قفزة في أسعار النفط مع انهيار وقف إطلاق النار الهش مع إيران

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

قفزت أسعار خام برنت بأكثر من 9% منذ يوم الإثنين، لترتفع عائدة نحو مستويات 79 دولار للبرميل؛ حيث أدى تجدد التوترات الأمريكية الإيرانية إلى إحياء المخاوف بشأن الإمدادات، وفرض إعادة نظر لدى صناديق التحوط التي خفضت مؤخراً مراكزها المتفائلة (المراهنة على الصعود) إلى مستويات قريبة من القاع التاريخي.

وجاء هذا الصعود الأخير في أعقاب ضربات أمريكية استهدفت مواقع في إيران، وقرار واشنطن إلغاء الإعفاء الذي كان يسمح بمبيعات جديدة من النفط الإيراني، وذلك رداً على الهجمات التي طالت الشحن التجاري في مضيق هرمز. ويهدد هذا التصعيد المفاوضات الهشة الرامية إلى تأمين سلام دائم، في وقت يتبادل فيه الطرفان الاتهامات بخرق اتفاق وقف إطلاق النار. وقد تعرضت ثلاث سفن تجارية لهجمات في المضيق خلال اليوم الماضي، وهي الوتيرة الأعلى منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وحملت الولايات المتحدة إيران المسؤولية عن هذه الضربات. ومما زاد من حالة الضبابية، تصريح الرئيس ترامب قائلاً: “أعتقد أن وقف إطلاق النار مع إيران قد انتهى”، وهو التعليق الذي قدم دعماً إضافياً لأسعار النفط الخام.

ويمثل هذا التحرك نقطة تحول حادة مقارنة بالأسبوع الماضي، عندما جرى تداول خام برنت لفترة وجيزة قرب مستويات 70 دولار، حيث ركزت السوق حينها على إعادة فتح طرق الإمداد الإقليمية وتوقعات حدوث فائض متزايد من البراميل القادمة من الخليج العربي. وقبل التصعيد الأخير، استمرت حدة المنافسة بين المنتجين الإقليميين لاستعادة العملاء والحصص السوقية المفقودة؛ إذ تراكمت كميات كبيرة من البراميل داخل منطقة الخليج، مما زاد من الحاجة إلى تصريف هذه الأحجام سريعاً لتحرير السعات التخزينية والسماح باستئناف الإنتاج أو زيادته.

وبدا المشهد أشبه بتخفيضات موسيقية، حيث عمد المنتجون إلى خفض الأسعار لتصريف المخزونات وإخلاء المساحات للمجموعة التالية. وحمل الخفض الأخير في الأسعار من جانب المملكة العربية السعودية رسالة واضحة ومباشرة مفادها: أن المنطقة عادت إلى سباق الصراع على الحصص السوقية. واكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ضوء خروج دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك، وإعلانها مؤخراً أن إنتاجها بات قريباً من مستويات قياسية.

هذا التحدي الهيكلي الكامن في جانب العرض لم يتلاشَ، لكن التصعيد الأخير تسبب في قطعه؛ إذ باتت السوق مجبرة من جديد على احتساب مخاطر أن تؤدي الهجمات المتجددة على الشحن البحري، أو الانهيار الأوسع في العلاقات الأمريكية الإيرانية، إلى إبطاء عودة تدفقات النفط إلى طبيعتها عبر مضيق هرمز. وباعتباره واحداً من أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة في العالم، فإن أي اضطراب فيه، وإن كان محدوداً، يمكن أن يلقي بظلاله بشكل مفرط على التسعير الفوري، وتكاليف الشحن، ومعنويات السوق العامة.

ومن المرجح أن تساهم وضعية المراكز الاستثمارية الحالية في تضخيم هذه الحركة السعرية. ففي تقرير التزام المتداولين الأخير الصادر للأسبوع المنتهي في 30 يونيو، خفضت حسابات الأموال المدارة صافي مراكز الشراء الطويلة لخام برنت بنسبة 38% لتقتصر على 55.6 ألف عقد فقط، وهو ما يمثل تراجعاً بنحو 87% من ذروة مارس البالغة 429 ألف عقد. ومع تحليق إجمالي مراكز البيع المكشوف قرب أعلى مستوياتها على الإطلاق، هبطت نسبة مراكز الشراء إلى البيع لتصل إلى 1.2 مركز شراء فقط لكل مركز بيع، وهو ما يقترب أيضاً من قاع تاريخي. وقد أثبتت هذه المستويات المفرطة في الماضي صعوبة استمرارها عندما تتغير المعطيات الأساسية أو المشهد الجيوسياسي بشكل مفاجئ.

ومع تداول خام برنت الآن بالقرب من 79 دولار، فإن عمليات تغطية المراكز المكشوفة الإضافية قد تدفع نحو تحقيق المزيد من المكاسب على المدى القريب، لا سيما إذا تدهورت الأوضاع الأمنية أو انهار وقف إطلاق النار رسمياً. ويرسل المنحنى السعري المستقبلي إشارة مماثلة، حيث ارتفع الفارق السعري الفوري لخام برنت مجدداً ليتحول إلى حالة “الباكورديشن” بنحو 60 سنتاً للبرميل، بعد أن سجل مؤخراً حالة “كونتانجو” بلغت 40 سنتاً. وفي الوقت الراهن، يؤكد هذا التحول أن السوق باتت مدفوعة مرة أخرى بالمخاوف المتعلقة بمخاطر الإمدادات وتعديل المراكز الاستثمارية، بدلاً من المخاوف الناجمة عن فائض المعروض.

وفي سياق متصل، تواصل المنتجات المكررة إظهار أداء قوي نسبياً؛ إذ لا تزال أسعار البنزين، والديزل، ووقود الطائرات مرتفعة مقارنة بالنفط الخام، مدعومة بنقص الإمدادات وذروة الطلب الموسمي. ونتيجة لذلك، لم يشعر المستهلكون حول العالم بعد بالاستفادة الكاملة من الانخفاض السابق في أسعار الخام، في حين يهدد الارتداد الأخير للأسعار بتأجيل هذا الانفراج لفترة أطول. كما أن استمرار تماسك أسعار المنتجات المكررة قد يؤدي إلى تعقيد توقعات التضخم إذا استمر النفط الخام في مساره الصاعد.

وبعيداً عن المخاطر الجيوسياسية المباشرة، تظل بكين عاملاً مرجّحاً رئيسياً؛ فقد تراجعت الواردات الصينية بشكل حاد خلال فترة الحرب، وسيكون رد فعل المصافي والمشترين الحكوميين تجاه الأسعار المنخفضة حاسماً في تحديد ما إذا كان يمكن استيعاب البراميل المتراكمة في الخليج دون تجدد الضغوط الهبوطية على الأسعار. وقد لعبت الصين بشكل متزايد في السنوات الأخيرة دور كبح جماح الأسعار وتحقيق استقرارها، حيث كانت تتجه نحو الشراء لتعزيز مخزوناتها عندما تكون الأسعار منخفضة، وتقلص مشترياتها عند طفرات الارتفاع.

وبالنظر إلى المستقبل، يُتوقع أن تتحرك بكين بحذر، سعياً منها لإعادة بناء المخزونات الاستراتيجية والتجارية دون أن تتسبب في طفرة سعرية تقودها الصين نفسها. وبمجرد أن تنتهي عملية تصريف المخزونات الخليجية الأولية، قد يظهر بعض الهدوء في حدة المنافسة الإقليمية، ليس أقلها لمنع حدوث هبوط أعمق تحت مستوى 70 دولاراً، وهي المستويات التي قد تكافح الأسعار عندها للتعافي مجدداً.

ولكن في الوقت الحالي، تحول التركيز بالكامل عائدًا إلى مضيق هرمز، ومدى صمود وقف إطلاق النار، ومخاطر أن تؤدي مراكز البيع المكشوف المربكة والمباغتة، بالتزامن مع ضعف السيولة الناجم عن العطلات الصيفية، إلى تضخيم الأسعار والتقلبات على حد سواء.

تقرير مقدم من أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى