منال الجبالي… حين تتحول الذاكرة إلى لون، والأشواك إلى حكاية

ثمة أشياء تمرّ أمام أعيننا كل يوم دون أن نمنحها فرصة للكلام؛ قطعة خشب حملتها الأمواج ثم تركتها على الشاطئ، معدن غيّر الزمن ملامحه، سطح تشوبه ندبة أو خدش، أو نبتة تنمو بصمت في أرض قاسية وتقاوم الجفاف بأشواكها. نراها أشياء عادية، بينما قد يرى فيها الفنان حكاية كاملة.

 

الفن، في جوهره، ليس دائمًا بحثًا عن شيء جميل، بل قد يكون محاولة لاكتشاف الجمال في الأشياء التي أخفاها الزمن، والإنصات إلى ما لا يتحدث، ومنح ما فقد بريقه فرصة أخرى للحياة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة الفنانة التشكيلية التونسية منال الجبالي؛ تجربة تتداخل فيها الذاكرة مع المادة، والطفولة مع الحاضر، والألم مع الجمال، والتجربة الشخصية مع سؤال الإنسان الدائم عن قدرته على التغيير.

 

منال الجبالي، المولودة سنة 1988، والحاصلة على شهادة الماجستير في الفنون التشكيلية من مدرسة الفنون الجميلة بتونس، لم تصل إلى الفن من طريق عابر. فمنذ طفولتها كان الرسم حاضرًا في حياتها، وكان لأخيها الأكبر دور في فتح نافذة مبكرة على هذا العالم؛ عرّفها على الرسم وأيقظ فيها الرغبة في الإبداع، قبل أن تلتقط أساتذتها في سن مبكرة تلك الموهبة الواضحة وتدفعها إلى مواصلة الطريق والالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة.

 

لكن خلف هذه الرحلة كان هناك حضور أكثر عمقًا؛ حضور الأم التي آمنت بابنتها وبقدرتها، وشجعتها على أن تتبع حلمها، وكانت سندًا لها في اختيار هذا الطريق. وربما لا يحتاج الحلم في بدايته إلى أكثر من شخص واحد يصدقه، شخص يقول لنا إن ما نراه في داخلنا يستحق أن نحاول من أجله. بالنسبة إلى منال، كانت أمها واحدة من أهم مصادر هذا الإيمان.

 

كبرت الطفلة، لكن الرسم لم يكبر معها بوصفه هواية فحسب، بل تحول تدريجيًا إلى لغة، ثم إلى بحث، ثم إلى طريقة في النظر إلى الحياة. ومع الوقت، أصبحت تجربتها الفنية قائمة على ثلاثة مفاهيم تبدو حاضرة في معظم تفاصيلها: المادة، والتحول، والذاكرة.

 

هي ترسم، لكن حدود اللوحة التقليدية لا تكفيها. تجمع، وتعيد تركيب، وتستخدم الخط، وتستدعي المواد المعاد تدويرها، وتتنقل بين خامات متعددة مثل الخشب الطافي، والنحاس، والأصباغ، والزجاج المنفوخ، وأحيانًا الراتنج. غير أن هذه المواد لا تدخل أعمالها باعتبارها مجرد أدوات أو عناصر جمالية؛ فلكل مادة عندها شخصية وذاكرة وملمس وأثر.

 

تتوقف منال عند ما يتركه الزمن على الأشياء، عند اختلافاتها، وعند العيوب التي قد يسعى البعض إلى إخفائها. أما هي، فتمنح تلك العيوب مكانًا داخل العمل، لأنها ترى أن أثر الزمن لا ينتقص من قيمة المادة، بل قد يكون هو ما يمنحها فرادتها.

 

ومن هنا تبدو فلسفتها الفنية شديدة القرب من الإنسان.

 

فالإنسان أيضًا يتغير مع الزمن. تحمل الأيام إلى داخله ذكريات، وتترك التجارب على روحه آثارًا لا تُرى دائمًا، وتعيد الأحداث تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى العالم. لكنه، رغم كل ذلك، لا يفقد قيمته. بل ربما تصبح آثار الطريق جزءًا من هويته.

 

لهذا تتعامل منال مع المادة كما لو أنها تتعامل مع ذاكرة بشرية: لا تمحو تاريخها، وإنما تعيد صياغته.

 

إنها تمنح الأشياء التي تبدو عادية أو مستعملة حياة جديدة، وكأنها تقول إن ما تغيّر لا يعني أنه فقد قيمته، وإن ما مرّ عليه الزمن لا يعني أنه انتهى.

 

هذه الرؤية جعلت مقاربتها الفنية هجينة وتجريبية؛ فهي لا تريد أن تحاصر نفسها في تقنية واحدة أو أسلوب ثابت، وإنما تبحث باستمرار عن الحوار بين الرسم والمادة، وبين التجريد والتشخيص، وبين اللون والملمس والحجم. إنها في حالة بحث دائم، وربما لهذا لا تنظر إلى أعمالها السابقة بوصفها محطات نهائية، بل تراها بدايات لأسئلة جديدة.

 

ما أنجزته بالأمس لا يكفيها اليوم.

 

وما تكتشفه اليوم لا تريد أن يكون سقفًا لما يمكن أن تصل إليه غدًا.

 

إن أكبر مصدر إلهام لها، كما يبدو من مسيرتها، هو ذاتها؛ ما عاشته، وما تعلمته، وما أنجزته، وما لا تزال تحلم بأن تصل إليه. فالفن عندها ليس تكرارًا لما سبق، بل محاولة مستمرة لاكتشاف الذات والذهاب بها إلى أماكن جديدة.

 

وفي هذه الرحلة، تحضر فريدا كاهلو كواحدة من الفنانات اللواتي تركن أثرًا خاصًا في وجدانها. وما يلفت منال في فريدا ليس أسلوبها الفني فقط، وإنما قوتها كإنسانة؛ تلك المرأة التي واجهت الحوادث والألم والظروف القاسية، لكنها لم تسمح لها بأن تنتزع منها قدرتها على الرسم والتعبير.

 

لقد استطاعت فريدا أن تحول التجربة الشخصية إلى إبداع، والألم إلى لغة، وهو ما يجعل حضورها في وجدان منال مفهومًا إلى حد بعيد. فالفنانة التونسية لا تنظر إلى الفن بوصفه مساحة للهروب من الحياة، وإنما بوصفه طريقة لمواجهتها وإعادة فهمها.

 

ولعل هذه الفكرة هي التي تفسر الحضور اللافت لـ الصبّار في تجربتها الفنية اليوم.

 

فالصبّار، بالنسبة إلى منال، ليس مجرد نبات؛ إنه رمز للصمود والحماية والقوة الداخلية والقدرة على التكيف. نبات يستطيع أن يعيش في ظروف قاسية، ويقاوم الجفاف، ويحافظ على الحياة داخله، ويحمي نفسه بالأشواك، لكنه لا يتوقف عن النمو.

 

في الصبّار ترى منال شيئًا من الإنسان.

 

فالإنسان قد تضطره الحياة إلى أن يصبح أكثر صلابة، وقد تترك التجارب حوله بعض الأشواك، وقد يتعلم كيف يحمي نفسه، لكنه يستطيع رغم ذلك أن يحتفظ في داخله بالرغبة في الاستمرار.

 

وربما لهذا لا تنظر منال إلى الأشواك باعتبارها رمزًا للألم وحده، بل تراها أيضًا وسيلة للحماية، وعلامة على قدرة الكائن على التكيف مع بيئته.

 

إنها تبحث من خلال الصبّار عن المقاومة، لكنها تبحث في الوقت ذاته عن الجمال الذي يمكن أن يولد من الهشاشة ومن التجارب الصعبة.

 

وهنا تلتقي المادة بالصبّار والذاكرة والإنسان في فكرة واحدة: التحول.

 

المادة تتحول.

 

والتجربة تتحول.

 

والألم يمكن أن يتحول.

 

والإنسان نفسه يستطيع أن يتحول دون أن يفقد تاريخه.

 

ولهذا لا تريد منال لأعمالها أن تكون مجرد أعمال للزينة، بل تسعى إلى خلق أعمال تحمل إحساسًا وطاقة ومعنى. تريد من المتلقي ألا يكتفي بالنظر، وإنما أن يتوقف، وأن يشعر، وأن يجد في العمل شيئًا يخصه هو.

 

قد يرى المتلقي قطعة خشب، بينما ترى هي أثر البحر والزمن.

 

قد يرى سطحًا غير كامل، بينما ترى هي تاريخًا.

 

وقد يرى الصبّار مجرد شكل، بينما ترى فيه قصة إنسان يحاول أن يبقى واقفًا رغم الظروف.

 

وهنا يصبح العمل الفني مساحة مشتركة بين الفنان والمتلقي؛ مساحة تلتقي فيها ذاكرة منال بذاكرة شخص آخر لم تلتقِ به من قبل.

 

ومن هذه النقطة يتجاوز الفن حدود المرسم ليصل إلى رسالة إنسانية أوسع.

 

رسالة منال بسيطة في كلماتها، لكنها عميقة في معناها: لا تتخلَّ عن حلمك.

 

هي تؤمن بأن الإنسان قادر على التغيير مهما كانت الظروف، وأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل؛ من طريقة التفكير، ومن النظرة إلى الذات، ومن الشجاعة في مواجهة ما نمر به بدل الاستسلام له.

 

وعندما يغيّر الإنسان نفسه، يمكن أن ينتقل هذا التغيير إلى من حوله، ومن شخص إلى آخر، حتى يصبح أثرًا أكبر في المجتمع والحياة.

 

لهذا تريد منال لفنها أن يحمل طاقة إيجابية ورسالة أمل؛ أن يذكّر من يقف أمام أعمالها بأن الصعوبات ليست بالضرورة نهاية الطريق، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد، وأن يحول تجاربه إلى قوة، وألمه إلى إبداع، وحلمه إلى حقيقة.

 

وحين نعود إلى بدايتها، تبدو كل هذه الأفكار وكأنها لم تكن منفصلة عن طفولتها الأولى.

 

فالطفلة التي أمسكت بالقلم بدافع من أخيها الأكبر، والتي وجدت في أساتذتها من يشجع موهبتها، والتي وقفت خلفها أم آمنت بحلمها، أصبحت اليوم فنانة تبحث في المواد عن الذاكرة، وفي الصبّار عن الصمود، وفي فريدا كاهلو عن قوة الإنسان، وفي أعمالها السابقة عن بداية جديدة.

 

كل الخيوط تلتقي في النهاية عند فكرة واحدة: أن الإنسان لا يتوقف عن التشكل.

 

وكما تعيد منال تشكيل الخشب والنحاس واللون والخامة، تعيد الحياة تشكيلنا نحن أيضًا.

 

نحن لسنا ما حدث لنا فقط، بل ما اخترنا أن نصنعه مما حدث لنا.

 

قد تترك الأيام ندوبها، لكن الندبة ليست بالضرورة علامة على الهزيمة.

 

قد تكون دليلًا على النجاة.

 

وقد يكون الشيء الذي ظنناه قديمًا أو مكسورًا هو نفسه المادة التي سنصنع منها أجمل حكاياتنا.

 

وهنا تحديدًا تبدو تجربة منال الجبالي أكثر من تجربة فنية؛ إنها رؤية للحياة.

 

رؤية تقول إن الجمال لا يحتاج دائمًا إلى الكمال، وإن القوة لا تعني غياب الهشاشة، وإن الذاكرة لا يجب أن تكون سجنًا، وإن الماضي يمكن أن يتحول إلى مادة نبني بها المستقبل.

 

ولهذا، حين ننظر إلى الصبّار في أعمالها، ربما علينا ألا نراه نباتًا فحسب.

 

أن نراه إنسانًا.

 

إنسانًا تحيط به الأشواك، لكنه لا يتوقف عن النمو.

 

إنسانًا عرف الألم، لكنه لم يتخلَّ عن الحلم.

 

إنسانًا حمل ذاكرته معه، ثم قرر ألا يجعلها عبئًا، بل أن يحولها إلى لون وشكل ومادة وحياة.

 

وربما هذه هي أجمل خلاصة يمكن أن نخرج بها من تجربة منال الجبالي:

 

لسنا مطالبين بأن نعيش بلا أشواك، ولا بأن نمحو آثار ما مررنا به؛ يكفينا أن نعرف كيف نحولها إلى قوة، وكيف نبحث، رغم قسوة الطريق، عن الضوء الذي يجعلنا نستمر.

 

فمن بين الذاكرة والمادة، ومن بين الألم والجمال، ومن بين الأشواك والحلم، لا ترسم منال الجبالي لوحاتها فقط…

 

إنها ترسم احتمالًا آخر للإنسان: أن يتغير، أن ينهض، وأن يبدأ من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى