من حسابات المواجهة مع إيران إلى رهانات التحالف الإستراتيجي.. لماذا يدعم ترامب نتنياهو في الانتخابات المقبلة ؟

د . مهدي مبارك عبد الله
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه الكامل لإعادة انتخاب بنيامين نتنياهو قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية مجرد مجاملة سياسية لحليف قديم بل جاء في لحظة تتقاطع فيها حسابات الحرب والمفاوضات ومصالح الحزب الجمهوري مع مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط خاصة بعد أشهر من الانتقادات والتباينات التي وصلت إلى حد وصف نتنياهو بأنه أسوأ عدو لنفسه وفق ما نقلته تقارير أميركية عن أحاديث خاصة لترامب الا انه عاد ليصفه برئيس الوزراء المحارب العظيم ويعلن تأييده الصريح له في اقتراع السابع والعشرين من أكتوبر الحالي وهذه المفارقة اللافتة تفتح الباب أمام سؤال جوهري حول ما إذا كان ترامب يدافع عن نتنياهو شخصيا أم عن نموذج من القيادة الإسرائيلية يعتقد أنه أكثر قدرة على خدمة أهداف واشنطن في مرحلة شديدة الاضطراب.
الملف الإيراني يحتل موقع الصدارة في تفسير هذا التحول لأن ترامب ربط تأييده لنتنياهو صراحة بالشراكة في مواجهة طهران وحذر من أن انتخاب قيادة أخرى قد يضطر الولايات المتحدة إلى تولي المهمة بمفردها كما يكشف هذا الخطاب أن البيت الأبيض ينظر إلى استمرار نتنياهو بوصفه ضمانة محتملة لتنسيق عسكري وسياسي سبق أن اختبره الطرفان خلال المواجهة المشتركة مع إيران لكن الرهان الأميركي لا يعني بالضرورة أن واشنطن وتل أبيب تتفقان على كل تفاصيل المرحلة المقبلة إذ أظهرت الخلافات بشأن توقيت استئناف العمليات العسكرية أن نتنياهو قد يفضل التصعيد في وقت يرى فيه ترامب أن الانتظار يخدم حساباته التفاوضية والانتخابية بصورة أفضل .
ترامب بدوره يدرك أن تغيير رئيس الحكومة الإسرائيلية في هذا التوقيت قد يفرض على إدارته إعادة اختبار قنوات الاتصال والتفاهم مع قيادة جديدة بينما لا تزال المفاوضات مع إيران متعثرة واحتمالات تجدد المواجهة قائمة ومن هنا يبدو أن تفضيله نتنياهو لا ينبع بالضرورة من اقتناع بأن الرجل لا بديل له بل من حسابات تتعلق بكلفة الانتقال السياسي في لحظة حساسة سيما وان الرئيس الأميركي يعرف أسلوب نتنياهو في إدارة الأزمات ويدرك نقاط القوة والاختلاف في العلاقة معه ولذلك قد يرى أن الاحتفاظ بشريك مألوف حتى مع خلافاته أقل مخاطرة من الدخول في مرحلة من عدم اليقين السياسي والاستراتيجي ومع ذلك فإن اعتبار نتنياهو الشريك الوحيد القادر على التعاون مع واشنطن يتجاهل أن منافسيه الإسرائيليين لا يختلفون جميعا معه في تقدير التهديد الإيراني وإن كانوا يتباينون في وسائل التعامل معه وتوقيت استخدام القوة .
العامل الثاني في هذه المسألة يتصل بالسياسة الأميركية الداخلية اذ تقترب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر في ظل ضغوط اقتصادية وانتقادات لكلفة الحرب مع إيران وانعكاساتها على أسواق الطاقة وأسعار الوقود حيث يريد ترامب أن يظهر أمام جمهوره قادرا على فرض شروطه وإدارة التحالفات وتحقيق نتائج ملموسة من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة تستنزف القوات الأميركية وتضعف موقع حزبه الانتخابي ومن هذه الزاوية يصبح نتنياهو شريكا مفيدا حين يستطيع تحمل جانب من أعباء المواجهة والمساهمة في تنفيذ الأهداف العسكرية الإسرائيلية الأميركية لكنه يتحول إلى مصدر إرباك حين تدفع قراراته الميدانية واشنطن إلى خيارات لا ترغب في توقيتها أو كلفتها. وهذا يفسر التناقض الظاهري بين انتقادات ترامب السابقة لنتنياهو وعودته إلى دعمه حين اقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية.
في عمق المعادلة تظهر غزة بوصفها اختبارا آخر لهذه العلاقة لأن ترامب يريد تقديم خطته لوقف الحرب وترتيبات ما بعد القتال وإعادة الإعمار باعتبارها إنجازا سياسيا يمكن أن يعزز صورته بوصفه رئيسا قادرا على إنهاء النزاعات.غير أن نتنياهو يتمسك بشروط أمنية وسياسية تتعلق بنزع سلاح حماس وتفكيك قدراتها قبل الانتقال إلى مراحل أوسع من الانسحاب وإعادة الإعمار الأمر الذي يهدد بإبطاء الخطة الأميركية أو تفريغ بعض جوانبها من مضمونها ولذلك لا يعني دعم ترامب لنتنياهو أنه يمنحه تفويضا مفتوحا لمواصلة الحرب كيفما شاء بل قد يكون محاولة للاحتفاظ بنفوذ مباشر على الرجل الذي يحتاج إليه لتنفيذ ترتيبات يريد البيت الأبيض أن تنسب إليه سياسيا والمفارقة أن ترامب قد يحتاج إلى بقاء نتنياهو في الحكم وفي الوقت نفسه يحتاج إلى كبح بعض خياراته إذا أراد إنجاح خطته في غزة .
هذه الحسابات مجتمعة لا تنفصل عن مساعي ترامب لتوسيع اتفاقيات أبراهام ودفع دول عربية إضافية نحو التطبيع مع إسرائيل وفي مقدمتها السعودية التي تربط موقفها العلني بمسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية وفي ذات الوقت يعتقد ترامب أن استمرار حكومة إسرائيلية قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية قد يساعد في تحريك هذا الملف لكن تمسك نتنياهو بمواقف ترفض قيام الدولة الفلسطينية يضع عقبة جوهرية أمام أي اختراق مع الرياض ومن ثم فإن بقاء نتنياهو قد يوفر لواشنطن شريكا معروفا لكنه لا يضمن تحقيق الاتفاقات التي يريدها الرئيس الأميركي بل ربما يزيد التناقض بين طموحه إلى توسيع التطبيع وبين السياسات الإسرائيلية التي تجعل التنازل السياسي للفلسطينيين أمرا بالغ الصعوبة كما تكشف هذه المسألة أن المصالح الأميركية والإسرائيلية متداخلة لكنها ليست متطابقة دائما.
بتحليل البعد الانتخابي المباشر نجد ان نتنياهو يراهن على أن تأييد ترامب يمنحه فرصة لإعادة توجيه النقاش داخل إسرائيل نحو الأمن والعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن بدلا من التركيز على الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر وقضايا التجنيد والإصلاحات القضائية وأداء الحكومة خلال الحرب كما يمكن لهذا التأييد أن يشجع بعض المترددين من قاعدة الليكود على العودة إلى الحزب وأن يعزز صورة نتنياهو لدى أنصاره باعتباره الزعيم القادر على التعامل مع الرئيس الأميركي لكن تأثير هذه الخطوة ليس مضمونا إذ تختلف استطلاعات الرأي الإسرائيلية في تقدير قوة المعسكرات ولا يمكن فصل أي تغير محتمل عن عوامل أخرى مثل تماسك المعارضة ونسبة المشاركة وأداء الأحزاب الصغيرة عند عتبة دخول الكنيست لان التأييد الأميركي يمنح نتنياهو ورقة انتخابية إضافية لكنه لا يحل تلقائيا مشكلته الأساسية المتمثلة في تأمين أغلبية برلمانية تسمح له بتشكيل الحكومة.
اللافت أن موقف نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس جاء أكثر تحفظا حيث امتنع عن تأييد نتنياهو معلنا تركيزه على انتخابات التجديد النصفي الأميركية ولا يكفي هذا الموقف وحده للاستنتاج بوجود انقسام حاسم داخل الإدارة لكنه يعكس حساسية متزايدة داخل الحزب الجمهوري إزاء كلفة التدخلات الخارجية وحدود الالتزام العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وهناك تيار يريد الحفاظ على التحالف مع إسرائيل لكنه يطالب في الوقت نفسه بتقديم المصالح الأميركية المباشرة وتجنب الحروب الطويلة على أي اعتبارات أخرى ومن هذه الزاوية فإن دعم ترامب لنتنياهو لا يعبر بالضرورة عن إجماع أميركي داخلي بل يكشف عن مفاضلة سياسية بين الحفاظ على شراكة استراتيجية مألوفة وبين مخاطر ربط مصداقية واشنطن ومواردها بمسار تقرره حكومة إسرائيلية قد تختلف معها في التوقيت والأولويات.
مع كل ذلك إن حصر دوافع ترامب في الانتخابات الإيرانية أو الإسرائيلية وحدها يبقى قراءة ناقصة لأن الرجل يتعامل مع التحالفات بمنطق النتائج والقدرة على التأثير أكثر مما يتعامل معها باعتبارها التزاما شخصيا لا يتغير خصوصا وانه انتقد نتنياهو عندما رأى أن قراراته تهدد مسارا تفاوضيا أميركيا ثم عاد إلى تأييده عندما اقترب موعد الانتخابات وبرزت الحاجة إلى شريك يمكن التفاهم معه في الملفات العالقة وهذا التحول لا يثبت أن ترامب يملك القدرة على توجيه الناخب الإسرائيلي كما يشاء ولا أن نتنياهو سينفذ جميع مطالبه بل يوضح أن الرئيس الأميركي يريد الجمع بين دعم حليفه والاحتفاظ بأوراق الضغط عليه ويبقى السؤال العملي هو ما إذا كان هذا النفوذ سيستخدم لاحتواء التصعيد وفتح المجال أمام تسويات سياسية أم لتوفير غطاء جديد لسياسات عسكرية قد تعيد المنطقة إلى دوامة المواجهة.
الخاتمة : لا شك بإن ترامب يريد بقاء نتنياهو لأن استمراره قد يمنح واشنطن شريكا مألوفا في مواجهة إيران وإدارة ملف غزة ومحاولة توسيع التطبيع الإقليمي ولأن تغيير القيادة الإسرائيلية في هذا التوقيت قد يربك أجندة أميركية تتشابك فيها حسابات الشرق الأوسط مع انتخابات الكونغرس لكن هذا الدعم ليس شيكا مفتوحا ولا شهادة على تطابق المصالح بين الرجلين بل هو رهان سياسي تحكمه المصلحة وقد يتراجع إذا تحول نتنياهو من شريك يمكن التأثير فيه إلى عبء يهدد خطط البيت الأبيض أما بالنسبة إلى المنطقة فإن الخطر لا يكمن في هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية وحدها بل في استمرار السياسات التي تجعل القوة العسكرية بديلا عن التسوية وتؤجل معالجة جذور الصراع الفلسطيني وتبقي المواجهة مع إيران احتمالا قائما وعندها لن يكون السؤال من يبقى في الحكم بتل أبيب فقط بل أي مستقبل يريد ترامب أن يصنعه للشرق الأوسط وهل يستطيع فرض تسوية تخدم مصالحه أم أن حساباته الانتخابية ستمنح التصعيد فرصة جديدة غير مرغوبة.
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية





