بعد 50 عاماً على عملية مطار عنتيبي … لماذا تكرّم أوغندا شقيق نتنياهو الآن ؟

د . مهدي مبارك عبد الله
بعد مرور خمسين عاماً بالتمام على واحدة من أكثر العمليات العسكرية إثارة للجدل في تاريخ أفريقيا والشرق الأوسط كشفت أوغندا النقاب مؤخرا عن اقامة تمثال برونزي ليوناتان ( يوني ) نتنياهو شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقائد القوة الإسرائيلية التي اقتحمت مطار عنتيبي في الرابع من تموز عام 1976 وانتهت بمقتله ومقتل جميع الخاطفين وإنقاذ عشرات الرهائن الإسرائيليين والأجانب ونقلهم الى اسرائيل .
المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن المكان الذي أقيم فيه التمثال ليس موقعاً إسرائيلياً ولا ساحة تذكارية محايدة وإنما هو مبنى المطار القديم في عنتيبي نفسه وهو المكان الذي شهد قبل نصف قرن مواجهة دامية بين قوات إسرائيلية اقتحمت الأراضي الأوغندية دون إذن حكومتها وبين الجيش الأوغندي الذي كان يحرس المطار ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تكرم أوغندا جندياً إسرائيلياً بعد خمسين عاماً وإنما لماذا تغيرت الرواية الأوغندية نفسها من اعتبار العملية اعتداءً على السيادة الوطنية إلى الاحتفاء بقائدها باعتباره رمزاً للشجاعة والتضحية .
العملية الفدائية بدأت في 27 حزيران عام 1976عندما اختطفت طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية كانت متجهة من تل أبيب إلى باريس بعد توقفها في أثينا على يد أربعة مسلحين اثنان فلسطينيان ينتميان إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ العمليات الخارجية واثنان ألمانيان من تنظيم الخلايا الثورية الألمانية وقد أجبر الخاطفون قائد الطائرة على تغيير مسارها أولاً إلى بنغازي ثم إلى عنتيبي في أوغندا حيث وجدوا في عهد الرئيس عيدي أمين بيئة سياسية وأمنية مواتية لهم .
الهدف من العملية كان استخدام الرهائن كورقة ضغط لإجبار إسرائيل وعدد من الدول الأخرى على إطلاق سراح سجناء فلسطينيين ومسلحين محتجزين لديها وبعد وصول الطائرة إلى عنتيبي نقل الرهائن إلى مبنى المطار القديم وجرى فصل الإسرائيليين واليهود عن بقية الركاب فيما أطلق سراح عدد كبير من الرهائن غير الإسرائيليين خلال الأيام التالية وبقي أكثر من مئة شخص محتجزين بينهم إسرائيليون وأفراد من طاقم الطائرة .
في هذه المرحلة بدأت واحدة من أكثر حلقات القصة إثارة حيث لم تكن إسرائيل تملك في البداية صورة كاملة عما يحدث على بعد أكثر من أربعة آلاف كيلومتر من حدودها لكن المفاجأة أنها كانت تمتلك معرفة سابقة بالمطار وبالبيئة الأوغندية أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى فقد كانت شركات إسرائيلية قد شاركت في بناء منشآت في عنتيبي وكان لإسرائيل تعاون عسكري وأمني وثيق مع أوغندا في السنوات السابقة كما كان عدد من الضباط الإسرائيليين يعرفون الجيش الأوغندي والرئيس عيدي أمين شخصياً وهو ما ساعد لاحقاً في بناء صورة استخبارية دقيقة للعملية .
خلال تلك المرحلة كان عيدي أمين قد انتقل قبل سنوات قليلة من التقارب الشديد مع إسرائيل إلى العداء لها حيث ساعدت إسرائيل في تدريب القوات الأوغندية وكانت لها علاقات عسكرية وثيقة مع كمبالا لكن مع بداية عهد أمين قطع العلاقات الدبلوماسية مع تل ابيب عام 1972 وطرد المستشارين الإسرائيليين واتجه نحو التحالف مع ليبيا ودول عربية أخرى الأمر الذي جعل وجود الخاطفين في عنتيبي أكثر من مجرد حادثة اختطاف طائرة وتحول إلى أزمة ذات أبعاد سياسية وعسكرية مباشرة بين إسرائيل وأوغندا .
السؤال الأكثر إثارة للجدل يبقى كيف استطاع جيش دولة مثل إسرائيل أن يخطط لعملية عسكرية عميقة داخل دولة أفريقية بعيدة ويهبط بطائراته في مطار محصن نسبياً وينفذ عملية إنقاذ ثم يغادر قبل أن يتمكن الجيش الأوغندي من تنظيم دفاع فعال
الجواب لا يكمن التقصير في ضعف عدد الجنود الأوغنديين وحده وإنما في انهيار منظومة القيادة والسيطرة والمفاجأة الاستخبارية والسياسية في اللحظة الحاسمة فقد كانت القوات الإسرائيلية تعرف شكل المبنى الذي يحتجز فيه الرهائن واستفادت من معلومات سابقة عن المطار كما أن عنصر المفاجأة لعب دوراً هائلاً في إرباك القوات الأوغندية التي لم تكن تتوقع أن تجرؤ إسرائيل على تنفيذ عملية عسكرية بهذا العمق والجراءة .
القيادة العسكرية الاسرائيلية لجأن الى انجح الحيل عندما استخدمت سيارة مرسيدس سوداء شبيهة بسيارة الرئيس في استثمار ميداني ذكي للصورة التي اعتاد الجنود الأوغنديون رؤيتها عند وصول الرئيس إلى المطار لكن العملية لم تعتمد على الخدعة وحدها فقط وإنما على السرعة والانضباط وتحديد موقع الرهائن مسبقاً وتنفيذ الاقتحام قبل أن تتمكن القيادة الأوغندية من استيعاب ما يجري حولها وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم دروس عنتيبي بان الجيوش لا تُهزم دائماً بسبب التفوق العددي للعدو وإنما يمكن أن تنهار في دقائق بسبب سوء التقدير وانهيار الاتصالات والقيادة وغياب الاستعداد لسيناريو يعتبره القائد مستحيلاً .
قوة الكوماندوز المهاجمة اقتحمت المطار في وقت قصير نسبياً وتمكنت من الوصول إلى مبنى الرهائن وقتل الخاطفين وإخراج معظم المحتجزين ثم تدمير طائرات مقاتلة أوغندية على الأرض لمنع ملاحقتها في الجو وانسحبت القوة باتجاه كينيا قبل العودة إلى إسرائيل وقد قُتل خلال العملية نحو 45 جندياً أوغندياً وفق الروايات المتداولة كما قتل جميع الخاطفين تقريباً بينما كان يوناتان نتنياهو الجندي الإسرائيلي الوحيد الذي قتل في المعركة
الرواية الإسرائيلية روجت في العالم باعتبار عنتيبي واحدة من أعظم عمليات تحرير الرهائن في التاريخ ليست الرواية الوحيدة الممكنة كما أدانت أوغندا ومنظمة الوحدة الأفريقية العملية في ذلك الوقت باعتبارها انتهاكاً لسيادة دولة أفريقية مستقلة ولذلك فإن إقامة تمثال ليوناتان نتنياهو في موقع العملية اليوم تحمل معنى سياسياً يتجاوز بكثير تكريم جندي قتل قبل نصف قرن .
المفارقة الكبرى ان الرئيس عيدي أمين كان يرى في العملية إهانة لسيادة بلاده وإسرائيل كانت ترى فيها عملية لإنقاذ مواطنيها من الإرهاب أما أوغندا الحالية فقد قدمتها باعتبارها لحظة تاريخية أسست لعلاقة جديدة بين البلدين وكأن الزمن أعاد تفسير الحدث من جديد بلغة اخرى حيث عبر عن الاعتراض على هذا التحول وزير الدولة الأوغندي السابق للشؤون الخارجية أسومان كيينجي الذي اعتبر إقامة التمثال اعتداءً على السيادة الأوغندية وتشويه للذاكرة الوطنية متسائلاً كيف يمكن للدولة أن تكرم قائد قوة أجنبية دخلت أراضيها عسكرياً وقتلت جنودها بينما لا تقدم التكريم نفسه للجنود الأوغنديين الذين قتلوا أثناء المواجهة نفسها .
لماذا تفعل أوغندا ذلك الآن هنا نصل إلى جوهر القصة بان تمثال يوني نتنياهو لا يبدو مجرد عمل تذكاري منفصل عن السياسة وإنما جزء من عملية إعادة بناء للعلاقات الأوغندية الإسرائيلية التي عادت إلى مستويات قوية خلال عهد الرئيس يوري موسيفيني حيث تحولت فيها إسرائيل إلى شريك مهم في المجالات العسكرية والأمنية والتكنولوجية .
اللافت أن التمثال كُشف عنه على يد قائد قوات الدفاع الأوغندية الجنرال موهوزي كاينيروغابا نجل الرئيس موسيفيني الذي قدم صاحبه باعتباره رمزاً للشجاعة والتضحية والصداقة والشراكة الأمنية بين أوغندا وإسرائيل وهو ما يجعل التمثال في حد ذاته رسالة سياسية من المؤسسة العسكرية الأوغندية أكثر منه مجرد نصب تذكاري تاريخي .
الأمر الأكثر دلالة أن عملية إعادة تفسير عنتيبي تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات الإسرائيلية الأوغندية تقارباً متزايداً وفي وقت تحاول فيه إسرائيل تعزيز حضورها الأمني والسياسي في أفريقيا ولذلك فإن تحويل قائد العملية من رمز للقوة الأجنبية التي انتهكت السيادة الأوغندية إلى بطل يقام له تمثال في المكان نفسه يعكس حجم التحول في حسابات كمبالا بشكل جذري هل أصبح تمثال يوني نتنياهو شاهداً على إعادة كتابة التاريخ نفسه وهل أوغندا عام 2026 غيرها عام 1976 .
لعل أكثر تفاصيل التمثال إثارة للانتباه أن يوني نتنياهو يظهر حاملاً كلاشينكوف روسي الصنع وهو ما قد يبدو للوهلة الأولى خطأً فنياً لأن الصورة التقليدية للجندي الإسرائيلي ترتبط بأسلحة إسرائيلية امريكية أو غربية لكن الحقيقة أن رشاش الكلاشينكوف نفسه كان جزءاً من الخطة نفسها للتمويه حيث تنكر أفراد القوة الإسرائيلية بزي الجنود الأوغنديين وحملوا بنادق الكلاشينكوف حتى يبدوا للوهلة الأولى كأنهم جزء من موكب عيدي أمين وهو ما كان يفترض أن يمنحهم ثواني ثمينة قبل اكتشاف حقيقتهم بل إن معظم أفراد وحدة سييرت متكال كانوا مسلحين فعلاً بالكلاشينكوف خلال العملية ولذلك فإن السلاح الذي يحمله يوهي في التمثال لا يبدو تفصيلاً عشوائياً وإنما يعكس واحدة من أكثر حيل عنتيبي جرأة وإثارة وهي أن القوة الإسرائيلية حاولت أن تدخل المطار متخفية في صورة القوة الأوغندية نفسها
السؤال الأهم يبقى لماذا الآن ولماذا بعد خمسين عاماً تحديداً فيما المناسبة التاريخية وحدها لا تكفي لتفسير اختيار هذا التوقيت فقبل أيام قليلة من إقرار البرلمان الأوغندي مشاركة قواته في قوة الاستقرار الدولية في غزة جاء تكريم يوني نتنياهو ليؤكد أن كمبالا لا تستعيد ذكرى عنتيبي فقط وإنما تعيد ( توظيفها سياسياً في الحاضر ) لان وضع التمثال يتزامن مع مرحلة جديدة من التقارب الأمني والسياسي مع إسرائيل ومع انخراط أوغندا في ترتيبات دولية مرتبطة بخطة ترامب لغزة ولذلك يبدو أن الرسالة تتجاوز تكريم جندي إسرائيلي قتل قبل نصف قرن لتقول إن عنتيبي التي كانت ذات يوم عنواناً للصدام بين أوغندا وإسرائيل يمكن أن تتحول اليوم إلى رمز لشراكة جديدة بينهما .
ختاما : يذكر ان قائد الجيش الأوغندي نفسه كان قد أعلن في فبراير 2026 قبل إقامة التمثال بنحو ستة أشهر أن الهدف من تدشينه تعزيز العلاقات الوثيقة مع إسرائيل أن الأمر لم يكن قراراً مفاجئاً في أغسطس الجاري وإنما مشروعاً سياسياً جرى التحضير له مسبقاً ثم اختيرت الذكرى الخمسون لإطلاقه .
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية




