دماء الطفلة الشهيدة هند رجب تطارد الكتيبة 52 من نار الميدان إلى سيف العدالة
د . مهدي مبارك عبد الله
ليست كل الجرائم تنتهي بانتهاء إطلاق النار ولا تُدفن كل الضحايا تحت الركام فبعض الدماء تتحول إلى شهادة حية تلاحق مرتكبيها أينما ذهبوا وتبقى صرخة المظلوم أقوى من ضجيج الدبابات وهدير القذائف وأبقى من روايات القوة الزائفة ومن بين آلاف الأطفال الذين سقطوا في حرب غزة برز اسم الطفلة الفلسطينية هند رجب بوصفه رمزاً إنسانياً عالمياً لجريمة هزت الضمير الإنساني العالمي وكشفت الوجه الحقيقي للحرب والابادة الجماعية المنظمة التي استهدفت المدنيين والأطفال دون وجه حق وبلا رحمة.
في التاسع والعشرين من يناير عام 2024 كانت هند ذات الأعوام الستة محاصرة داخل سيارة تحولت باستهداف مقصود إلى مقبرة لعائلتها بعد أن أمطرتها نيران الدبابات الإسرائيلية بوابل من الرصاص حيث بقيت الطفلة الجريحة بين جثامين أقاربها تستغيث عبر الهاتف وتطلب النجدة بصوت مرتجف هز حينها العالم بأسره كما كانت كلماتها البسيطة أبلغ من آلاف الخطب السياسية وأقوى من كل البيانات الدبلوماسية والعناوين الاعلامية وحين حاول طاقم الإسعاف الوصول إليها تم استهدافه هو الآخر ليسقط المسعفان شهيدين وتُغلق صفحة من أبشع الجرائم التي وثقتها يوميات الحرب على غزة.
بكل صدق لم تكن جريمة هند حادثاً عرضياً في ساحة معركة ملتبسة كما حاولت الرواية الإسرائيلية الترويج له حيث كشفت التحقيقات الحقوقية والاستقصائية وشهود العيان بان خيوط المسؤولية الكاملة تقود إلى الكتيبة 52 التابعة للواء المدرع 401 باعتبارها إحدى الوحدات المتهمة بالضلوع المباشر في الجريمة ومع مرور الوقت تحولت القضية من مأساة إنسانية إلى ملف قانوني دولي توسعت دائرته يوماً بعد يوم ولاحقت آثاره الضباط والجنود المتورطين فيها.
عبر مفارقة قدرية جديدة عاد اسم الكتيبة 52 إلى الواجهة مجدداً ولكن هذه المرة من جبهة جنوب لبنان حيث أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل قائدها الجديد المقدم دور جداليا بن سمحون إثر كمين محكم استهدف دبابته في وقت لم يكن الحدث عادياً بالنسبة لكثيرين ممن استحضروا فوراً اسم هند رجب واعتبروا أن الكتيبة التي ارتبط اسمها بدم الطفلة الفلسطينية أصبحت تعيش سلسلة متواصلة من الضربات والخسائر المؤلمة.
اللافت أن مقتل بن سمحون لم يكن الحادثة الأولى في مسلسل الاستنزاف الذي ضرب قيادة هذه الكتيبة والمؤكد انه خلال أقل من عامين تعرض أربعة قادة متعاقبين للقتل أو الإصابات الخطيرة في غزة ولبنان في مشهد نادر داخل الوحدات العسكرية النظامية وبينما يفسر العسكريون ذلك باعتبارات ميدانية وتكتيكية فإن الرأي العام العربي والفلسطيني يرى في هذا المسار المتتابع صورة من صور العدالة السماوية التي قد تتأخر أحياناً لكنها لا تغيب.
لعل ما يمنح هذه التطورات بعداً أعمق أن الضربات الميدانية الموجعة تتزامن مع مباشرة ملاحقات قانونية دولية آخذة في الاتساع عن طريق مؤسسة هند رجب التي تحمل اسم الطفلة الشهيدة ولم تكتف بإحياء ذكراها السنوية بل تحولت إلى منصة حقوقية تلاحق المتورطين في قتلها أمام المحاكم الدولية حيث قدمت عدة شكاوى موثقة إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد مسؤولين عسكريين إسرائيليين متهمين بإصدار الأوامر أو المشاركة في الجريمة وهكذا يجد المتهمون أنفسهم بين مطاردة القانون في الخارج ومخاطر الحرب في الميدان.
عمليا قضية هند رجب لم تعد مجرد قصة طفلة فلسطينية استشهدت في غزة بل أصبحت رمزاً عالمياً لمعركة العدالة ضد الإفلات من العقاب والصوت الذي خرج من سيارة محاصرة وسط الرصاص في حي تل الهوى حنوب غرب غزة وصل إلى المحاكم الدولية وإلى الجامعات والمؤسسات الحقوقية حول العالم وإلى ملايين البشر الذين رأوا في قصتها اختصاراً لمأساة شعب بأكمله.
ربما يستطيع القادة العسكريون الاسرائيليون تغيير مواقعهم وأسماء وحداتهم وقد تنجح الحكومات المتعاقبة في تأخير المحاسبة لبعض الوقت لكن التاريخ يثبت أن دماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم وأن الجرائم الكبرى تظل تطارد أصحابها مهما طال الزمن ومن هذه الزاوية تبدو الكتيبة 52 اليوم وكأنها تواجه أكثر من خصم في الميدان بالإضافة الى ذاكرة طفلة فلسطينية صغيرة تحولت إلى قضية عالمية وإلى شاهد دائم على جريمة بشعة لن ينساها العالم.
لقد أراد القتلة أن يدفنوا هند رجب في صمت بين الركام لكنهم لم يدركوا أن بعض الأطفال يتحولون بعد رحيلهم إلى صوت أقوى همجية الاجرام وإلى قضية أكبر من حدود الجغرافيا والسياسة ولذلك فإن دماء هند لم تعد مجرد ذكرى أليمة بل أصبحت عنواناً للمحاسبة ورمزاً للعدالة ورسالة تقول إن الظلم قد يمتلك القوة مؤقتاً لكنه لا يستطيع الإفلات من حكم التاريخ ولا من عدالة السماء.
العبرة والدرس انه إذا كانت إسرائيل قد اعتادت عبر عقود طويلة على طمس الحقائق وإغلاق الملفات والاحتماء بالقوة العسكرية والدعم السياسي فإن قضية هند رجب جاءت لتكسر هذه القاعدة والجريمة التي ظن مرتكبوها أنها ستُدفن تحت أنقاض غزة تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الوعي العالمي ومرة ثانية لم تعد هند مجرد طفلة فلسطينية استشهدت في الحرب بل أصبحت اسماً يلاحق الضباط والجنود في المحاكم والجامعات ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية وقد نجحت دماء طفلة صغيرة في تحقيق ما عجزت عنه سنوات طويلة من الخطابات والبيانات السياسية حين جعلت العالم ينظر إلى الضحية باسمها وصورتها وصوتها لا كرقم جديد في سجل المآسي.
احد اهم المفارقات العميقة أن الكتيبة المتهمة بالضلوع في قتل هند تحولت هي نفسها إلى عنوان دائم للخسائر والاستنزاف وكلما حاولت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إغلاق صفحة الجريمة عادت الأحداث لتفتحها من جديد في اخبار قائد يُصاب وآخر يُستبدل وثالث يُجرح ورابع يُقتل بينما يبقى اسم هند حاضراً في خلفية المشهد وقد لا يؤمن البعض بفكرة اللعنة لكن المؤكد أن الجرائم الكبرى تترك آثارها الثقيلة على مرتكبيها وأن الدم البريء لا يغادر مسرح التاريخ بسهولة بل يظل شاهداً ومتهماً وصوتاً يطالب بالعدالة حتى بعد سنوات طويلة من وقوع الجريمة
يذكر أن الكتيبة 52 شهدت استهداف جميع قادتها الذين تعاقبوا على قيادتها منذ اندلاع الحرب بين قتيل وجريح حيث أُصيب قائد الكتيبة الأول خلال الحرب المقدم دانيال إيلا بجروح متوسطة أثناء المعارك في رفح في يوليو 2024 وفي أكتوبر 2024 أُصيب خلفه المقدم يهودا شاليف بجروح خطيرة في جباليا في الهجوم نفسه الذي أدى إلى مقتل قائد اللواء العقيد إحسان دقسة إثر انفجار عبوة ناسفة كما أُصيب القائد الثالث للكتيبة المقدم ” أ ” بجروح خطيرة خلال المعارك في بنت جبيل جنوب لبنان في أبريل 2026أما القائد الرابع للكتيبة المقدم دور بن شمعون فقد قُتل الليلة الماضية بعد تعرض دبابة القيادة التي كان يستقلها لنيران حزب الله في بلدة تبنيت جنوب لبنان.
ختاما : لقد أثبتت قصة هند رجب أن القاتل قد ينجو من العقاب فترة من الزمن وقد يختبئ خلف رتبة عسكرية أو سلطة سياسية أو حماية دولية لكنه لا يستطيع الإفلات إلى الأبد فثمة عدالة قد تتأخر لكنها لا تموت وثمة حساب يلاحق المجرمين في ساحات القتال وفي قاعات المحاكم وفي صفحات التاريخ وربما يكون الدرس الأهم الذي تكتبه دماء هند اليوم أن دم الطفل المظلوم لا يضيع وأن القاتل مهما طال به الزمن ومهما ظن أنه أفلت من العقاب سيجد نفسه يوماً في مواجهة المصير الذي صنعه بيديه والتاريخ لا ينسى وذاكرة الشعوب لا تموت والعدالة قد تتأخر لكنها تصل دائماً ولو بعد حين
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]





