من الانتداب الى الاقصاء .. كيف انتزعت اسرائيل اخر خيوط النفوذ البريطاني في القدس

د . مهدي مبارك عبد الله

 

تشهد العلاقات البريطانية الإسرائيلية تحولاً دراماتيكياً يعيد صياغة المشهد الدبلوماسي في المنطقة مدفوعاً بقرار لندن الحاسم بفرض حظر تجاري شامل على سلع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وهذا التطور لم يكن مجرد خطوة اقتصادية عابرة بل جاء كمؤشر على إعادة ضبط شاملة للسياسة الخارجية البريطانية مما فجّر مواجهة دبلوماسية غير مسبوقة وضعت حدّاً لعقود من المداراة الدبلوماسية بين الطرفين .

 

الخطوة البريطانية الجريئة عكست تحولاً عميقاً في عقيدة حزب العمال الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آندي بيرنهام ووزير خارجيته إيد ميليباند وبعد سنوات من الضغوط الداخلية من الجناح التقدمي للحزب والقواعد الانتخابية الغاضبة من التجاوزات الإسرائيلية حيث اختارت الحكومة البريطانية الجديدة الانتقال من مربع الإدانة اللفظية إلى واقع العقوبات الفعلية بعد وصفها ممارسات المستوطنين بأنها ترقى إلى جرائم التطهير العرقي المدعوم حكومياً .

 

العقوبات البريطانية لم تقتصر على منع استيراد منتجات المستوطنات فحسب بل امتدت لتشمل حظر الشركات والمنظمات التي تمول التوسع الاستيطاني أو تروج لبيع العقارات بالضفة والأهم من ذلك ان لندن قررت تعليق رخص تصدير الأسلحة التي تسهم بشكل مباشر في تكريس الاحتلال وهو ما اعتبرته تل أبيب طعنة في الظهر وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء التي رسمتها الحكومات البريطانية المحافظة السابقة.

 

الرد الإسرائيلي جاء سريعاً وشرساً بقيادة وزير الخارجية غدعون ساعر ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حيث تمثلت كبرى العقوبات الاسرائيلية المضادة في الثامن من سبتمبر الجاري 2026 بإصدار قرار بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية وهذا الإجراء يمثل ضربة قاصمة للوضع القائم كون القنصلية التاريخية تمثل قناة الاتصال الرسمية والسيادية لبريطانيا مع السلطة الفلسطينية والمجتمع المقدسي منذ عقود طويلة وبجانب إغلاق القنصلية اتخذ الكيان خطوات تصعيدية لقطع الروابط الحيوية مع بريطانيا شملت إنهاء مهمة البعثة البريطانية لتدريب قوات الأمن الفلسطينية في رام الله وإخراج ممثلي لندن من المركز الدولي لدعم غزة وهذا الحظر والإنهاء الممنهج يعكس رغبة إسرائيلية واضحة في تقويض النفوذ البريطاني المباشر على الأرض وعزل لندن تماماً عن الملف الفلسطيني .

 

العقاب الإسرائيلي لم يتوقف ايضا عند الإجراءات السيادية بل امتد ليشمل قائمة سوداء تمنع 12 شخصية وبرلمانياً بريطانياً من دخول إسرائيل والمفارقة هنا أن القائمة شملت رموزاً يسارية مثل زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربين والنائبة زارا سلطانة مما يوضح أن الكيان يحاول استغلال هذه الأزمة لتصفية حسابات قديمة مع الجناح التقدمي البريطاني الذي طالما ناصب الاستيطان العداء .

 

تحليلياً نلاحظ ان الكيان الاسرائيلي يسعى من خلال هذه الحدة غير المسبوقة إلى توجيه رسالة ردع قوية إلى عواصم غربية أخرى مثل فرنسا وكندا اللتين أعلنتا عن رغبتهما القيام بتوجهات مشابهة لحظر منتجات المستوطنات ولان تل أبيب تدرك أن السكوت عن الخطوة البريطانية سيفتح الباب لتأثير الدومينو في أوروبا لذلك فضلت خيار الصدام الدبلوماسي الكامل لمنع تدويل العقوبات الاقتصادية ضد مشروعها الاستيطاني .

 

من جهة أخرى اعتبر تل ابيب أن الموقف البريطاني يعد تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية الإسرائيلية لا سيما مع اقتراب الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر حيث تحاول الحكومة الإسرائيلية الحالية توظيف هذا الصدام الخارجي لكسب أصوات اليمين المتطرف والمستوطنين عبر إظهار قدرتها على تحدي القوى الدولية وحماية السيادة الاسرائيلية  الكاملة على القدس الموحدة .

 

إغلاق إسرائيل للقنصلية البريطانية في القدس الشرقية لا ينبغي أن يقرأ باعتباره أزمة دبلوماسية عابرة بين دولتين حليفتين بل هو تطور سياسي بالغ الدلالة يكشف انتقال الخلاف بين تل أبيب ولندن إلى مستوى أكثر خطورة قد يفتح جبهة صراع جديدة حول الاستيطان والاحتلال والقدس ومستقبل الأراضي الفلسطينية والأكثر مفارقة الأن أن بريطانيا التي كانت يوما قوة الانتداب الاساسية التي أسهمت في توفير البيئة السياسية لقيام كيان الاحتلال تجد نفسها اليوم أمام إسرائيل ربيبتها وهي تصفي أحد أقدم مظاهر حضورها في القدس وتضع حدودا لما تعتبره تدخلا بريطانيا غير مقبول في الأراضي الفلسطينية المحتلة .

 

في المقابل تبدو لندن متمسكة بموقفها حيث وصف إيد ميليباند القرار الإسرائيلي بإغلاق القنصلية بأنه مؤسف ومضر لكنه أكد أن بلاده لن تتراجع عن حماية حل الدولتين وهذا الإصرار البريطاني يكشف أن حزب العمال الحاكم قد حسم خياره الاستراتيجي بضرورة التمايز الأخلاقي والقانوني عن السياسة الإسرائيلية الحالية  حتى لو كلف ذلك خسارة حليف تاريخي في الشرق الأوسط .

 

مع كل تلك التعقيدات والتطورات تحاول بريطانيا ابقاء شعرة معاوية قائمة مع تل أبيب من خلال التأكيد على استمرار التعاون الاستخباراتي والأمني بين البلدين لا سيما في مواجهة التهديدات الإيرانية وهذا التمييز البريطاني بين العقوبات على الاستيطان والالتزام بأمن إسرائيل يمثل محاولة ذكية لإحباط الدعاية الإسرائيلية التي تحاول تصوير العقوبات على أنها مدفوعة بمعاداة السامية .

 

تطورات الأزمة بين البلدين أخذت بُعداً دولياً وإقليمياً مع دخول واشنطن على الخط حيث حذر السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي من أن العقوبات البريطانية قد تواجه بردود فعل اقتصادية مضادة من الولايات المتحدة أو بعض الولايات الأمريكية الاخرى وهذا الموقف يوضع ان بريطانيا تقع تحت اختبار حقيقي يوازن بين الالتزام بالقانون الدولي وتزايد ضغوط الحليف الأمريكي الأكبر .

 

على الجانب الفلسطيني والعربي لاقى القرار البريطاني ترحيباً واسعاً واعتبره السفير الفلسطيني في لندن حسام زملط نقطة تحول تاريخية تنقل المجتمع الدولي من مربع الإدانة اللفظية الكلاسيكية إلى واقع التبعات والعواقب الفعالة كما يمثل هذا الاعتراف البريطاني بعدم قانونية الاحتلال انتصاراً دبلوماسياً وسياسياً طال انتظاره للحقوق الفلسطينية .

 

لا شك بان كيان الاحتلال بقطعه الروابط مع بريطانيا ومطالبتها بإغلاق قنصليتها قد ادخل نفسه في مرحلة عزلة دبلوماسية حرجة من أجل حماية مشروعه الاستيطاني وإن إعادة رسم حدود الحضور البريطاني في القدس بالقوة لن يلغي حقيقة أن الجدار الدبلوماسي الصلب الذي كان يحمي إسرائيل في العديد العواصم الغربية بدأ يتصدع بشكل متسارع ولن يكون قابل للإصلاح بعد مجازر غزة .

 

عمليا ان إغلاق القنصلية ليس نهاية الحكاية وإنما فصل جديد فيها وقد تغلق إسرائيل أبواب القنصلية البريطانية في القدس وقد تستطيع الضغط على لندن وقد تستخدم علاقاتها مع واشنطن وحلفائها لاحتواء الموجة الجديدة من الانتقادات لكنها لن تستطيع إغلاق السؤال الذي ظل مفتوحا منذ وعد بلفور هل يجوز لقوة خارجية أن تعيد تشكيل أرض شعب آخر ثم تطلب من العالم أن يتعامل مع نتائج ذلك باعتبارها حقائق نهائية وهل يستطيع الاحتلال أن يتحول إلى سيادة لمجرد أن الزمن طال والمستوطنات توسعت والخرائط تغيرت .

 

 المشهد الراهن بكشف كليا بأن إسرائيل التي نجحت طوال عقود في تحويل الاحتلال إلى واقع سياسي تسعى الآن إلى تحويل هذا الواقع إلى أمر نهائي لا رجعة عنه والمواجهة البريطانية الإسرائيلية الحالية تظهر أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول بضائع المستوطنات ولا حول قنصلية تغلق أبوابها وإنما حول من يملك حق رسم مستقبل فلسطين وتقرير مصير القدس والضفة الغربية ومن هذه الزاوية يصبح عنوان المرحلة المقبلة واضحا ان إسرائيل تحاول إغلاق صفحة الاحتلال بتحويله إلى ضم دائم بينما بدأ جزء من الغرب يدرك أن الصمت لم يعد كافيا لحماية النظام الذي نشأ من هذا الاحتلال البغيض.

 

ختاما : سيبقى في سجل التاريخ حقيقة راسخة مفادها أن بريطانيا التي فتحت قبل أكثر من قرن واحدا أخطر أبواب المأساة الفلسطينية تجد نفسها اليوم واقفة أمام باب تغلقه إسرائيل في وجهها وقد يكون ذلك هو الحساب المؤجل الذي لم يكن أحد يريد دفعه خاصة وان التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا لكنه يعود أحيانا إلى المكان نفسه ليضع القوى التي صنعت الوقائع أمام نتائجها وما بين وعد بلفور وإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية تبقى فلسطين التي حاولت القرارات الإمبراطورية أن تجعلها ملكا للآخرين قضية شعب وأرض وذاكرة وهوية لا تستطيع قنصلية أن تنشئها ولا تستطيع حكومة أن تلغيها ولا يستطيع احتلال مهما طال أن يكتب نهايتها.

 

كاتب وباحث متخصص في الشؤون التجارية

[email protected]

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى