هالة حمدي: رحلة امرأة تونسية بين الهندسة والإعلام والطموح

ليست كل الحكايات المهنية تسير في خط مستقيم، وليست كل الشخصيات يمكن اختصارها في مهنة أو شهادة أو منصب. فهناك أشخاص تصنعهم التجارب المتنوعة، وتمنحهم الحياة فرصة لاكتشاف أنفسهم من خلال أكثر من طريق. ومن بين هذه النماذج تبرز هالة حمدي، المرأة التونسية التي خاضت رحلة متعددة المحطات بين الهندسة والتعليم والإعلام، واستطاعت أن تحول اختلاف التجارب إلى مساحة للنمو والنضج، وهي اليوم تنظر إلى المستقبل بطموح أكبر، وتحلم ببناء مشروعها الخاص الذي يحمل بصمتها وأفكارها.

 

ولدت هالة في تونس، وكبرت وترعرعت فيها، وهي تتحدث عن وطنها باعتزاز واضح، وترى أن البيئة التي نشأت فيها كان لها دور مهم في تشكيل شخصيتها. فقد وجدت في التعليم والثقافة قيمًا أساسية، وفي احترام المرأة وتقدير دورها مساحة ساعدتها على بناء شخصية قوية ومتزنة، وعلى تكوين نظرة خاصة إلى الحياة وإلى نفسها ومكانها فيها.

 

ومنذ سنواتها الأولى، كان التعليم حاضرًا في تفاصيل مسيرتها، قبل أن تختار دراسة الهندسة، المجال الذي يحتاج إلى الكثير من العمل والانضباط والصبر والدقة. ولم تكن الهندسة بالنسبة إليها مجرد تخصص أكاديمي يقود إلى وظيفة، بل كانت تجربة ساعدتها على تطوير ذاتها واكتساب مهارات جديدة، ومنحتها طريقة مختلفة في التفكير والتعامل مع المشكلات والتحديات.

 

لكن الحياة المهنية لهالة لم تتوقف عند الهندسة. فمع مرور الوقت، وجدت نفسها تخوض تجارب متعددة في مجالات مختلفة، من بينها التدريس والإعلام، لتكتشف أن الإنسان قد يمتلك أكثر من قدرة، وأن التخصص الذي درسه لا يعني بالضرورة أن يكون هو المجال الوحيد الذي يستطيع أن يبدع فيه.

 

وكان الإعلام إحدى المحطات التي تركت أثرًا خاصًا في تجربتها. فقد استمتعت بهذا المجال، ولم تتعامل معه باعتباره مجرد تجربة عابرة، بل وجدته مساحة للتعلم والتواصل واكتشاف الذات. فالعمل الإعلامي يضع الإنسان أمام الناس، ويمنحه فرصة للاستماع والتعبير والحوار والتفاعل، ويجعله أكثر قدرة على فهم الآخرين وفهم نفسه في الوقت ذاته.

 

ومن خلال هذه التجربة، اكتسبت هالة مجموعة من المهارات والخبرات التي ما زالت تستفيد منها حتى اليوم. وربما تكون هذه إحدى أجمل فوائد التجارب؛ فبعضها قد ينتهي بانتهاء المرحلة أو الوظيفة، لكنه يترك في داخل الإنسان أثرًا لا ينتهي. تبقى الخبرة، وتبقى المهارة، وتبقى المواقف التي أسهمت في تشكيل الشخصية.

 

أما تجربة التعليم العالي، فقد كانت مختلفة عما توقعته هالة. وبصراحة، تصف تلك المرحلة بأنها كانت بالنسبة إليها نوعًا من الصدمة، خاصة عندما اكتشفت بعض مظاهر الفوضى والتناقضات التي يمكن أن توجد داخل البيئة الجامعية. ولم يكن من السهل أن تواجه واقعًا مختلفًا عن الصورة التي كانت تحملها في ذهنها، لكن هذه التجربة علمتها أن الحياة ليست دائمًا كما نتخيلها، وأن المؤسسات والبشر يحملون جوانب مختلفة قد لا تتوافق دائمًا مع توقعاتنا.

 

ومع ذلك، لم تسمح هالة للجوانب السلبية بأن تكون هي العنوان النهائي لتلك المرحلة. حاولت أن تستفيد منها قدر الإمكان، وأن تخرج منها بالدروس والخبرات بدل أن تحمل معها الإحباط. فالتجارب الصعبة، رغم قسوتها، يمكن أن تمنح الإنسان نوعًا من الوعي لا توفره التجارب السهلة، ويمكن أن تعلمه كيف يتعامل مع الواقع، وكيف يميز بين ما يستطيع تغييره وما عليه أن يتقبله، وكيف يحافظ على نفسه وسط الظروف المختلفة.

 

واليوم، تجد هالة نفسها مستقرة في مجال الهندسة، وهي تجربة تنظر إليها بإيجابية، وترى أنها منحتها الكثير على المستويين المهني والشخصي. لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تجعل من الاستقرار نهاية لطموحها. فهي لا ترى نفسها تقضي حياتها كلها داخل الشركات، ولا تريد أن يكون المسار الوظيفي التقليدي هو المحطة الأخيرة في رحلتها.

 

تحمل هالة حلمًا أكبر؛ حلم أن تفتح مشروعها الخاص، وأن تبني شيئًا يحمل أفكارها وبصمتها، ويمنحها مساحة أكبر للاستقلال والإبداع. وهذا الحلم بالنسبة إليها ليس مجرد رغبة في تغيير الوظيفة، بل رغبة في صناعة شيء يشبهها، يجمع بين خبراتها السابقة وطموحاتها المستقبلية.

 

وربما تكون التجارب التي خاضتها قد ساعدتها على الوصول إلى هذه الرؤية. فالهندسة منحتها الانضباط والدقة، والتدريس أضاف إليها خبرة في التعامل مع الآخرين ونقل المعرفة، والإعلام منحها مهارات التواصل والحضور والتعبير، أما التجارب الصعبة فعلّمتها الصبر والقدرة على فهم الواقع والتعامل مع التحديات.

 

لهذا، لا تنظر هالة إلى مسيرتها باعتبارها مجموعة من الطرق المتفرقة، بل يمكن قراءتها كرحلة واحدة، كانت كل محطة فيها تمهيدًا للمحطة التي تليها. فالإنسان لا يعرف دائمًا إلى أين ستقوده التجربة، لكنه يكتشف بعد سنوات أن بعض الخطوات التي ظنها عابرة كانت في الحقيقة ضرورية لتكوين شخصيته.

 

ومن أكثر الصفات التي تعتز بها هالة في نفسها قدرتها على الحفاظ على ما تصفه بنقاء الروح. فهي تدرك أن العالم من حولنا ليس دائمًا جميلًا، وأن الإنسان قد يمر بالكثير من الضغوط والمواقف والتجارب التي يمكن أن تغيره. وقد تجعل بعض التجارب الإنسان أكثر قسوة أو تشاؤمًا أو فقدانًا للثقة، لكنها ترى أن الحفاظ على المبادئ والنظافة الداخلية يمثل قوة حقيقية.

 

وهنا تظهر هالة بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية للنجاح؛ فهي لا ترى النجاح في الشهادة أو الوظيفة أو المنصب فقط، وإنما تراه أيضًا في قدرة الإنسان على أن يحافظ على نفسه وهو يتقدم في الحياة.

 

أن تتطور دون أن تفقد إنسانيتك، وأن تنجح دون أن تتخلى عن مبادئك، وأن تصبح أكثر خبرة دون أن تصبح أقل نقاءً؛ تلك بالنسبة إليها ليست تفاصيل هامشية، وإنما جزء من معنى النجاح الحقيقي.

 

ولهذا، لا تدّعي هالة أنها وصلت إلى نهاية الطريق. على العكس، تشعر أنها ما زالت في بداية رحلة طويلة. رحلة مرت فيها بتجارب مختلفة، من الهندسة إلى التعليم والإعلام، ومن العمل داخل المؤسسات إلى الحلم ببناء مشروع خاص، وكل تجربة من هذه التجارب تركت أثرًا في شخصيتها وساهمت في تشكيل المرأة التي أصبحت عليها اليوم.

 

ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أن هالة لم تسمح لاختلاف المجالات بأن يجعلها تفقد اتجاهها. فهي لم تنظر إلى انتقالها بين التجارب باعتباره تشتتًا، وإنما باعتباره فرصة لاكتشاف الذات. وفي كثير من الأحيان، لا يعرف الإنسان ما يريد فعلًا إلا بعد أن يجرب، ولا يكتشف نقاط قوته إلا عندما يضع نفسه في بيئات مختلفة ويواجه تحديات جديدة.

 

ومن هنا، فإن الطموح الذي تحمله هالة اليوم ليس وليد لحظة، وإنما هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من التجارب. إنها تريد أن تتقدم، وأن تتعلم، وأن تحقق الأفضل، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تحافظ على القيم التي تؤمن بها، وعلى الروح التي تعتبرها جزءًا أساسيًا من هويتها.

 

إنها تؤمن بأن أجمل ما في الإنسان هو قدرته على التغيير والنضج دون أن يفقد جوهره. وهذه الفكرة تبدو وكأنها تختصر الكثير من رحلتها؛ فهي لم تتوقف عن التطور، لكنها لم تسمح للتجارب بأن تمحو شخصيتها.

 

واليوم، وبينما تقف على أرض أكثر استقرارًا في مجال الهندسة، فإن عينيها تتجهان إلى أبعد من ذلك. هناك حلم بالمشروع الخاص، وهناك رغبة في صناعة شيء يحمل بصمتها، وهناك قناعة بأن الإنسان لا ينبغي أن يتوقف عند محطة واحدة لمجرد أنه وجد فيها قدرًا من الأمان.

 

فالحياة بالنسبة إلى هالة ليست بحثًا عن المكان الأكثر راحة فقط، وإنما بحث عن المكان الذي يمكن أن تحقق فيه ذاتها بصورة أكبر.

 

وقد يكون الطريق إلى المشروع الخاص مليئًا بالتحديات، لكنه أيضًا يحمل فرصة جديدة لتحويل الخبرات المتراكمة إلى إنجاز حقيقي. وربما يكون هذا المشروع، عندما يرى النور، نتيجة طبيعية لكل ما عاشته وتعلمته؛ مشروعًا يجمع عقل المهندسة، وخبرة الإعلام، وتجربة التعليم، ونضج الإنسان الذي تعلم من الحياة.

 

وفي نهاية رحلة هالة حمدي، ندرك أن الإنسان لا يُقاس بعدد المحطات التي مر بها، بل بما تركته تلك المحطات في روحه وفكره وشخصيته. فالهندسة منحتها أدوات التفكير والانضباط، والإعلام فتح أمامها أبواب التواصل واكتشاف الذات، والتعليم والتجارب المختلفة علمتها أن الحياة لا تأتي دائمًا بالصورة التي نرسمها لها، لكنها تمنحنا في كل مرة فرصة جديدة لفهم أنفسنا أكثر.

 

هالة لم تختر طريقًا واحدًا، لكنها اختارت أن تكون وفية لطريقها الداخلي؛ طريق التعلم والتطور والطموح، دون أن تسمح للظروف أو الخيبات بأن تغير جوهرها. وربما هنا تكمن أجمل تفاصيل قصتها: أن تنضج دون أن تقسو، وأن تنجح دون أن تفقد إنسانيتها، وأن تطمح إلى المزيد دون أن تنسى من أين بدأت.

 

هي اليوم لا تقف عند ما حققته، ولا تنظر إلى الاستقرار باعتباره نهاية الحكاية، بل ترى في المستقبل مساحة جديدة للحلم والعمل وصناعة شيء يحمل بصمتها. مشروعها القادم قد يكون فكرة أو مؤسسة أو تجربة مهنية مختلفة، لكن المؤكد أن خلفه امرأة تعلّمت أن الأحلام الكبيرة لا تولد مكتملة، وإنما تُبنى بالصبر والتجربة والإصرار.

 

هالة حمدي ليست قصة امرأة وصلت إلى النهاية، بل قصة امرأة ما زالت تكتب بداياتها. وكل ما عاشته حتى الآن لم يكن سوى فصول تمهّد لفصل أكبر؛ فصل تختار فيه أن تصنع مكانها بنفسها، وأن تحول خبراتها إلى إنجاز، وأحلامها إلى واقع، وطموحها إلى أثر يبقى.

 

فبعض النساء لا يبحثن عن مكان في هذا العالم… بل يصنعن المكان الذي يليق بهن.

بقلم: أ. نادر عماد سكاكية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى