الذهب تحت الضغط مع تزايد ضغوط البيع الفنية وضعف الأسواق، ما يضع ثقة المستثمرين بآفاقه طويلة الأجل على المحك

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك
تعرّض الذهب لتراجع حاد يوم الجمعة، بعدما كسر مستوى الدعم الرئيسي عند نحو 3,970 دولاراً للأونصة، بالتزامن مع تسارع موجة البيع التي طالت أسهم التكنولوجيا والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عالمياً. وفي الوقت نفسه، أسهم ارتفاع أسعار الطاقة واستمرارها عند مستويات مرتفعة، إلى جانب المخاوف من احتمال إصدار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوامر بشن ضربات جديدة على إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، في تأجيج المخاوف التضخمية وإضعاف شهية المخاطرة عموماً. وتراجع الذهب لاحقاً إلى أدنى مستوى له في عام، وأغلق دون 3,900 دولار للأونصة، مسجلاً أسوأ أداء له خلال شهر أكتوبر منذ الأزمة المالية العالمية، بانخفاض شهري بلغ 12.7%.
على المدى القصير، لا تزال عمليات البيع المدفوعة بالعوامل الفنية تسيطر على السوق، إذ أدى تراجع زخم الأسعار إلى مزيد من عمليات تصفية مراكز الشراء المفتوحة. وظهر ذلك أيضاً في الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، حيث انخفض إجمالي الحيازات، وفقاً لمقياس بلومبرغ، بمقدار ستة أطنان الأسبوع الماضي. ورغم أن هذا التراجع محدود مقارنة بنحو 150 طناً جرى تجميعها منذ يوليو، فإنه يستحق المتابعة، نظراً إلى أن جميع عمليات الشراء الأخيرة هذه تمت عند أسعار أعلى. وستشكّل قدرة هؤلاء المستثمرين على الاحتفاظ بمراكزهم رغم تزايد الخسائر غير المحققة اختباراً مهماً لمدى تمسكهم بالتوقعات الإيجابية للذهب على المدى الطويل. وإذا تراجعت هذه القناعة، فقد تؤثر عمليات التصفية الإضافية في حجم التصحيح ومدته.
وتعكس مراكز المضاربة أيضاً تدهور المعنويات في السوق. فقد واصلت صناديق التحوط تسجيل صافي مبيعات في العقود الآجلة للذهب على مدى تسعة أسابيع متتالية وفقاً لتقارير التزامات المتداولين (COT)، لتخفض صافي مراكز الشراء إلى 107 آلاف عقد قبيل موجة البيع الأخيرة، أي أعلى بنحو 15 ألف عقد فقط من أدنى مستوى سُجّل في وقت سابق من هذا العام. ورغم أن ذلك يشير إلى أن جزءاً كبيراً من مراكز الشراء المضاربية قد جرى تصفيته بالفعل، فإن تدهور المؤشرات الفنية يبقي السوق عرضة لمزيد من ضغوط البيع.
ولا يزال الذهب معرضاً أيضاً لمخاطر تقليص المراكز الاستثمارية والرافعة المالية في الأسواق عموماً، ولا سيما إذا أدت الخسائر المتواصلة في أسواق الأسهم إلى اندفاع المستثمرين نحو السيولة النقدية، واضطرارهم إلى تسييل أصول تظل جذابة من منظور استثماري. كما عزّز استمرار الأداء الضعيف للفضة الصورة الفنية السلبية في سوق المعادن النفيسة، دافعاً نسبة الذهب إلى الفضة إلى أعلى مستوى لها في 11 شهراً، قرب 79.
ومع ذلك، لا تزال المبررات الاستثمارية طويلة الأجل للاحتفاظ بالذهب قائمة إلى حد كبير. فالمخاوف المتعلقة بارتفاع الدين الحكومي، والاستدامة المالية، والتفتت الجيوسياسي، وتقليص الاعتماد على الدولار، لم تختفِ. وتواصل هذه العوامل الهيكلية دعم دور الذهب في تنويع المحافظ الاستثمارية والحفاظ على القيمة. لكن طبيعتها طويلة الأجل تعني أنها لا توفر حالياً دعماً كافياً لموازنة ضغوط البيع الفنية قصيرة الأجل، وتراجع شهية المخاطرة، والمخاوف من أن يؤدي استمرار التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة إلى إبقاء السياسة النقدية متشددة لفترة أطول.
وفي المقابل، هناك عامل محتمل قد يحد من الضعف الحالي. فقد يؤدي تصحيح أعمق في أسواق الأسهم في نهاية المطاف إلى تحويل الاهتمام نحو احتمالات تدخل الاحتياطي الفيدرالي لدعم الأسواق، خصوصاً إذا بدأت مخاوف الاستقرار المالي تتجاوز مخاطر التضخم من حيث الأهمية. وقد تراجعت بالفعل توقعات الأسواق لمزيد من تشديد السياسة النقدية من جانب الاحتياطي الفيدرالي، من نحو ثلاث زيادات إضافية في أسعار الفائدة إلى زيادتين. ومن المحتمل أن تؤدي اضطرابات إضافية في الأسواق إلى استبعاد الزيادتين المتبقيتين من التوقعات، ما قد يضغط على الدولار ويدعم الأصول التي لا تدر عائداً، مثل الذهب. وقد يؤدي هذا التطور أيضاً إلى زيادة انحدار منحنى العائد على سندات الخزانة الأميركية، إذا تزايدت مخاوف المستثمرين من أن يؤدي تيسير السياسة النقدية في ظل استمرار التضخم إلى تقويض المصداقية على المدى الطويل فيما يتعلق بالسياسات المالية واحتواء التضخم.
لكن هذا يظل في الوقت الراهن سيناريو محتملاً، وليس مصدراً فورياً للدعم. وتتمثل أبرز التطورات التي ينبغي متابعتها في اتجاه أسواق الأسهم العالمية، ومخاطر تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتأثيرها في أسعار الطاقة، والتغيرات في توقعات أسعار الفائدة الأميركية.
ومن الناحية الفنية، تدهورت التوقعات أكثر عقب إغلاق الذهب دون مستوى 3,886 دولاراً للأونصة، وهو المستوى الذي مثّل قاع التصحيح في أكتوبر 2025. ويترك ذلك الذهب عرضة لمزيد من الضغوط الهبوطية، فيما يتطلب بدء استعادة نظرة أكثر حياداً على المدى القصير تعافي الأسعار وتجاوز مستوى 4,000 دولار للأونصة.
بوجه عام، يواجه الذهب ظروفاً صعبة على المدى القريب، إذ تطغى ضغوط البيع الفنية ومخاوف السيولة على جاذبيته الاستثمارية طويلة الأجل. ولا تزال المبررات الهيكلية للاحتفاظ بالذهب قائمة، لكن استقرار شهية المخاطرة ومراكز المستثمرين وتوقعات السياسة النقدية قد يكون ضرورياً قبل أن تستعيد هذه العوامل قدرتها على التأثير بصورة أكثر حسماً في الأسعار.





