عودة ترامب المفاجئة من كامب ديفيد .. ماذا يحدث خلف أبواب البيت الأبيض ؟

د . مهدي مبارك عبد الله

على نحو غير معتاد قطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب استراحة نهاية الأسبوع في مقر اقامته الريفي بكامب ديفيد حيث كان يقضي اجازته وعاد مبكرًا إلى واشنطن فيما استُدعي صحفيو البيت الأبيض الى مؤتمر صحفي طارئ بالتزامن مع تحذير أمني أمريكي لمواطني الولايات المتحدة في الشرق الأوسط للاستعداد لإمكانية حدوث تغييرات سريعة ومفاجئة وهو ما لفت انتباه المراقبين السياسيين وزاد التكهنات بشأن احتمال تصعيد التوترات الإقليمية في المنطقة والعودة الى نقطة حرجة ومحفوفة بالمخاطر كما عزز ايضا احتمال إقدام الولايات المتحدة على خطوات أحادية أو تقديم دعم أكثر وضوحًا للتحركات الإقليمية .

عودة ترامب المفاجئة من كامب ديفيد إلى البيت الأبيض على عجل ليست حدثاً عادياً في هذا التوقيت المشحون بالتوترات والتحذيرات وتصاعد الهجمات الحوثية على السعودية وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة حيث ساهمت هذه التطورات مجتمعة في فتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة من مجرد معرفة سبب عودة ترامب إلى واشنطن وهو هل تستعد الإدارة الأمريكية فعلا لمرحلة جديدة من التصعيد العسكري أم أن الرئيس الأمريكي لا زال يستخدم التهديد والضغط إلى أقصى حد ممكن لتحسين شروط التفاوض قبل اتخاذه القرار الأصعب.

أهمية العودة المفاجئة لترامب لا تكمن في الرحلة نفسها وإنما في توقيتها فالرئيس الأمريكي كان موجوداً في منتجعه الرئاسي قبل أن يعود إلى البيت الأبيض بصورة مبكرة بينما كانت وزارة الخارجية الأمريكية تحذر الأمريكيين من احتمال تصعيد سريع في المنطقة ورغم ان هذا لا يثبت وحده وجود قرار بضربة عسكرية وشيكة لكنه يشير إلى أن مستوى القلق داخل الإدارة الأمريكية ارتفع بصورة واضحة وعندما تجتمع العودة المبكرة للرئيس مع الاستنفار الدبلوماسي والتحذيرات الأمنية والتطورات العسكرية في الخليج والبحر الأحمر فإن تجاهل دلالات التوقيت يصبح امرا أكثر صعوبة.

الخطر الحقيقي لا يأتي من واشنطن وحدها لان طهران ايضا رفعت بدورها سقف المواجهة السياسية والعسكرية وأرسلت عبر قطر شروطاً لبدء مفاوضات جديدة والمعلن من هذه الشروط يتضمن وقف الحرب على جميع الجبهات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ورفع الحصار البحري الأمريكي أما بقية الشروط السبعة التي تحدث عنها رضائي فلم تُكشف كلها بصورة رسمية وهذا امر مهم لأنه يكشف أن إيران لا تغلق باب التفاوض لكنها تريد أن يبدأ من موقع مختلف تماماً عن المراحل السابقة.

المفارقة التي تجعل المرحلة الحالية أخطر من مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات ان واشنطن تريد استخدام التفوق العسكري والضغط الاقتصادي لتحسين موقعها التفاوضي وإجبار طهران على تقديم تنازلات أكبر بينما تريد إيران تحويل كلفة الحرب إلى ورقة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها ولذلك يبدو أن الطرفين يتحركان على مسارين متوازيين في الوقت نفسه الاول عسكري يستعد لأسوأ الاحتمالات والثاني سياسي يبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه ويمنع الانزلاق إلى حرب لا يستطيع أي طرف التحكم الكامل في نتائجها.

خطورة وتعقيد المشهد تزداد مع دخول اليمن والبحر الأحمر والسعودية في قلب المعادلة خاصة وان التصعيد الحوثي لم يعد حادثاً منفصلاً عن الصراع الأكبر بعد وصول الهجمات إلى الرياض وتقدم الحوثيين على الساحل الغربي اليمني وسيطرتهم على باب المندب حيث كشفت التطورات الأخيرة أن أي مواجهة أمريكية جديدة مع إيران لن تبقى بالضرورة محصورة في الخليج وسوف تمتد الى جبهات باب المندب والبحر الأحمر والقواعد الأمريكية في المنطقة والمنشآت النفطية الخليجية والممرات البحرية التي يمكن أن تتحول كلها إلى ساحات رد متبادلة .

السؤال الذي لابد منه الان ليس هل تستطيع واشنطن توجيه ضربة جديدة وإنما ماذا سيحدث في الساعات والأيام التي تليها وان توجيه اي ضربة محدودة ضد الحوثيين قد تكون محاولة ضرورية لاحتواء التصعيد وحماية المصالح الأمريكية والسعودية والملاحة الدولية لكنها قد تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة الردود العنيفة إذا ما قررت إيران أو القوى المتحالفة معها توسيع نطاق المواجهة أما في حال توجيه ضربة مباشرة إلى إيران فسيمثل ذلك انتقالاً أكثر خطورة لأنه سيضع واشنطن أمام احتمال رد إيراني واسع على كافة القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة ويجعل السيطرة على مسار التصعيد أكثر صعوبة .

من هنا يمكن فهم المعضلة التي تواجه ترامب بعد تراجعه المتواصل أمام طهران نتيجة التهديد والضغط غير المجدي والذي كلفه سياسياً واضعف صورته وافقد الثفة بقوة الردع التي يحاول تكريسها لكن الذهاب إلى حرب أوسع يحمل كلفة اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة في وقت أصبحت فيه أزمة الطاقة والملاحة جزءاً مباشراً من تداعيات المواجهة ولهذا فإن التهديد العسكري قد يكون في نظر الإدارة الأمريكية وسيلة افضل للتفاوض بقدر ما هو تمهيد للعمل العسكري سيما وان واشنطن تريد انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات قبل أن تضطر إلى استخدام القوة المباشرة .

على الجانب الاخر تدرك طهران أن التفاوض تحت القصف والتهديد لن يمنحها شيئاً ولذلك ترفع سقف شروطها بالتوازي مع رفع مستوى استعدادها العسكري والرسالة الإيرانية الأخيرة واضحة في هذا السياق بان باب التفاوض لم يغلق ولكن فتحه مرتبط بشروط إيرانية مسبقة وفي الوقت نفسه تؤكد طهران أنها مستعدة لحرب حاسمة إذا رفضت واشنطن شروطها وهذا الجمع بين التفاوض والاستعداد العسكري ليس تناقضاً بقدر ما هو محاولة لرفع كلفة الخيار العسكري على الطرف الآخر.

مع استمرار حالة الاستعصاء والتعقيد لم يبقى أمام ترامب عملياً سوى ثلاثة مسارات اجبارية اولها توجيه ضربة محدودة إلى الحوثيين أو إلى أهداف إيرانية بهدف استعادة الردع من دون الذهاب إلى حرب مفتوحة والثاني توسيع العمليات العسكرية لإجبار طهران على قبول الشروط الأمريكية الجديدة وهو الخيار الذي يحمل مخاطر أكبر بالانزلاق الإقليمي والثالث الاستمرار في استخدام الاستنفار العسكري والتهديد والضغط الاقتصادي كورقة تفاوضية للوصول إلى صيغة جديدة توقف التصعيد من دون أن يبدو أي من الطرفين وكأنه قدم تنازلاً تحت الضغط.

على ارض الواقع وحتى الآن لا توجد أي أدلة علنية كافية تسمح بالقول إن قرار اشعال الحرب الكبرى قد اتخذ لكن المؤكد أن هامش المناورة يضيق وأن عدد اللاعبين والجبهات والممرات الاستراتيجية الداخلة في الصراع يتسع وقد أصبحت السعودية والبحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز والقواعد الأمريكية والممرات النفطية حلقات مترابطة في أزمة واحدة لا يمكن فصل بعضها عن بعض و الوساطات التي تتحرك عبر قطر وباكستان وعُمان أن العواصم الإقليمية تدرك خطورة انتقال التصعيد إلى مرحلة نهائية يصعب احتواؤها.

بالتحليل الدقيق نلاحظ ان عودة ترامب المبكرة إلى البيت الأبيض ليست دليلاً كافياً وحدها على قرب حصول الضربة لكنها بالتزامن مع التحذيرات الأمريكية والتصعيد الحوثي والشروط الإيرانية الجديدة تكشف أن المنطقة قد دخلت مرحلة شديدة الحساسية وقد تكون الساعات المقبلة مرحلة إعداد لضربة جديدة وقد تكون ايضا مرحلة ضغط قصوى لانتزاع اتفاق جديد لكن الخط الفاصل بين الخيارين أصبح أرفع وادق من أي وقت مضى وترامب يقف اليوم حائرا أمام اتخاذ قرار مصيري يمكن أن يعيد فتح باب التفاوض بشروط جديدة أو يفتح في المقابل أبواب جبهات متعددة يصعب إغلاقها بعد اشتعالها وفي الحالتين تبدو المنطقة أمام لحظة فاصلة لا يحتمل فيها من أي طرف أن يخطئ في حساب الخطوة التالية .

اللافت للمراقبين ان تجارب الرئيس ترامب في التعامل مع الأزمات تظهر أنه يفضل أن يكون اللاعب الرئيسي في مواجهة الأزمات الدولية وأن يستعرض رموز القوة والقيادة حيث شكلت العودة المباشرة للبيت الأبيض أداة جديدة لاستعراض القوة والتأكيد ولو اعلاميا ان الولايات المتحدة لن تتخلى عن حلفائها الإقليميين وأنها مستعدة في حال تصاعد الأزمة للتدخل واتخاذ إجراءات انتقامية على أعلى مستوى ممكن .

إن عودة ترامب المفاجئة إلى البيت الأبيض وقطع إجازته وتحذير الأمريكيين من السفر إلى المنطقة لا يمكن التعامل معها كأحداث منفصلة عن بعضها وهي وإن كانت لا تثبت أن قرار الحرب قد اتخذ الا إنها تكشف بوضوح أن المنطقة دخلت أخطر مراحل سياسة حافة الهاوية وأن واشنطن وطهران تقتربان من اللحظة التي يصبح فيها القرار أكثر كلفة من أي وقت مضى فإما أن ينجح الضغط المتبادل في فتح نافذة تفاوض جديدة وإما أن تتحول الضغوط والتهديدات إلى شرارة تعيد إشعال جبهات متعددة في الخليج واليمن والبحر الأحمر وربما داخل إيران نفسها وعندها لن يكون السؤال من بدأ الحرب وإنما من يستطيع إيقافها قبل أن تتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة لا يملك أحد ضمان نتائجها .

ختاما : في مثل هذا المناخ المتوتر تصبح اليقظة الدبلوماسية والرصد المستمر لتحركات البيت الأبيض ضرورة حيوية خاصة وان الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة من الانفجار حيث تُعد عودة ترامب السريعة إلى مقر السلطة المركزية بمثابة جرس إنذار مبكر لا يمكن ولا ينبغي تجاهله .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى