفسنا في سن الثامنة عشرة، حيث قد لا يحصل الطالب على التخصص الذي حلم به، وقد يضطر إلى إعادة المحاولة أو اختيار مسار مختلف، وقد يكتشف لاحقًا أن الطريق البديل كان الأنسب له.

وتقول إن التوجيهي محطة، وليس حكمًا نهائيًا على مستقبل الإنسان، وإن النجاح قد يأتي من التعليم الأكاديمي، أو التعليم التقني والمهني، أو اكتساب المهارات، أو ريادة الأعمال، أو مسارات أخرى متعددة.

لذلك، فإن المطلوب من الأهل ألا يجعلوا النتيجة «هوية» للطالب، بل أن يتعاملوا معها باعتبارها معلومة تساعدهم على اتخاذ القرار القادم.

وفي الجانب الاجتماعي، تحذر البطوش من إطلاق العبارات النارية والاستفزازية خلال الاحتفالات، سواء في الشوارع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا عندما تتضمن سخرية من الآخرين أو تعميمات أو مقارنات أو استفزازًا لأسر وطلبة لم يحالفهم الحظ.

وتقول إن الفرح لا يحتاج إلى استفزاز حتى يكون حقيقيًا، ولا يحتاج النجاح إلى التقليل من إنجاز الآخرين حتى يزداد قيمة، وتدعو إلى التفكير قبل نشر أي عبارة أو صورة أو مقطع، خصوصًا أن ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي قد يصل إلى أشخاص يعيشون في اللحظة نفسها ظروفًا مختلفة تمامًا.

وتشدد البطوش على أن المطلوب ليس إلغاء مظاهر الفرح، وإنما تنظيمها، حيث يمكن للأسرة أن تحتفل، وتقدم الهدايا، وتلتقط الصور، وتشارك فرحتها مع الأقارب والأصدقاء، لكن دون تجاوزات قد تزعج الآخرين أو تعرض الأبناء للخطر.

وتشمل السلوكيات التي ينبغي تجنبها: القيادة المتهورة، وإغلاق الطرق، وإزعاج السكان، والمبالغة في استخدام مكبرات الصوت، والتصرفات الاستفزازية، وإطلاق المفرقعات أو الألعاب النارية بصورة غير آمنة، أو تحويل الشوارع إلى أماكن للفوضى.

وترى البطوش أن لحظة فرح قصيرة لا تستحق أن تتحول إلى حادث أو خلاف أو أزمة قانونية أو أسرية.

وتلفت البطوش إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تغيير شكل الاحتفال بالنجاح، وأصبحت بعض الأسر تشعر بأنها مطالبة بعرض تفاصيل الاحتفال أمام الآخرين.

وهنا تكمن مشكلة المقارنة؛ فما يظهر على الشاشة هو لحظة منتقاة من حياة الآخرين، وليس الصورة الكاملة لظروفهم، لذلك فإن مقارنة أسرة بقدرتها المالية والنفسية والاجتماعية بأسرة أخرى قد تكون غير عادلة، وقد تدفع البعض إلى تقليد سلوكيات لا تتناسب مع إمكاناتهم.

وتدعو البطوش إلى أن تكون وسائل التواصل مساحة لمشاركة الفرح، لا منصة لإثبات المكانة الاجتماعية.

وترى البطوش أن المجتمع يستطيع أن يصنع ثقافة مختلفة للاحتفال بالنجاح؛ ثقافة تضع الإنسان قبل المظاهر، والفرحة قبل الاستعراض، والعائلة قبل المنافسة.

فالناجح يستحق التصفيق، لكن من لم ينجح يحتاج إلى كلمة دعم، والأسرة القادرة على الاحتفال بحرية تستحق أن تفرح، لكن الأسرة التي لا تستطيع تحمل تكاليف الاحتفال تستحق ألا تشعر بالنقص، والطالب الذي حقق معدلًا مرتفعًا يستحق الفخر، لكن الطالب الذي لم يحقق ما أراد يستحق أن يسمع أن الحياة لم تنتهِ عند هذه النتيجة.

وتختصر البطوش رسالتها بالتأكيد على أن الفرح الحقيقي لا يقاس بحجم الحفل، ولا بقيمة الهدية، ولا بعدد الصور والمنشورات، ولا بمدى إثارة الانتباه.

وتقول:

«افرحوا بأبنائكم، واحتفلوا بنجاحهم، فهذا حقكم وهذا ثمرة تعبهم. لكن اجعلوا فرحتكم واعية؛ لا تحملوا أنفسكم ما لا تستطيعون، ولا تجعلوا أبناءكم يدخلون في منافسة مع الآخرين، ولا تجعلوا طالبًا آخر يشعر بأنه أقل قيمة لأنه لم يحقق النتيجة نفسها».

وتضيف:

«نجاح التوجيهي فرحة، وليس استعراضًا. هو تشريف للطالب وتقدير لجهده، وليس تكليفًا للأسرة بأن تنفق فوق قدرتها، ولا تكليفًا للمجتمع بأن يتحمل الضجيج والفوضى».

وفي النهاية، تؤكد البطوش أن أجمل ما يمكن أن يفعله الأهل في هذه المرحلة هو أن يكونوا سندًا في النجاح، وسندًا أكبر في التعثر.

فقد تنتهي امتحانات التوجيهي في يوم، لكن بناء شخصية الأبناء ومستقبلهم يحتاج إلى سنوات.

«خلّوه تشريف بلا تكليف…
وفرحة بلا مقارنة…
واحتفالًا بلا أذى…
ونجاحًا لا يتحول إلى ضغط على الآخرين.
افرحوا… لكن افرحوا بنظام وعقل، وارحموا الناس».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى