​نَعيبُ زماننا والعيبُ فينا.. وقفة صادقة مع الذات

​حين نمعن النظر في تفاصيل حياتنا اليومية، ونتأمل كيف تحولت أبسط أمورنا إلى أعباء تثقل الكاهل، يبرز أمامنا تساؤل مؤلم وصادق: هل العيب حقاً في الزمان والأحوال، أم في خياراتنا التي انحرفت بنا عن جادة البساطة والاتزان؟ الحقيقة المرة التي نتجاهلها غالباً هي أن سعادتنا واستقرارنا مرهونان بعودتنا إلى “الوضع الطبيعي”، فمهما ارتفعت الدخول أو تذبذبت، ستظل الجيوب خاوية والقلوب قلقة ما دام سقف المظاهر يتطاول على حساب الضروريات؛ أفلسنا نأخذ رواتبنا لنعطيها لغيرنا ثم نشتكي الفقر؟ لقد أسرفنا في استهلاك “البرستيج” المصطنع وأسلمنا عقولنا لسطوة الماركات والشكليات، نحسب أن القيمة فيما نحمله لا فيما نملكه في عقولنا وضمائرنا.

​تأملوا كم نستنزف من أعمارنا وأموالنا في غير ما طائل حين نفضل حلاقاً باهظ الثمن على غيره، أو نتكلف في أزياء وخياطة تفوق الحاجة، أو نجعل فنجان القهوة ومطاعم الأسماك والوجبات ميزانية يومية تلتهم المدخرات بينما البديل المنزلي بسيط وميسور ولا يكلف إلا اليسير، وحين ننفق مئات الدنانير على عطور وهواتف ذكية لا لهدف سوى التباهي لا الحاجة، بل وحتى السيارة التي جعلناها أداة للتباهي لا لمجرد وسيلة مواصلات تقضي الحوائج.

​لقد بدّلنا الحال بأيدينا، وتغيرت المفاهيم من حولنا حتى كدنا لا نعرف أنفسنا؛ فمنذ أربعين عاماً كان الناس يتمنون كثرة الأولاد ويعدونهم سنداً، أما اليوم فبات الخوف من إنجابهم يطارد البعض، وكان الأبناء يطيعون والديهم فصار الوالدان اليوم يطيعان الأبناء، وكان الزواج ميسوراً والبيوت مستقرة فبات اليوم معقداً والانفصال فيه سهلاً، وكنا نعرف كل من في حارتنا وبلدتنا كأننا أسرة واحدة، واليوم ننظر إلى جارنا كأنه شخص غريب، وكان الأثرياء يتظاهرون بالتواضع أما الآن فالفقراء يتظاهرون بالثراء، وكان رجل واحد يعيل أسرته كلها بكرامة بينما نرى اليوم الأسرة بأكملها تعمل لتعيل طفلاً واحداً، بل وحتى إيقاع حياتنا انقلب فصار الناس ينامون بالنهار ويسهرون الليل تائهين عن بسط الرزق وسكينته.

​إن الخلل الحقيقي يكمن في إغراقنا لأنفسنا في بحر من الديون والالتزامات الوهمية لنبهر أشخاصاً لا يكترثون لأمرنا أصلاً، فالمسؤول الأول والأخير عما نكابده هو نحن؛ بخياراتنا، وبتساهلنا مع الكماليات، وبابتعادنا عن الفطرة السليمة. التقشف الواعي ليس عاراً، والابتعاد عن التباهي هو أول درجات الحرية والراحة النفسية؛ فلنبدأ بأنفسنا، ولنعد ترتيب أولوياتنا، لنترك حمى الماركات ونقتصر على الضروريات، فمن ملك زمام نفسه واستغنى عن المظاهر ملك الدنيا بما فيها، وكما قال الشاعر ببالغ الحكمة:

​نَعيبُ زماننا والعيبُ فينا

وما لِزماننا عيبٌ سوانا!

بقلم: سامي العتيلات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى