تدخل طوكيو يقابل تصعيد سبيس إكس – التقرير الأسبوعي من لونارو

نيك سبنسر سكين، مسؤول تنفيذي أول في لونارو ماركتس ليمتد
شهدت الأسواق أسبوعاً استثنائياً من التقلبات، في ظل مواجهة المستثمرين سلسلة من عوامل المخاطر التي تزامنت على أكثر من جبهة. فقد تركزت الأنظار على اجتماعات البنوك المركزية التي اتسمت بنبرة متشددة، وإعلانات نتائج كبرى شركات التكنولوجيا، إلى جانب تجدد التوترات الجيوسياسية، وهي عوامل تنافست جميعها على توجيه مسار الأسواق.
وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Fed) أسعار الفائدة دون تغيير، إلا أن ثلاثة من أعضائه صوتوا لصالح رفعها، في مؤشر واضح على اتساع التباين في وجهات النظر داخل لجنة السياسة النقدية. ولم يقدم رئيس المجلس، كيفين وارش، أي توجيهات استشرافية بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية، داعياً المستثمرين إلى التركيز على البيانات الاقتصادية المقبلة بدلاً من استقراء توجهات البنك من تصريحاته.
وأدى ذلك إلى ازدياد انحدار منحنى عوائد سندات الخزانة الأمريكية، إذ استقر عائد السندات لأجل عامين، في حين ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً، وهو ما يعكس تنامي حالة عدم اليقين بين المتعاملين بشأن المسار المستقبلي لسياسة الاحتياطي الفيدرالي.
وخلال الجلسات الأولى من الأسبوع، تعرضت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات لموجة بيع حادة. وأطلقت النتائج المخيبة للآمال لشركة إس كيه هاينكس موجة واسعة من عمليات البيع في أسهم التكنولوجيا الآسيوية، ليتراجع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 10.84% خلال جلسة الثلاثاء وحدها. كما دخل مؤشر ناسداك 100 لفترة وجيزة في نطاق التصحيح، بعدما تكبد عدد من كبار مصنعي الرقائق الإلكترونية خسائر كبيرة.
غير أن المعنويات تحولت إلى الإيجابية عقب إعلان نتائج مالية قوية لكل من مايكروسوفت وأمازون. فقد قفز سهم مايكروسوفت بعد أن تجاوز نمو خدمات أزور توقعات السوق، بينما ارتفع سهم أمازون مدعوماً بتوقعات متفائلة بشأن استثمارات الشركة في الذكاء الاصطناعي. وأسهم الأداء القوي للشركتين في دفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى إنهاء الأسبوع مرتفعاً بنسبة 1.1%، مستعيداً بذلك جانباً كبيراً من الخسائر التي تكبدها في وقت سابق بفعل الضغوط على أسهم التكنولوجيا. ويمكن الاطلاع على ملخص أبرز نتائج شركات التكنولوجيا وردود فعل الأسهم عليها في الرسم البياني للأسبوع.
وفي سياق آخر، واصلت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران دعم أسعار النفط، التي بقيت عند مستويات مرتفعة، في ظل غياب أي مؤشرات على انفراج وشيك للمخاطر الجيوسياسية.
أسبوع حاسم لتحركات الين مقابل العملات الرئيسية
تشير تقارير الأسواق بقوة إلى أن السلطات اليابانية، وبمشاركة الولايات المتحدة، تدخلت مجدداً في سوق الصرف الأجنبي يوم الخميس لدعم الين والحد من ارتفاع زوج الدولار/الين. وبعد أن تجاوز الزوج مستوى 163 خلال تعاملات اليوم، هبط بأكثر من 400 نقطة في حركة سريعة مدفوعة بالتدخل، قبل أن يواصل تراجعه ليختتم الأسبوع عند 157.46.
وتزامن التحرك البالغ 2.4% يوم الخميس مع تسجيل أعلى حجم تداول فوري للين عبر منصة إي بي إس (EBS) منذ عقد كامل، إلى جانب مستويات قياسية في أحجام تداول العقود الآجلة ببورصة سي إم إي (CME). وتشير بيانات بنك اليابان إلى أن طوكيو ربما باعت ما يصل إلى 58.97 مليار دولار في إطار عمليات التدخل، فيما أظهرت مذكرة صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، تم تداول صورة لها في الأسواق، احتمال قيام الولايات المتحدة بشراء ما بين 5 و10 مليارات دولار من الين. ومن المتوقع أن تصف اليابان والولايات المتحدة هذه الخطوة بأنها أول تدخل مشترك في سوق العملات منذ عام 2011.
وبالنسبة للأسبوع المقبل، قد لا تكون الضغوط قد انتهت بعد. إذ يمكن أن تمتد عمليات التدخل في سوق العملات إلى ثلاثة أيام عمل متتالية، ما يفتح الباب أمام اتخاذ إجراءات إضافية خلال جلسة يوم الاثنين.
ويبقى السؤال الأهم خلال الأيام المقبلة هو ما إذا كان المتعاملون سيختبرون مجدداً مدى استعداد السلطات للدفاع عن العملة اليابانية. فقد أثبتت جولة التدخل السابقة، التي نُفذت في أواخر أبريل، محدودية تأثيرها، بعدما استعاد زوج الدولار/الين زخمه الصعودي في غضون أسابيع قليلة. وإذا عاد الزوج للارتفاع مجدداً نحو نطاق 160–162، فقد يُنظر إلى ذلك باعتباره مؤشراً إضافياً على محدودية فعالية جهود السلطات اليابانية في كبح ضعف الين.
ومهما تكن التطورات على المدى القصير، فمن المهم النظر إلى الصورة الأشمل. إذ إن تحقيق تعافٍ مستدام للين على المدى الطويل لا يزال يتطلب تقلص فجوة العوائد بين اليابان والولايات المتحدة، أو صدور بيانات أمريكية أكثر ضعفاً، أو تزايد قناعة الأسواق بإقدام بنك اليابان على رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر. وحتى يتحقق أحد هذه العوامل، يُرجح أن تظل أزواج الين عرضة لتقلبات مرتفعة، بدلاً من الدخول في مسار هبوطي مستقر للدولار أمام العملة اليابانية.
سبيس إكس أمام أول اختبار لها في أسواق المال
بعد إتمام أكبر طرح عام أولي في التاريخ خلال شهر يونيو، تستعد سبيس إكس لإعلان نتائجها المالية للربع الثاني عقب إغلاق تداولات يوم الثلاثاء. وتمثل هذه النتائج أول إفصاح مالي للشركة منذ إدراجها في البورصة، كما تشكل اختباراً محورياً لقدرة ستارلينك على توليد التدفقات النقدية اللازمة لدعم طموحات المجموعة، التي تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة.
وتشير توقعات السوق إلى تحقيق إيرادات تقارب 6.9 مليارات دولار، مع استمرار قطاع خدمات الاتصال بوصفه المحرك الرئيسي للربحية. ويتوقع المحللون أن يسجل القطاع هامش ربح تشغيلي يبلغ 35.9%، في حين يُرجح أن تواصل أنشطة الفضاء والذكاء الاصطناعي تكبد الخسائر التشغيلية.
ولا يقتصر اهتمام المستثمرين على النتائج المالية وحدها، بل يمتد إلى جودة النمو الذي تحققه خدمة ستارلينك. فقد دخلت سبيس إكس الربع الثاني وهي تخدم 10.3 ملايين مشترك موزعين على 164 سوقاً حول العالم، إلا أن متوسط الإيراد لكل مستخدم تراجع بنسبة 22.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، نتيجة التوسع الدولي واعتماد باقات اشتراك منخفضة التكلفة، وهو ما ضغط على متوسط العائدات.
لذلك، سيركز المستثمرون بصورة خاصة على صافي أعداد المشتركين الجدد، ومدى قدرة الشركة على تعزيز كفاءة شبكتها للحفاظ على هوامش الربحية، رغم انخفاض مستويات التسعير.
وفي الوقت نفسه، ستكون الإنفاقات الرأسمالية محوراً رئيسياً لاهتمام الأسواق. إذ يتوقع المحللون أن ترتفع النفقات الرأسمالية السنوية إلى نحو 48.7 مليار دولار بحلول عام 2026، في ظل مواصلة سبيس إكس تمويل استثماراتها في مجالات تمتد من الأقمار الصناعية إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ونظراً للحساسية التي أبدتها الأسواق الأسبوع الماضي تجاه ارتفاع الإنفاق الرأسمالي لدى شركات التكنولوجيا، فقد يشهد سهم سبيس إكس تقلبات ملحوظة إذا خلص المستثمرون إلى أن حجم هذه الاستثمارات لن يترجم إلى عوائد وإيرادات بوتيرة سريعة بما يكفي لتبريرها.
بيانات الوظائف الأمريكية تختبر موقف الاحتياطي الفيدرالي المتشدد
يختتم الأسبوع بإصدار تقرير الوظائف الأمريكي يوم الجمعة، والذي يُتوقع أن يشكل أول اختبار رئيسي لقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Fed) بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع يوليو، مع تبني لهجة متشددة بشأن السياسة النقدية.
وتشير توقعات الأسواق إلى ارتفاع الوظائف غير الزراعية (NFPs) بمقدار 85 ألف وظيفة خلال يوليو، بعد الزيادة المحدودة البالغة 57 ألف وظيفة في يونيو، فيما يُنتظر أن يستقر معدل البطالة عند 4.2%.
إلا أن اهتمام الأسواق لن يقتصر على الأرقام الرئيسية للتقرير. فقد أظهر تقرير الشهر الماضي تراجع حجم القوى العاملة بنحو 720 ألف شخص، ما أدى إلى انخفاض معدل المشاركة في سوق العمل إلى 61.5%، وهو أدنى مستوى مسجل منذ مارس 2021. ومن ثم، من المرجح أن يحظى هذا المؤشر بمتابعة دقيقة لتقييم مدى متانة سوق العمل الأمريكي.
ولا تزال المؤشرات الأخيرة ترسم صورة متباينة لأوضاع سوق العمل. فقد ارتفع عدد طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 197 ألف طلب خلال الأسبوع الأخير، إلا أنها لا تزال عند مستويات منخفضة تاريخياً، وهو ما يشير إلى أن أصحاب العمل يتجهون إلى إبطاء وتيرة التوظيف دون الانتقال إلى موجة واسعة من تسريح العمال.
أما على صعيد تفاعل الأسواق، فإن صدور بيانات قوية للوظائف بالتزامن مع تعافٍ في معدل المشاركة في القوى العاملة من شأنه أن يدعم وجهة نظر أعضاء الاحتياطي الفيدرالي الثلاثة الذين صوتوا لصالح رفع أسعار الفائدة في اجتماع يوليو. وقد يدفع ذلك عوائد سندات الخزانة الأمريكية والدولار إلى الارتفاع.
في المقابل، فإن صدور تقرير ضعيف قد يحد من توقعات تشديد السياسة النقدية على المدى القريب، إلا أنه قد لا يقود بالضرورة إلى موجة صعود واضحة في الأصول عالية المخاطر، إذا فسر المستثمرون هذه البيانات على أنها مؤشر إلى تباطؤ النمو الاقتصادي بالتزامن مع استمرار الضغوط التضخمية، وهو سيناريو يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي ويحد من شهية المخاطرة.




