الصراعات الجيوسياسية والاقتصاد الأردني حين تهبّ رياح السياسة على سفينة الاقتصاد

ريما ابو حمد
جامعة آل البيت-الاقتصاد الرقمي

حين تتجاوز الصراعات حدودها
لم تعد الصراعات الجيوسياسية أحداثًا محصورة في حدود الدول التي تشهدها؛ فآثارها تمتد إلى الأسواق العالمية، وتنعكس على أسعار الطاقة والغذاء، وحركة التجارة والاستثمار. وفي عالم مترابط اقتصاديًا، قد يؤدي اضطراب في منطقة واحدة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل في مناطق بعيدة عنها.
ومن منظور الاقتصاد، لا تقتصر أهمية هذه الصراعات على نتائجها السياسية أو العسكرية، بل تكمن أيضًا في قدرتها على تغيير قرارات المستهلكين والمنتجين والمستثمرين، وإعادة تشكيل العرض والطلب وتوقعات الأسواق. ويظهر هذا التأثير بوضوح في اقتصاد الأردن، الذي يتأثر بالتطورات الإقليمية رغم محدودية حجمه الاقتصادي.
النفط: حين يتحول شريان الطاقة إلى مصدر ضغط
يُعد النفط من أكثر السلع تأثرًا بالتوترات الجيوسياسية، لأن أي تهديد للإنتاج أو النقل أو الإمدادات قد يثير مخاوف من نقص المعروض، ويدفع الأسعار إلى الارتفاع. وفي 30 أكتوبر 2026، استقر عقد خام برنت الآجل لشهر ديسمبر عند نحو 117.64 دولارًا للبرميل، وسط مخاوف مرتبطة بالإمدادات والتوترات.
بالنسبة للأردن، الذي يعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاته من الطاقة، لا يتوقف أثر ارتفاع النفط عند زيادة فاتورة الاستيراد؛ بل قد ينتقل إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات. وهنا تظهر آلية انتقال أثر الأسعار: ارتفاع تكلفة مدخل أساسي في الإنتاج يضغط على تكاليف الشركات، وقد ينعكس تدريجيًا على الأسعار التي يدفعها المستهلك.
ومن وجهة نظري، فإن تقليل هذا التعرض يتطلب تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدامها. فهذه الخيارات لا تخفف العبء المالي فحسب، بل تعزز أمن الطاقة وتمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية.
الذهب: ملاذ آمن في سوق تحكمه التوقعات
في أوقات عدم اليقين، يتجه بعض المستثمرين إلى الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، ما قد يزيد الطلب عليه ويدعم أسعاره. لكن حركة الذهب لا ترتبط بالمخاطر الجيوسياسية وحدها؛ إذ تتأثر أيضًا بأسعار الفائدة وقوة الدولار وتوقعات المستثمرين.
وفي 30 أكتوبر 2026، أغلق عقد الذهب الآجل عند نحو 3,875.8 دولارًا للأونصة. ويجب التمييز هنا بين سعر العقود الآجلة والسعر الفوري للذهب، لأنهما ليسا بالضرورة متطابقين.
وتوضح هذه الحالة أن الأسواق لا تستجيب للأحداث فقط، بل تستجيب كذلك لتوقعات ما قد يحدث. فالمستثمر يقيّم المخاطر المستقبلية، ويعيد توزيع أمواله وفقًا لما يراه أكثر أمانًا أو عائدًا.
الأردن: اقتصاد صغير أمام أمواج إقليمية
تنتقل آثار الصراعات إلى الأردن عبر عدة قنوات، من أبرزها أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، وحركة التجارة، والسياحة، وثقة المستثمرين. وقد يؤدي اضطراب طرق النقل أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن إلى جعل السلع المستوردة أكثر كلفة، حتى إن لم يكن الأردن طرفًا مباشرًا في الصراع.
وفي المقابل، أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة نمو الناتج المحلي الإجمالي الأردني بنسبة 3% في الربع الثاني من عام 2026. ويُعد هذا مؤشرًا إيجابيًا، لكنه لا يعني أن الاقتصاد محصّن من المخاطر الخارجية؛ فالنمو الاقتصادي قد يتزامن مع ضغوط على تكاليف المعيشة أو على بعض القطاعات.
ومن المفاهيم الاقتصادية التي تساعد على فهم هذه الصورة «اليد الخفية»، التي ارتبطت بآدم سميث، وتشير إلى أن سعي الأفراد والشركات لتحقيق مصالحهم ضمن الأسواق قد يسهم، من خلال آلية الأسعار والمنافسة، في تنسيق النشاط الاقتصادي دون توجيه مركزي كامل. لكن هذه الآلية لا تعني أن السوق قادر وحده على معالجة كل الأزمات؛ فالصدمات الجيوسياسية قد تعطل الإمدادات وتحدّ من المنافسة وتخلق اختلالات لا تُحل تلقائيًا أو بسرعة.
لذلك أرى أن تعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على الصمود يتطلب سياسات تدعم الإنتاج المحلي، وتنويع الشركاء التجاريين، وتحسين الأمن الغذائي، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية. كما أن تطوير الاقتصاد الرقمي قد يفتح فرصًا لقطاعات أقل اعتمادًا على النقل المادي، ويساعد الشركات على الوصول إلى أسواق جديدة.
المستقبل: من الكفاءة وحدها إلى المرونة أيضًا
لطالما سعت الشركات إلى خفض التكاليف واختيار المورد الأقل سعرًا. لكن تكرار الأزمات قد يدفعها إلى إعطاء وزن أكبر لمعايير أخرى، مثل استقرار الإمدادات، وتعدد الموردين، وقرب الأسواق، والقدرة على الاستمرار وقت الاضطراب.
ومن وجهة نظري، لن يكون التحدي المستقبلي هو تحقيق أقل تكلفة فقط، بل بناء سلاسل توريد أكثر مرونة، وتحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والأمان. وهذا التوجه قد يمنح الأردن فرصة لتعزيز موقعه من خلال تطوير الخدمات اللوجستية، والاستثمار في التكنولوجيا، ودعم المشروعات الإنتاجية.
خاتمة: اقتصاد أكثر قدرة على الإبحار
تؤكد الصراعات الجيوسياسية أن الاقتصاد لا يعمل بمعزل عن السياسة، وأن اضطرابًا في سوق الطاقة أو التجارة قد يتحول إلى ضغط مباشر على الشركات والأسر. وبالنسبة للأردن، فإن التعامل مع هذه التحديات لا يكون بانتظار استقرار الظروف الخارجية فقط، بل ببناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة.
فالاقتصاد القوي ليس الذي لا يتأثر بالعواصف، بل الذي يمتلك الأدوات اللازمة لتخفيف آثارها والتكيف معها. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الطاقة المتجددة، والإنتاج المحلي، والاقتصاد الرقمي، وتنويع الشراكات، جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد لحماية الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فرص النمو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى