ماذا وراء ترشيح ترامب : سفير أمريكي جديد في السعودية معادي للإسلام و مؤيد لإسرائيل ؟

د . مهدي مبارك عبد الله
أعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب مؤخرا ترشيح النائب الجمهوري عن ولاية تكساس ويسلي هانت لمنصب السفير الأمريكي الجديد لدى السعودية بعد أن ظل المنصب شاغرا منذ بداية ولايته الرئاسية الثانية في يناير 2025 ولا يزال تعيينه يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ وهانت ليس دبلوماسيا محترفا وإنما سياسي مقرب من ترامب وله خلفية عسكرية مهمة حيث تخرج من أكاديمية ويست بوينت وخدم ثماني سنوات في الجيش الأمريكي وشارك في 55 مهمة قتالية بطائرة أباتشي في العراق كما أمضى عامين في السعودية ضابط ارتباط دبلوماسي وعسكري .
لم يكن اختيار دونالد ترامب لويسلي هانت سفيرا أمريكيا لدى السعودية اجراء دبلوماسي عادي يمكن أن يمر في المنطقة كما تمر عشرات التعيينات في السفارات الأمريكية حول العالم خاصة وان الرجل الذي اختاره ترامب معروف كسياسي جمهوري قريب منه وصاحب مواقف معلنة شديدة التأييد لإسرائيل كما ان له عدة تصريحات أثارت جدلا واسعا بسبب انتقاداته للإسلام والشريعة الإسلامية والمفارقة أن واشنطن اختارت هذه الشخصية تحديدا لتمثيلها في الدولة التي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة وتحتل موقعا استثنائيا في العالمين العربي والإسلامي كقبلة للمسلمين .
دلالة الاختيار تزداد اثارة لأن المنصب ظل شاغرا منذ بداية الولاية الثانية لترامب ثم جاء ملؤه في واحدة من أكثر اللحظات اضطرابا في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران وتصاعد المواجهة السعودية مع الحوثيين وتزايد المخاطر التي تحيط بأمن الخليج والبحر الأحمر وامدادات الطاقة ولذلك يصعب النظر إلى وصول هانت إلى الرياض باعتباره مجرد سد لشغور دبلوماسي طويل بل يصبح من المشروع البحث عن الرسالة السياسية الباطنية التي أراد ترامب إيصالها من خلال هذا الاختيار الجديد .
الكثيرين تسالوا باستغراب لماذا هانت تحديدا ولماذا الآن وهل أراد ترامب سفيرا يعرف السعودية والمنطقة أم أراد شخصية تحمل مواقف واضحة تجاه الإسلام وإسرائيل وإيران وهل يمثل هذا التعيين محاولة لإعادة ترتيب العلاقة الأمريكية السعودية في مرحلة جديدة أم يحمل في طياته رسالة ضغط أو اختبار لحدود هذه العلاقة مع دولة تمثل مهد الإسلام وموطن الحرمين الشريفين .
المفارقة الابرز في السياق كيف سيتعامل سفير سبق له أن استخدم تجربته في السعودية والعراق في مهاجمة الشريعة الإسلامية واتباعها والتحذير من انتشار الإسلام حيث سبق له ان تحدث علنا عن ضرورة القلق الكبير من الإسلام وعن احتمال انتشار الأنظمة الإسلامية في المجتمعات الغربية كما استند إلى ما شاهده في السعودية والعراق لتقديم صورة شديدة السلبية والسوداوية عن الحياة في ظل الشريعة الإسلامية وهذه التصريحات ليست مجرد مواقف بعيدة تعود إلى بدايات مسيرته السياسية وإنما استمر في ترديد مواقف مماثلة خلال السنوات الأخيرة .
لعل خلفية ومرجعيات هانت وسيرته الذاتية لا تقف عند هذا الحد فهو ايضا من أبرز المؤيدين لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري وقد أعلن في لقاءات سابقة للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية أن إسرائيل هي الحليف الحقيقي الوحيد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط كما أيد اتفاقيات أبراهام ودعا إلى توسيع مسار التطبيع مع إسرائيل ليشمل السعودية ولذلك فإن الرجل الذي قد يصل إلى الرياض سفيرا فيما اذا وافق مجلس الشيوخ على تعيينه لا يحمل فقط خلفية عسكرية وسياسية وإنما أيضا لديه موقفا معلنا من قضيتين شديدتي الحساسية بالنسبة للعالم العربي والإسلامي هما الإسلام وإسرائيل .
ربما يكون من الخطأ افتراض أن هانت سيواصل بالضرورة خطاب حملاته السياسية بعد انتقاله إلى السلك الدبلوماسي خاصة وإن وظيفة السفير تفرض عليه تمثيل سياسة بلاده والتعامل الرسمي مع الدولة المضيفة باحترام لكن ارشيف سجله السابق يجعل من حق المراقبين التساؤل عن مدى قدرته على الفصل بين مواقفه السياسية السابقة وبين مهمته الجديدة وحول الكيفية التي ستتعامل بها الرياض مع سفير يعرف أنها تعرف جيدا ما قاله عنها وعن الإسلام .
كما أن دعمه القوي لإسرائيل سيضعه أمام ملف بالغ الحساسية في العلاقات الأمريكية السعودية سيما وان السعودية ليست مجرد دولة عربية أخرى في الحسابات الأمريكية وإنما هي دولة مركزية في العالم الإسلامي وقوة إقليمية واقتصادية كبرى وقد ربطت موقفها من التطبيع مع إسرائيل بحل القضية الفلسطينية بشكل عادل ب بحق تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية ولذلك فإن وجود سفير أمريكي ينتمي بوضوح إلى المعسكر الأكثر تأييدا وتطرفا لتل ابيب يمكن أن يجعل السفارة الأمريكية في الرياض طرفا منحازا وأكثر نشاطا في هذا الملف خلال المرحلة المقبلة.
السؤال الأكثر إلحاحا في الحقيقة ليس لماذا اختار ترامب ويسلي هانت وإنما لماذا اختاره الآن تحديدا حيث يأتي التوقيت بعد ذروة الحرب مع إيران وتصاعد المواجهة مع الحوثيين وتزايد أهمية السعودية في ملفات أمن الخليج والطاقة والبحر الأحمر وان إعادة ترتيب العلاقة مع إسرائيل بعدما كشفت التطورات الأخيرة حدود القوة و القدرة الأمريكية على إدارة أزمات المنطقة منفردة والتي جعلت الرياض أكثر أهمية لواشنطن وفي الوقت نفسه باتت الريا ض أكثر حرصا على تنويع خياراتها وتحالفتها ومن هذه الزاوية بالذات يمكن قراءة اختيار هانت باعتباره محاولة لإرسال رجل يثق به ترامب ويعرف السعودية جيدا وله خلفية عسكرية ومواقف واضحة من إيران وإسرائيل إلى عاصمة مرشحة لاحتلال موقعا مركزيا في المرحلة المقبلة بعدما تضع الحرب اوزارها .
للمصداقية التحليلية فقط قد لا يعني هذا الخيار بالضرورة استفزاز للسعودية أو العرب والمسلمين فليس هناك دليل علني يثبت أن ترامب اتخذ القرار بهذه النية لكن اختيار شخصية بهذه الخلفية المشبوهة وفي هذا التوقيت الصعب يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن تريد رجلا حليفا للرئيس وقادرا على التعامل مع الملفات الأمنية والاستراتيجية المعقدة لأن العلاقة الامريكية مع الرياض ستظل مرتبطة بصورة وثيقة بملفات إيران واليمن والطاقة وإسرائيل والتطبيع بشكل دائم .
في المقابل الرياض تملك رؤيتها وأوراقها وخبرتها الخاصة في التعامل مع السفير الامريكي الجديدة وهي تدرك جيدا أهمية العلاقة مع واشنطن لكنها تعلم أيضا أن البيئة الإقليمية قد تغيرت وأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد خيارا وحيدا بعد ما كشفته المواجهات مع إيران والحوثيين من تعقيدات أمنية بالغة ولذلك فإن وصول هانت قد يكون اختبارا متبادلا للعلاقة الأمريكية السعودية أكثر مما يكون مجرد تغيير في قيادة طاقم السفارة.
التوقعات المرحلية تؤكد إن اختبار هانت الحقيقي لن يكون في واشنطن حيث اعتاد تقديم الخطاب السياسي الصاخب وإنما في العاصمة الرياض حيث سيجد نفسه أمام دولة يعرفها من تجربة سابقة لكنه يعود إليها هذه المرة بصفة مختلفة تماما. وإذا نجح في الفصل بين ماضيه السياسي ومهمته الدبلوماسية فقد تتحول خبرته السابقة في السعودية والمنطقة إلى عنصر قوة في مهمته أما إذا انتقل معه خطابه العنصري القديم إلى مقر السفارة فإن اختياره قد يتحول من رسالة قوة أمريكية إلى مصدر توتر جديد في علاقة تحتاج أصلا إلى قدر كبير من الحذر والتهدئة .
ختاما : يبقى السؤال الأهم ماذا أراد ترامب أن يقول باختيار هانت في هذه اللحظة. الإجابة الأرجح ليست رسالة واحدة وإنما مزيج من الثقة السياسية والخلفية العسكرية والضغط في ملفات إيران واليمن وإسرائيل وإعادة ترتيب العلاقة مع السعودية لكن العقبة المنتظرة ستظل قائمة بقوة رجل استخدم تجربته في السعودية للهجوم على الإسلام يعود إلى الرياض سفيرا أمريكيا في بلد الحرمين وهنا لن يكون هانت وحده تحت الاختبار وإنما ستكون امريكا نفسها تحت اختبار قدرتها على إدارة علاقتها مع العالم العربي والإسلامي بلغة الدبلوماسية لا بلغة الاستفزاز السياسي والمنطق الاستعلائي المتعجرف .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية





