كيف نجح الموساد في بناء شبكة اختراق عميقة ومتعددة المستويات داخل إيران ؟

د. مهدي مبارك عبد الله

المواجهة بين إيران وإسرائيل لم تكن في يوم من الأيام مجرد تبادل للتهديدات أو صراع نفوذ إقليمي عابر بل كانت منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 حربا مفتوحة في الظل تتقاطع فيها الاستخبارات مع التكنولوجيا وتتداخل فيها الاغتيالات مع الحروب السيبرانية وحملات الاختراق النفسي والاجتماعي وعلى امتداد أكثر من عقدين نجح جهاز الموساد في تحويل الداخل الإيراني إلى واحدة من أكثر ساحات العمل الاستخباراتي تعقيدا في العالم مستفيدا من استراتيجية طويلة النفس تقوم على الصبر التراكمي والعمل الهادئ واختراق المجتمع من الداخل بدلا من الاعتماد على العمليات الخارجية التقليدية .

التحول الأخطر في العقيدة العملياتية للموساد تمثل في الانتقال من إرسال ضباط إسرائيليين إلى العمق الإيراني من اجل بناء ما يشبه الفيلق الأجنبي من العملاء المحليين الإيرانيين أنفسهم حيث ادرك الجهاز مبكرا أن الإيراني القادر على الحركة داخل بيئته الاجتماعية والثقافية والدينية أكثر قدرة على التغلغل من أي عنصر أجنبي ولهذا ركز على تجنيد فئات متعددة عبر مسارات مختلفة شملت المعارضين السياسيين والناقمين على السلطة وبعض أبناء الأقليات العرقية إضافة إلى أشخاص دفعتهم الظروف الاقتصادية القاسية نحو العمالة الاستخباراتية مقابل المال وقد منح هذا التنوع الشبكة قدرة عالية على التخفي والتكيف مع البيئات المحلية المختلفة .

الملاحظ ان الموساد اعتمد في بناء شبكاته على هيكلية خلوية معقدة تقوم على الفصل الكامل بين المجموعات بحيث لا تعرف كل خلية سوى جزء محدود جدا من النشاط العام الأمر الذي جعل اكتشاف إحدى الحلقات لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الشبكة بأكملها وقد كانت إدارة هذه الخلايا تتم غالبا عبر وسطاء محليين أو ما يسمى الضابط الأول الذي يتلقى التعليمات من الخارج ثم ينقلها إلى العناصر التنفيذية داخل إيران دون احتكاك مباشر بضباط الموساد أنفسهم وهو ما صعب كثيرا من مهمة أجهزة الأمن الإيرانية في تتبع سلسلة القيادة الحقيقية .

عمليات التجنيد لم تكن تتم دفعة واحدة بل وفق تدرج نفسي واستخباراتي مدروس يبدأ بمهام بسيطة مثل التصوير أو مراقبة تحركات شخصيات معينة ثم يتطور إلى زرع أجهزة تتبع أو نقل معدات أو تنفيذ عمليات أكثر حساسية وقد سمح هذا الأسلوب للموساد باختبار ولاء العناصر وبناء الثقة تدريجيا قبل إدخالهم في عمليات عالية الخطورة تتعلق بالمنشآت النووية أو القيادات العسكرية .

الجغرافيا الإيرانية نفسها ايضا لعبت دورا محوريا في نجاح الاختراق خاصة وان المناطق الحدودية الممتدة مع العراق وتركيا وباكستان وأذربيجان وفرت ممرات مثالية لحركة الأفراد وتهريب المعدات كما استغل الموساد التوترات القومية في بعض الأطراف الإيرانية عبر تجنيد عناصر من الأكراد والبلوش والأحوازيين والأذريين وهي بيئات ظلت تعاني في بعض الأحيان من شعور بالتهميش السياسي أو الاقتصادي ما جعلها أكثر قابلية للاختراق والاستقطاب .

مع تطور التكنولوجيا الهائل انتقل الموساد إلى مستوى أكثر تعقيدا من العمل الاستخباراتي حيث بات يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط حياة الأهداف والتنبؤ بتحركاتها بدقة شديدة كما استخدم شبكات اتصال مستقلة بعيدة عن البنية التحتية الإيرانية التقليدية عبر الأقمار الصناعية وشبكات التجوال الدولية الأمر الذي سمح بإدارة العمليات من الخارج دون المرور عبر أنظمة الاتصالات المحلية الخاضعة للمراقبة الإيرانية .

الاختراقات المتواصلة لم تكن في معظمها بشريا فقط بل لوجستية واقتصادية أيضا حيث كشفت تقارير متعددة عن استخدام شركات وهمية ومنظمات غير حكومية ورجال أعمال كانوا يعملون كواجهات لتمويل العمليات وتأمين حركة الأموال والمعدات كما كانت مدن مثل دبي وإسطنبول وباكو محطات أساسية في هذه الشبكات حيث يسهل هنالك إنشاء الشركات وفتح الحسابات وتحويل الأموال بعيدا عن الرقابة المشددة ومن خلال هذه البنية اللوجستية تمكن الموساد من إدخال تقنيات مراقبة متطورة وأجهزة تنصت وحتى أجزاء من أنظمة تشغيل الطائرات المسيّرة إلى الداخل الإيراني .

عمليا معظم النتائج التي حققها هذا الاختراق كانت استراتيجية بكل معنى الكلمة ومنذ عام 2010 تعرض عدد كبير من العلماء النوويين الإيرانيين لعمليات اغتيال دقيقة كان من بينهم محسن فخري زاده ومجيد شهرياري ومسعود علي محمدي وهي عمليات كشفت قدرة الموساد غير المسبوقة في الوصول إلى شخصيات محصنة أمنيا داخل العمق الإيراني كما نجح في عام 2018 في تنفيذ واحدة من أخطر عملياته عبر سرقة الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران ونقل عشرات الآلاف من الوثائق والملفات الرقمية السرية إلى الخارج في عملية شكلت حينها صدمة أمنية مدوية للنظام الإيراني .

إلى جانب الاغتيالات والسرقات الاستخباراتية جاءت الحرب السيبرانية لتفتح جبهة أكثر خطورة ففي هجوم ستوكسنت الشهير تعرضت منشآت نطنز النووية لاختراق إلكتروني أدى إلى تدمير مئات أجهزة الطرد المركزي وتأخير البرنامج النووي الإيراني لسنوات أطول وقد اعتبرت تلك العملية نقطة تحول تاريخية في طبيعة الصراعات الدولية بعدما أصبح الفيروس الإلكتروني قادرا على إحداث أثر يوازي الضربات العسكرية التقليدية .

خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو من عام 2025 انكشفت أبعاد جديدة لهذا التغلغل بعدما تمكنت إسرائيل من تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مواقع عسكرية شديدة الحساسية بعد ساعات قليلة فقط من تغييرات ميدانية داخلية وهو ما عزز القناعة لدى طهران بأن الاختراق لم يعد يقتصر على المراقبة التقنية بل وصل إلى وجود عناصر بشرية مزروعة داخل المؤسسات الحساسة نفسها تنقل المعلومات لحظة بلحظة .

في المقابل الرد الإيراني جاء عنيفا عبر حملات اعتقال واسعة شملت مئات الأشخاص من خلفيات مختلفة بينهم موظفون وعسكريون سابقون وأكاديميون وتجار كما بث الإعلام الإيراني وقتها اعترافات لعدد من المتهمين تحدثوا فيها عن آليات التواصل مع الموساد والتدريب في الخارج واستخدام العملات المشفرة وبرامج الاتصال المشفر لكن رغم هذه الحملات بقيت الشكوك قائمة داخل إيران حول حجم الشبكات التي ما تزال نائمة أو غير مكتشفة خاصة أن طبيعة البناء الخلوي تجعل تفكيك المنظومة بالكامل أمرا بالغ الصعوبة .

المعضلة الأخطر بالنسبة لطهران تمثلت بأن الحرب الاستخباراتية لا تدور فقط حول المنشآت والسلاح بل ايضا حول الثقة الداخلية نفسها فكل عملية اغتيال أو اختراق أو تسريب كانت تعمق الشك داخل مؤسسات الدولة وتدفع النظام إلى توسيع دائرة الرقابة الأمنية وهو ما خلق بدوره فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع وعلى الجانب الاخر تبدو إسرائيل مقتنعة بأن استنزاف إيران من الداخل يعتبر أكثر فاعلية وأقل كلفة من المواجهة العسكرية الشاملة لذلك هي تواصل الاستثمار في بناء الشبكات البشرية والاختراقات السيبرانية والحرب النفسية باعتبارها أدوات استراتيجية بعيدة المدى .

ختاما : لقد أثبتت التجربة الإيرانية أن الصراعات الحديثة لم تعد تحسم فقط بالصواريخ والطائرات بل بقدرة الدول على حماية جبهتها الداخلية ومنع تفككها من الداخل سيما وان الموساد لم ينجح فقط لأنه يمتلك التكنولوجيا أو الخبرة الاستخباراتية بل لأنه وجد ثغرات اجتماعية واقتصادية وسياسية تمكن من النفاذ عبرها إلى عمق الدولة الإيرانية وتحويلها إلى ساحة مفتوحة للعمل السري وعلى الرغم من الضربات القاسية التي تعرضت لها إيران فإنها ما تزال تحافظ على تماسكها النسبي بفضل بنية الدولة العقائدية وصلابة مؤسساتها العسكرية والأمنية غير أن المعركة تبدو أبعد ما تكون عن النهاية خصوصا وان الحرب الحقيقية لم تعد على الحدود وفي المضيق بل في دهاليز الظل الاستخباراتية حيث تتحول المعلومة إلى سلاح والخيانة إلى أخطر أشكال الاختراق والتخابر مع العدو إلى مقدمة قد تغيّر مصير الدول بأكملها .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى