شكرا جلالة الملكة رانيا التي وضعت العالم أمام مسؤولياته

طلال أبوغزاله

بذكاء لافت برز استحضار التاريخ في خطاب جلالة الملكة رانيا العبد الله أمام قمة عالم شاب في مدينة كيب تاون، جنوب إفريقيا؛ ليكون مدخلاً لمساءلة الحاضر وكشف التناقض بين ما يقوله العالم وما يفعله على أرض الواقع إذ كان لافتا تناول جلالتها القضية الفلسطينية من زاوية وضع الذاكرة التاريخية في مواجهة المسؤولية الأخلاقية الراهنة.

لم يكن استحضار تجربة جنوب إفريقيا ونضال شعبها العريق ضد نظام الفصل العنصري مجرد إشارة إلى محطة مهمة في تاريخ التحرر الإنساني، بل كان وراء ذلك سؤال أكثر نبلا: ما جدوى الدروس التي تعلمناها من الماضي إذا كنا لا نملك الشجاعة الكافية لتطبيقها عندما نرى شعبًا آخر يواجه الحرمان من حقوقه أي في الإصغاء إلى أصوات الفلسطينيين، أو عن الاعتراف بمأساتهم تحت نير الاحتلال.

كما كان لافتا حديث جلالتها إلى الشباب عن المستقبل، وأن نضعهم أمام مسؤوليتهم عنه فكان أقرب إلى دعوة صريحة للتفكير والمساءلة، ولأخذ دور حقيقي في فهم ما يدور حولهم، بدل الاكتفاء بمراقبة الأحداث من بعيد فالرسالة التي حملها الخطاب لم تكن أن الشباب هم قادة الغد فحسب، وإنما أنهم شركاء في تشكيل الحاضر أيضًا وعليهم أن يسألوا، وأن يبحثوا عن الحقيقة، وألا يسمحوا للآخرين بأن يقرروا نيابة عنهم ما الذي يستحق الاهتمام وما الذي يمكن تجاهله.

ولعل استحضار تجربة جنوب إفريقيا كان من أكثر مداخل الخطاب دلالة ومن هنا جاء الحديث عن فلسطين، وعن معاناة شعب لا ينبغي أن تتحول قضيته إلى خبر عابر وسط ازدحام الأحداث فقد أشارت جلالتها إلى أن إنكار هذه المعاناة، أو محاولة إسكات الأصوات التي تطالب بالعدالة، لا يغير من حقيقة ما يحدث، بل يضيف إلى الألم مزيدًا من التهميش والأهم أنها لم تحصر المسألة في التعاطف الإنساني، وإنما ربطتها بقدرة الأجيال الجديدة على فهم الوقائع والتعامل معها بوعي، بعيدًا عن التضليل والانجراف وراء الروايات غير الموثوقة.

فالمشكلة اليوم ليست في قلة ما نقرأ ونشاهد، بل في قدرتنا على معرفة الصحيح من المضلل، وعلى التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين المعلومة التي تستند إلى دليل وتلك التي لا تتجاوز كونها رواية متداولة وقد يحدث أن يتبنى الشباب موقفًا لأنه رأى منشورًا متكررًا، أو يشارك خبرًا لأنه ينسجم مع قناعاته، من دون أن يتوقف لحظة ليسأل عن مصدره لذلك فإن الدعوة إلى التفكير النقدي والتحقق من المعلومات ليست نصيحة أكاديمية بعيدة عن الواقع، بل ضرورة في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءًا من تشكيل الوعي العام، وأحيانًا من توجيهه أيضًا.

ومن الجوانب التي تستحق الانتباه في الخطاب أنه لم يضع المسؤولية الأخلاقية في مواجهة القانون، بل جمع بينهما فحقوق الإنسان ليست مسألة تعاطف شخصي، ولا ينبغي أن تتبدل قيمتها تبعًا لهوية أصحابها أو مواقف الدول منهم فهناك التزامات قانونية تقع على عاتق الدول، وقواعد يفترض احترامها وحماية المدنيين بموجبها والحديث عن العدالة يظل ناقصًا إذا لم يقترن بالسؤال عن مدى تطبيق هذه القواعد، وعن مسؤولية الجهات التي تنتهكها.

خطاب الملكة كان جامعا للعلاقة بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه ولجيل يمتلك وسائل لم تكن متاحة للأجيال السابقة، لكنه يواجه في المقابل تحديًا كبيرًا يتمثل في سيل المعلومات وتضارب الروايات وسرعة تشكل المواقف ولجيل يحتاج إلى أن يعرف، قبل أن يحكم، وأن يتحقق قبل أن ينقل، وأن يدرك أن المشاركة الحقيقية تبدأ من الوعي.

وختاما أقول إنني أفخر بأننيمواطن أردني في وطنٍ ملكته بهذا الوعي والإنسانية، وبهذا الحضور الذي يضع الأردن في قلب العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى