بعد فاجعة طفل الزرقاء… هل آن الأوان لإعادة هندسة نقل أطفالنا؟

أ.د. محمد الفرجات
هناك حوادث لا ينبغي أن تمر كخبر عابر، لأنها لا تكشف خطأً فردياً فقط، بل تكشف خللاً في منظومة كاملة.
بالأمس، فُجع الأردن بوفاة طفل يبلغ من العمر خمس سنوات في محافظة الزرقاء، بعد أن بقي داخل حافلة نقل طلاب خاصة لفترة من الزمن إثر نسيانه داخل المركبة وإغلاقها عليه، وفق التحقيقات الأولية التي أعلنتها مديرية الأمن العام.
وتعرض الطفل لصدمة حرارية نتيجة بقائه داخل الحافلة، في حادثة مؤلمة هزت المجتمع وأعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر من مسؤولية فرد واحد:
كيف سمحنا لمنظومة تنقل أطفالنا يومياً أن تعمل بهذه الدرجة من العشوائية؟
رحم الله الطفل، وألهم أهله الصبر.
لسنا أمام «باص» فقط… بل أمام منظومة أطفال…
في الأردن، تعتمد آلاف الأسر على مركبات وحافلات نقل الطلبة التي تعمل بالتعاقد المباشر بين الأهالي والسائقين.
قد تكون ميني باص، وقد تكون مركبة صغيرة، وقد يقودها رجل أو امرأة، وقد تكون مصدر الدخل الأساسي لأسرة كاملة.
وهنا يجب أن نكون منصفين.
هذه المنظومة ليست شراً يجب القضاء عليه، بل هي في جانب كبير منها استجابة مجتمعية لحاجة حقيقية فرضها غياب منظومة نقل عام حديثة ومنتظمة وآمنة.
فالأسرة التي لا تجد وسيلة نقل مدرسية منظمة، ولا تستطيع إيصال أبنائها بنفسها كل صباح، تبحث عن أقرب حل متاح.
والسيدة التي اشترت مركبة أو ميني باص وأصبحت تنقل أبناء الحي إلى مدارسهم قد لا تكون صاحبة شركة نقل، وإنما امرأة تبحث عن مصدر رزق.
والرجل الذي يعمل على المركبة قد يكون هو الآخر يعيل أسرة.
لذلك فإن معالجة المشكلة بعقلية «نخالف ونغرم» لن تحل المشكلة.
بل قد تزيد معاناة الناس، بينما تستمر الظاهرة نفسها.
المشكلة أن الطفل أصبح «راكباً» في سوق غير منظم
الطفل ليس راكباً عادياً.
إنه أمانة.
ولا يكفي أن تكون المركبة قادرة ميكانيكياً على السير في الشارع.
السؤال الحقيقي يجب أن يكون:
هل هذه المركبة، وهذا السائق أو السائقة، وهذه الرحلة، وهذه الإجراءات، مهيأة فعلاً لنقل الأطفال؟
هناك ممارسات ومشاهد متكررة في قطاع نقل الطلبة لا يجوز تجاهلها.
تحميل المركبة فوق طاقتها الاستيعابية.
أحيانا تدخين السائق ونفث الدخان ليتنفسه الأطفال بمركبة تحمل ضعفي طاقتها؛ صيفا وشتاءا…
أحيانا عصبية السائق أو تلفظه بكلام غير لائق… وكثرة إستعمال الموبايل خلال القيادة…
أحيانا خروج الأطفال من نوافذ الحافلة خلال القيادة…
أحيانا قد يكون بعض (قلة قليلة بالتأكيد) من هؤلاء السواقين صاحب أسبقيات، ولا يعلم عنه الأهالي، وقد لا يؤتمن على الأطفال من كلا الجنسين…
الوقوف العشوائي لتحميل الأطفال وإنزالهم.
السرعة والتجاوز الخطر.
عدم الالتزام الكافي بقواعد السلامة.
ضعف التهوية أو التكييف في بعض المركبات.
تدني مستوى النظافة في بعض الحافلات.
عدم ملاءمة بعض المركبات أصلاً لنقل الأطفال.
التعامل أحياناً مع الأطفال بعصبية أو بطريقة لا تراعي أعمارهم وحساسيتهم.
والأخطر من ذلك كله، غياب منظومة موحدة للمسؤولية والمتابعة والتوثيق.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم:
هل كل من يقود مركبة لنقل الأطفال مؤهل فعلاً للتعامل مع الأطفال؟
رخصة القيادة وحدها لا تجيب عن هذا السؤال.
لا نريد «مخالفة»… نريد نظاماً
المخالفات المرورية وحدها ليست حلاً.
إذا كان سائق نقل طلبة يحصل على مخالفة اليوم بسبب تجاوز أو حمولة أو وقوف خاطئ، ثم يعود غداً إلى العمل بالطريقة نفسها، فهذا يعني أننا عالجنا النتيجة ولم نعالج المنظومة التي أنتجت المشكلة.
إذا كانت المخالفة وحدها كافية، لكانت الظاهرة انتهت منذ سنوات.
لكنها لم تنته.
إذن علينا أن نسأل:
لماذا؟
الإجابة ببساطة أن المشكلة أكبر من سائق يخالف قانون السير.
إنها مشكلة تنظيم وتشغيل ورقابة وثقافة سلامة، وهي جزء من مشكلة النقل العام في الأردن بصورة عامة.
الحل ليس بإلغاء هذه المهنة… بل بتنظيمها
يجب أن نتعامل مع نقل الطلبة كقطاع اقتصادي واجتماعي قائم بالفعل، وأن نقوم بإعادة تنظيمه بدلاً من محاولة إلغائه.
نحتاج إلى سجل وطني بسيط لنقل الطلبة، يتضمن المركبة والسائق وعدد الأطفال والمدارس والمناطق التي تخدمها.
وتكون كل مركبة معروفة للجهات المختصة ولأولياء الأمور.
كما يجب أن يخضع السائق أو السائقة لتدريب عملي مختصر في سلامة الأطفال، والإسعافات الأولية الأساسية، والتعامل مع الطفل، وإدارة السلوك داخل المركبة، وإجراءات الصعود والنزول والتعامل مع حالات الطوارئ.
والأهم أن يكون هناك إجراء إلزامي للتأكد من خلو المركبة من الأطفال قبل إغلاقها ومغادرتها.
هذا الإجراء لا يجوز أن يبقى مسألة ضمير شخصي.
بل يجب أن يصبح بروتوكول سلامة إلزامياً.
المركبة نفسها جزء من منظومة الأمان
ليس من المنطقي أن نقول إن كل مركبة تستطيع نقل الأطفال بالطريقة نفسها.
يجب وضع تصنيف واضح للمركبات المستخدمة في نقل الطلبة، سواء كانت مركبة صغيرة أو ميني باص أو حافلة، مع تحديد عدد الركاب وشروط السلامة لكل فئة.
ولا يجوز تحميل المركبة أكثر من قدرتها الاستيعابية.
فالاقتصاد في الرحلة أو زيادة عدد الأطفال لا يمكن أن يكون على حساب سلامتهم.
التكنولوجيا يمكن أن تمنع مأساة
اليوم لا نحتاج إلى نظام معقد ومكلف.
يمكن استخدام تطبيق بسيط أو بطاقة إلكترونية أو نظام مرتبط بهاتف السائق والأهل والمدرسة لتسجيل صعود الطفل ونزوله.
والأهم هو وجود تنبيه عند انتهاء الرحلة يؤكد خلو المركبة من الأطفال.
قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنه في الحقيقة يمثل جزءاً أساسياً من ثقافة السلامة الحديثة.
وماذا عن الأسر التي تعيش من هذه المهنة؟
هذه النقطة لا تقل أهمية عن سلامة الأطفال.
لا يجوز أن تأتي الدولة وتقول: «سننظم القطاع»، ثم تفرض على صاحب المركبة رسوماً جديدة، وضريبة جديدة، وفحوصات مكلفة، وإجراءات بيروقراطية إضافية.
الفئات محدودة الدخل لا تحتمل كلفة تنظيم مرتفعة.
إذا أردنا إدخال العاملين في نقل الطلبة إلى النظام، فعلينا أن نجعل التنظيم بسيطاً ورقمياً ومنخفض الكلفة، وأن ندعم عملية الانتقال إلى النظام بدلاً من تحويلها إلى مصدر جباية.
فالهدف ليس جمع المال من سائقي نقل الطلبة.
الهدف هو حماية الطفل وحماية مصدر رزق الأسرة في الوقت نفسه.
لماذا لا ننظر إلى السائق كشريك؟
السائق أو السائقة يجب ألا يشعر بأن الدولة لا تتذكره إلا عندما يرتكب مخالفة.
بل يجب أن يصبح جزءاً من منظومة السلامة.
نحن بحاجة إلى علاقة جديدة بين الدولة ومقدمي خدمة نقل الطلبة:
الدولة تنظم، والسائق يلتزم، والمدرسة تتابع، والأهل يراقبون، والطفل هو محور المنظومة.
وعندما يلتزم السائق بالمعايير، يجب أن يحصل على اعتماد رسمي كناقل طلبة.
وهذا الاعتماد يمكن أن يصبح ميزة مهمة أمام أولياء الأمور.
المدرسة ليست خارج المسؤولية
لا يمكن أن يبقى نقل الطفل مسؤولية السائق وحده.
المدرسة جزء من سلسلة الأمان.
يجب أن تعرف من حضر، ومن غاب، ومن وصل، ومن لم يصل، وأن يكون هناك بروتوكول واضح للتعامل مع غياب الطفل أو عدم وصوله.
ولا يعني ذلك تحميل المدرسة مسؤولية قانونية عن كل تفاصيل النقل الأهلي، وإنما إنشاء نظام تنسيق واضح بينها وبين الأهل ومقدمي خدمة النقل.
والأهل أيضاً شركاء
لا يكفي أن يقول الأب أو الأم:
«الباص يأخذ ابني ويعيده».
يجب أن يعرف ولي الأمر من السائق، وما المركبة، وكم عدد الأطفال، وما موعد الوصول، وما الإجراءات المتبعة عند غياب الطفل.
نحن بحاجة إلى ثقافة سلامة مشتركة، لا إلى البحث عن مذنب بعد وقوع الكارثة.
لا نريد قتل مصدر رزق… ولا نريد أن ندفع ثمن العشوائية بأطفالنا
هذه هي المعادلة الصعبة.
لا يمكن أن نقول:
ألغوا هذه الحافلات.
لأنها تؤدي وظيفة حقيقية لا يستطيع النقل العام الحالي أن يؤديها بالشكل المطلوب.
ولا يمكن في الوقت نفسه أن نقول:
اتركوها تعمل كما هي.
لأن أطفالنا ليسوا حمولة تجارية.
إنهم أطفالنا.
الحل بين الاثنين:
تنظيم ذكي، تدريجي، قليل الكلفة، إنساني وقابل للتطبيق.
فلنبدأ من المدارس
يمكن للحكومة، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم وهيئة تنظيم النقل وإدارة السير والبلديات ومجالس المحافظات والمدارس، إطلاق برنامج وطني بعنوان:
«النقل الآمن لأطفال الأردن»
يبدأ البرنامج بصورة تجريبية في عدد من المحافظات، ثم يتوسع تدريجياً.
ويقوم على تسجيل المركبات والسائقين، وتدريبهم، واعتمادهم، وفحص المركبات، وتنظيم السعة، ومتابعة الالتزام، وتقييم الأداء.
وكل ذلك دون فرض أعباء مالية جديدة على العاملين في هذا القطاع.
الفاجعة يجب ألا تنتهي مع انتهاء الخبر
الطفل الذي فقدناه لا يمكن إعادته.
والقضاء سيأخذ مجراه في تحديد المسؤوليات القانونية عن هذه الحادثة.
لكن مسؤوليتنا كمجتمع ودولة أكبر من محاسبة شخص واحد.
علينا أن نسأل:
ماذا تعلمنا؟
إذا كانت الإجابة:
«سنشدد المخالفات».
فهذا غير كافٍ.
أما إذا كانت الإجابة:
«سنراجع منظومة نقل الطلبة كاملة، ونحمي الأطفال، ونحمي في الوقت نفسه أرزاق الأسر التي تعتمد عليها، ونضع نظاماً بسيطاً ورخيصاً وذكياً يمنع تكرار المأساة».
فهنا نكون قد حولنا الألم إلى إصلاح.
لقد كتبت مراراً أن أزمة النقل في الأردن ليست أزمة باص فقط، بل أزمة تخطيط وتنظيم ورؤية، وأن النقل العصري ليس رفاهية وإنما جزء من التنمية والحياة اليومية للمواطن.
واليوم أضيف:
إن نقل أطفالنا إلى مدارسهم ليس خدمة هامشية.
إنه جزء من الأمن المجتمعي.
ولا ينبغي أن ننتظر مأساة جديدة حتى نكتشف ذلك.
نظّموا نقل أطفالنا… ولا تعاقبوا من يبحث عن رزقه.
احموا الطفل، واحموا السائق، وأصلحوا المنظومة.
فالأردن لا يحتاج مزيداً من المخالفات بقدر ما يحتاج نظاماً يمنع المخالفة والمأساة قبل وقوعهما.




