بالاستغفار تتحقق الامنيات ……قصة واقعية

61

“فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفَّاراً، يُرسِل السماءَ عليكم مدراراً، ويُمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جناتٍ ويجعل لكم أنهاراً”. إنّ إجادة الانطراح على عتبات الربوبية، وامتلاك آداب الدعاء، والإكثار من الاستغفار، راحة بال وفرج وغيث غزير ورزق حلال، وسعة في الخير ملموسة الأثر؛ حيث إنّ إحسان الذل والتضرع والانكسار بين يدي الله في حضرة الثلث الأخير من الليل، وساعة احتضان سجادة الصلاة، مفتاح لكل أبواب الصلاح والأمنيات، وكلما رجا المسلم ربه بدموع خاشعات أطعمه الله من خير السماء، وكساه من خير الأرض، وأراح صدره ببلسم الإجابة والتحقق بالدعاء.

قاتل الحزن بدعاء سيد الاستغفار: ” اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت” يرسل الله بعدها طمأنينة في القلب، وسكينة في النفس، وسعادة في العمر.

الأمنيات

ما من إنسان على وجه البسيطة هذه إلا وفي قلبه مجموعة من الأمنيات، يرجو تحقيقها وثبات وقوعها؛ ليسّر قلبه ويثلج صدره، ويكون أكثر سعادة وسروراً. والأمنيات تصبح غيثاً متساقطاً ونسيماً متكدساً إن أحسن المرء وسائل تحقيقها وشروطها، وسعى في الأرض كثيراً ليرجو حدوثها، فكل أمنية لها طريق وعتبات وشوك ومعتركات، غير أن العاقل بوعي وإدراك وتخطيط مسبق مُوفق يرى في كل شوكة تعترض طريقه وردة تنتصف هذه المسامير المؤذية لتقتل حدتها، ويعبق شذاها بالجمال والراحة؛ لأنه أحسن الظن بربه وبالحياة، فمُنِح عمراً مليئاً بالسعادة.

والشخص الّذي يرجو تحقيق أمنياته يزداد في القرب من الله، ويُكثِر من طاعته، والابتعاد عن ما يُغضبه، ولعل مفتاح باب حدوث الأمنيات هو القرب من رب الأرض والسماوات، والاستغفار أحد مفاتيح هذا الباب، وأسرعه فتحاً، وأكثره إيجابيةً ملموسة الأثر، وعميقة الوضوح، وسبيل الخير، وسنبلة الحسنات المتضاعفة المتكاثرة. كان ابن تيمية يقول: (إن المسألة لتغلُق عليَّ، فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل، فيفتحها اللهُ عليّ).

تحقيق الأمنيات بالاستغفار

إنّ الاستغفار يكون في جميع آناء الليل والنهار، غير أن بعض الأوقات أرجى قبولاً، فإذا وقع الاستغفار في ساعة إجابة كان أقرب إلى حصول المطلوب، كالاستغفار في الأسحار؛ لأن الله وقتذاك ينزل إلى الدنيا في الثلث الأخير من الليل، وينادي عبده: “هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه”، وفي جوف الليل يُرجى الغفران من الرحيم المنان، ويُتوقع الإحسان، ويطلب المسلم من صاحب الأمر الأمان والغفران، ولو كُشِف للأبصار رحمة الله وهي تتساقط غيثاً غزيراً لبكى المسلم حباً لله وشوقاً لرؤيته، ولعظيم كرمه وإحسانه لعباده.

ولعل ينابيع الرحمة الإلهية ترسل سُقياها لكل ظامئ يرجو ماء يُبلسِمُ حياته، لذا، على المسلم أن يحضر في هذه الساعة قلبه، ويغسل ذنبه بالتوبة والإنابة، ويعتذر من ربه تقصيراً، ويرجو عفواً وغفراناً. والاستغفار باللسان خير وقاية من شر الذنب، ويجب أن يكون مقروناً بعدم الإصرار على الذنب، فأفضله ما كان مقروناً بترك الصرار عن المعصية، والإقلاع عن الذنوب بتهذيب القلوب والجوارح، وخير دواء لداء الذنوب الاستغفار.

والإكثار منه في البيت والطريق والمجلس والسوق بركة ورزق حلال لا ينقطع بإذن الله، غير أنّ الاستغفار باللسان وحده لا يكفي؛ لأن من قالها بلسانه غافلاً عن معناها ومُعرِضاً عن تدبّرها لم يعرف قدره وحقيقته؛ لذا، يجب الاستغفار برجاء كل الجوارح وسلامة القلب، ويقينه بحسن الظن بالله، وقبول التوبة وتحقيق المُراد.

أنواع الاستغفار من الحديث والآثار قول العبد:

“أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه”، وقد قال رسول الله من قاله غُفِر له وإن كان فرَّ من الزحف.
كذا حين كان يُسلِم الرجل في عهد رس
ول الله كان يأمره -عليه الصلاة والسلام- بأن يدعو بهذه الكلمات: “اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني”.
قال ابن مسعود: من قال: “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، صعد بها ملك، فلا يمر بها على ملأ من الملائكة إلا واستغفروا له حتى يُحيي بها وجه رب العالمين”.

هذه الصيغ المتعددة في الاستغفار تُعين المسلم على التوبة، وطلب العفو من ربه، وصولاً إلى مغفرة الرب، وتحقيق الأمنيات مهما اشتد العسر وضاق الحال، فإن الله ينبت من الحجارة غرس نخلة وثمرة، ومن الحلكة القاتمة قنديل ضوء لا يخبت نوره؛ لأنه متصل بنور الإيمان والتوكل على الله.

مهما أغُلِقت الأبواب فظن المسلم بربه خير، وعجائب الاستغفار كثيرة متعددة خيّرة، ففيه يُسقى المسلم حين تجدب الأرض، ويُعلّق رجاؤه بربه، فيُمطر الله صحراء الأرض ينبوع خير وسُقيى، وطلب الغيث بالاستغفار خير وفير يأتي من الله بضمان وأمان وحسن حال.

والاستغفار مفتاح إجابة الدعاء وكشف الكربات، وباب لدوام السعادة وإعمارها في النفس، ولتحقيق الاستغفار بتحقيق الأمنيات يجدر على المسلم تحقيق الشروط، فهو اسم جامع لمعانٍ ستة: أولها النوم على ما مضى، ثم العزم على ترك الرجوع إلى الذنوب أبداً، وتأدية ما تم تضييعه من فروض فرضها الله، وتأدية المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، وإذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، ثم إذاقة البدن طاعة رب الأرض والسماوات، وبتحقيق هذه المعاني الستة تتحقق الأمنيات، ويُكمل المسلم مشوار الخير والرضا، وتجعل الإله يُكرم عبده بما يريد، ويفتح له أبواب الصلاح والمسرات والبشريات.

قصة استغفار حقّق أمنية

أحداث القصة تدور في زمن الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث كان الشيخ أحمد مسافراً، فمر بمسجد ولم يكن يعرف أحداً في تلك المنطقة، وكان وقت النوم قد حان، فافترش المسجد مكاناً لينام، غير أن حارس المسجد طلب من الشيخ مغادرة المكان، وهو لا يعرف أنه ابن حنبل، رد عليه الإمام: (لا أعرف أحداً في المنطقة أبيت عنده)، غير أن الحارس رفض، وأخرج الإمام رغماً عنه.

مضى الشيخ في طريقه، ورأى ضوءً من بعيد، وإذا بخبازٍ يعمل في الليل، سأل الإمام عن حاجته، فأخبره أن لا مكان يبيت فيه وهو ليس من المنطقة، فسمح له الخباز واستضافه في مخبزه.

لاحظ الإمام كثرة استغفار الخبّاز وتسبيحه، فسأله: ( منذ متى وأنت على هذا الحال في ذكر الله؟). رد الخبّاز: ( منذ زمن! ). قال له: ( وهل رأيت أثر ذلك عليك في حياتك؟) سارع بالإجابة: ( نعم، والله ما دعوت دعاء قط إلا واستجاب الله لي، إلاّ واحدة رؤية الإمام أحمد بن حنبل! )، قال الشيخ: ( أنا أحمد بن حنبل، والله لقد جرّني الله إليك جراً! ).

إن هذه القصة خير دليل على أن الاستغفار ترجمة الأمنيات واقعاً عملياً، وبشريات تتنزّل على من يذكر الله بيقين وحسن ظن وتوكل على أن الخير كله بيديه، وإن أحسن في الطاعة وتأدّب في الإلحاح أكرمه الله بالخير الوفير.

اترك رد

error: Content is protected !!