تقرير ساكسو بنك: قوة أسعار السلع تصطدم بارتفاع أسعار الفائدة

أولي هانسن، رئيس استراتيجيات السلع في ساكسو بنك

دخلت الأسواق العالمية شهر سبتمبر وهي تواجه مزيجاً معقداً وضاغطاً من ارتفاع أسعار السلع، واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، وتصاعد توقعات أسعار الفائدة، والمخاوف المتزايدة بشأن استدامة الديون الحكومية. وتقع السلع في قلب هذا التوتر، إذ يضيف الزخم المتجدد لأسعار الطاقة والمنتجات الزراعية عبئاً جديداً على الضغوط التضخمية، في وقت ترسل فيه البنوك المركزية إشارات ترجح إبقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة أو ربما رفعها إلى مستويات إضافية.

وقد تسارعت حدة هذا التحول عقب الخطاب التشددي الذي ألقاه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش في ندوة جاكسون هول. فقد دفع تركيزه المتجدد على إعادة استقرار الأسعار الأسواقَ إلى رفع توقعاتها بشأن مزيد من التشديد النقدي، مما أدى إلى دفع العائدات الأمريكية والدولار نحو الصعود.

ولم يقف هذا التحول عند حد إعادة تسعير سياسة الفيدرالي على المدى القريب فحسب، بل اتسع نطاقه؛ إذ شهد منحنى عائدات الخزانة الأمريكية صعوداً حاداً في الفارق بين السندات قصيرة وطويلة الأجل، حيث بلغ عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 4.79%، وهو الأعلى له منذ يناير 2025. كما شملت موجة البيع هذه الأسواق العالمية؛ إذ ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في 15 عاماً متجاوزاً 3.35%، بينما وصل العائد على نظيرتها اليابانية إلى 3% للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وعلى الطرف القصير من منحنى العائد، تعكس العائدات المرتفعة بوضوح التوقعات بتشديد السياسة النقدية. أما على المدى الأطول، فيطالب المستثمرون بعلاوة مخاطر أكبر تعويضاً عن حالة عدم اليقين بشأن التضخم، وحجم الإصدارات السيادية الضخم، وتصاعد المخاوف المالية. ومع وصول الدين الحكومي الأمريكي إلى عتبة 40 تريليون دولار، بات تصاعد تكاليف الاقتراض يهدد بالتحول إلى ركيزة أساسية في مشهد الاقتصاد الكلي.

السلع المغذية للتضخم تواصل الارتفاع

لم تنجح تشديد الشروط المالية حتى الآن في كبح جماح أسواق السلع الأساسية الأكثر تسبباً في رفع معدلات التضخم. فمنذ مؤتمر جاكسون هول، واصل مؤشر بلومبرغ الإجمالي لآجال السلع ارتفاعه، بقيادة قطاعات الطاقة، الحبوب، والسلع الزراعية اللينة، في حين تراجعت المعادن النفيسة. وبصيغة أخرى، واصلت السلع المسببة لمشكلة التضخم ارتفاعها، بينما تراجعت السلع التي يُقبل المستثمرون عادة على شرائها للتحوط ضد تداعياته.

وتظل الطاقة المصدر الأكثر إلحاحاً للضغوط التضخمية؛ إذ ارتفعت أسعار النفط الخام للجلسة الثانية على التوالي عقب تجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، ما أثار مخاوف من تعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز لفترة طويلة. وقد عاد خام برنت ليتداول فوق مستوى 92 دولاراً للبرميل، فيما تتأثر أسواق المشتقات المكررة الشديدة الشح أصلاً بهذه التطورات بشكل مباشر.

وفي أوروبا، تتداول العقود الآجلة لزيت الغاز (الديزل) — وهو المعيار المرجعي لوقود الديزل والطائرات — عند مستويات تتجاوز 183 دولاراً للبرميل، بينما وصل الغاز الطبيعي إلى 71.5 يورو لكل ميغاواط/ساعة (ما يعادل نحو 24.3 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية)، وهو ما يزيد على ثمانية أضعاف السعر السائد في الولايات المتحدة. وتبرز هذه التكاليف المرتفعة استمرار اعتماد أوروبا المباشر على الطاقة المستوردة وهشاشتها أمام صدمات المعروض.

ولا يتوقف الأثر التضخمي للديزل عند قطاع النقل فحسب، بل يمتد ليشمل الشحن، الزراعة، التعدين، البناء، والإنتاج الصناعي، في حين يؤدي الغاز الطبيعي المرتفع السعر إلى زيادة تكاليف الكهرباء والتصنيع. ويمثل هذا الوضع صدمة تضخمية مدفوعة بنقص المعروض، وهو أمر لا تستطيع السياسة النقدية معالجته مباشرة؛ فالبنوك المركزية بمقدورها كبح الطلب، لكنها تعجز عن زيادة إنتاج النفط الخام، أو رفع الطاقة التكريرية، أو توفير كميات إضافية من الغاز الطبيعي.

اختصاراً القول: السلع التي تخلق أزمة التضخم واصلت الصعود، في حين هبطت السلع المعتاد شراؤها للحماية من آثاره.

الغذاء يفتح جبهة تضخمية ثانية

أنهى مؤشر بلومبرغ الإجمالي لآجال القطاع الزراعي شهر أغسطس عند أعلى مستوى له في 14 عاماً، بعدما حقق قفزة بنسبة 12.4% خلال الشهر. ودعمت المكاسب القوية في قطاعات الحبوب والسلع اللينة، بقيادة السكر، القمح، والذرة، هذا الارتفاع، مما عوض الهبوط المسجل في الماشية. وتلقي الاضطرابات المناخية بظلالها على المحاصيل حول العالم، بالتوازي مع تجدد العمليات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا واستهداف البنية التحتية الحيوية للتصدير على البحر الأسود. وبما أن هذه المنطقة تسهم بأكثر من ربع صادرات القمح العالمية، فقد أسهمت مخاوف الإمدادات في دفع أسعار القمح نحو أعلى مستوياتها في ثلاثة أعوام.

وبخلاف قطاع الطاقة، الذي تنتقل فيه الارتفاعات السعرية بسرعة نسبية إلى التضخم العام (Headline inflation)، يستغرق صعود تكاليف المنتجات الزراعية وقتاً أطول للوصول إلى المستهلكين عبر عمليات المعالجة، النقل، وسلاسل التجزئة. وعليه، فإن الصعود الأخير يرفع من مخاطر استمرار تضخم المواد الغذائية عند مستويات مرتفعة حتى وإن استقرت أسعار الطاقة لاحقاً. ويضع قطاعا الطاقة والزراعة معاً البنوك المركزية أمام مفاضلة معقدة: فالتضخم يتلقى الدعم من قيود المعروض والاضطرابات الجيوسياسية، بينما يهدد التشديد النقدي بممارسة ضغوط إضافية على النشاط الاقتصادي وعلى المالية الحكومية المرهقة أساساً.

معادن الاستثمار تحت وطأة الضغوط

تحملت المعادن النفيسة العبء الأكبر لإعادة تسعير السياسات النقدية؛ إذ انخفض كل من الذهب والفضة بأكثر من 4% منذ يوم الجمعة، حيث أوجد خطاب وورش ثلاثة عوامل معاكسة مباشرة: ارتفاع توقعات الفائدة قصيرة الأجل، صعود العائدات الحقيقية والإسمية، وقوة الدولار الأمريكي.

وحافظ الدولار على معظم المكاسب التي حققها عقب مؤتمر جاكسون هول، في حين أدى كسر مستويات الدعم الفني الرئيسية إلى تحفيز عمليات تصفية للمراكز الشرائية (Long liquidation) من قبل المتداولين المعتمدين على الزخم. وتزيد العائدات المرتفعة من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الأصول التي لا تدفع فوائد، بينما يرفع الدولار القوي من تكلفة هذه المعادن بالنسبة للمستثمرين خارج منطقة الدولار.

ومع ذلك، فإن التداعيات طويلة الأجل تبدو أقل وضوحاً؛ فالارتفاع في العائدات الحقيقية المدفوع ببنك مركزي يتسم بالمصداقية في محاربة التضخم يكون في العادة سالباً بالنسبة للذهب، غير أن ارتفاع العائدات طويلة الأجل الناجم عن القلق بشأن استدامة الديون، كثافة الإصدارات السيادية، ومصداقية السياسة المالية يمثل أمراً مختلفاً تماماً.

إن استمرار ارتفاع تكاليف خدمة الدين قد يضغط في نهاية المطاف على صناع السياسات لمنع ارتفاع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى ما لا نهاية. وبناءً عليه، يظل الذهب عالقاً بين قوتين متضادتين: التكلفة الفورية للمال من جهة، والمخاوف طويلة الأجل المتعلقة بحجم المال ومصداقيته من جهة أخرى. وتوفر استمرارية الطلب من قبل البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات مصدراً هيكلياً آخر للدعم، وهو مصدر أقل تأثراً بالتغيرات قصيرة الأجل في أسعار الفائدة الأمريكية.

المعادن الصناعية تتحدى قوة الدولار

من الملاحظ أن الضعف الذي حل بمعادن الاستثمار لم يمتد بشكل ملموس إلى المعادن الصناعية. ففي الظروف الاعتيادية، تشكل قوة الدولار، ارتفاع العائدات، وزيادة تكاليف التمويل مزيجاً ضاغطاً على المعادن الحساسة للدورة الاقتصادية. ولكن، بدلاً من ذلك، تواصل الاضطرابات المستمرة في جانب المعروض التغطية على المخاوف المتعلقة بالطلب وتشدد الشروط المالية.

ويعد الزنك أحدث مثال على ذلك، حيث ارتفع نحو مستوى 4,000 دولار للطن في بورصة لندن للمعادن، مسجلاً أعلى مستوياته منذ مايو 2022. وقد دعم هذا الصعود انخفاض المخزونات المكررة خارج الصين، شح المواد الخام، واحتدام المراكز الشرائية.

كما حافظ النحاس على تماسكه بعدما سجل مؤخراً مستويات قياسية، حيث استقر نحاس بورصة لندن للمعادن فوق مستوى 14,000 دولار للطن. ويواصل الشح الفوري في المعروض وتدفق كميات كبيرة نحو الولايات المتحدة دعم الأسعار، بينما تشير حالة Backwardation (تجاوز السعر الفوري لسعر العقود الآجلة) في كل من النحاس والزنك إلى نقص حاد في المعروض المادي.

وقد تجلت تحديات المعروض في أحدث بيانات الإنتاج الصادرة عن تشيلي، حيث أفادت الهيئة الوطنية للإحصاء (INE) بأن إنتاج أكبر دولة منتجة للنحاس في العالم تراجع بنسبة 9.4% على أساس سنوي في يوليو بعد أن ضربت عواصف شديدة مناطق التعدين. ويؤكد هذا التباين بين المعادن النفيسة والصناعية أن الصعود الحالي في أسعار السلع ليس مجرد ظاهرة نقدية؛ فعندما يكون المعروض المادي شحيحاً بدرجة كافية، فإن قيود العرض تتغلب على الرياح الاقتصادية الكلية المعاكسة.

مزيج معقد من السياسات الاقتصادية

قد تحدد الأسابيع المقبلة أي من هذه القوى ستكون لها الغلبة. فاستمرار الارتفاع في أسعار النفط، المشتقات المكررة، والأغذية قد يبقي توقعات التضخم مرتفعة، ويُعزز الرهانات على مزيد من التشديد النقدي. وسيشكل ذلك عقبة قصيرة الأجل أمام الذهب والفضة، مع احتمالية التأثير سلباً على الشهية العامة للمخاطرة والطلب على السلع.

وفي الوقت نفسه، تؤدي الفائدة المرتفعة وصعود العائدات طويلة الأجل إلى زيادة تكاليف الاقتراض عبر القطاعات الاقتصادية التي تحمل أصلّاً أعباء ديون تاريخية. وكلما طالت فترة بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة، زادت الضغوط المالية، وتعاظم التركيز على استدامة الديون، تآكل قيمة العملة، والتدخل المحتمل في السياسات.

بناءً على ذلك، تقف السلع في المنتصف بين ارتفاع أسعار الفائدة وتصاعد التضخم، لكن هذه الضغوط ليست متماثلة بحال من الأحوال؛ إذ تواصل الطاقة والزراعة الاستفادة من شح المعروض والاضطرابات الجيوسياسية، وتتلقى المعادن الصناعية الدعم من نقص الإمدادات، بينما تدفع الفضة والذهب مؤقتاً ثمن تشديد الشروط النقدية وقوة الدولار.

وتكمن المفارقة في أنه إذا أدت أسعار السلع المرتفعة إلى إبقاء الفائدة عالية لفترة أطول، فإن الضغوط الناجمة عن ذلك على الحكومات المكبّلة بالديون قد تعيد في النهاية إحياء المخاوف المالية ومخاوف تآكل قيمة العملة، والتي كانت ولا تزال من أقوى المحركات الهيكلية للطلب الاستثماري على المعادن النفيسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى