مروان البرغوثي .. الأسير الذي تخشى إسرائيل عودته إلى المشهد الفلسطيني !!

د . مهدي مبارك عبد الله

السؤال المركزي الذي يقودنا الى عمق الموضوع بكل صراحة وموضوعية لماذا يبدو اسم القيادي الاسير مروان البرغوثي أكثر خطورة على إسرائيل وبعض مراكز القرار الفلسطيني من أي اسم آخر يمكن أن يخرج من السجون الإسرائيلية خاصة وان الرجل الذي أمضى أكثر من أربعة وعشرين عاماً خلف القضبان لم يخرج بتاتا من ذاكرة الفلسطينيين الشرفاء بل حدث العكس تماماً فقد تحول السجن بالنسبة إليه من وسيلة لإبعاده عن الحياة السياسية إلى منصة انطلاق صنعت له مكانة استثنائية يصعب على خصومه داخل فلسطين أو إسرائيل تجاهلها .

مفارقة البرغوثي المختلفة أن إسرائيل عندما اعتقلته عام 2002 كانت تريد إبعاده عن قيادة الانتفاضة الثانية وتجريده من القدرة على التأثير في الشارع الفلسطيني لكنها ساهمت من حيث لا تريد في تحويله إلى واحد من أكثر السياسيين الفلسطينيين بروزا وحضوراً في الوعي الشعبي والأسير الذي غاب جسدياً عن الضفة وغزة بقي حاضراً في المكانة القيادية والرمزية وفي سباق الانتخابات والاستطلاعات والنقاشات الداخلية لحركة فتح كما ظل اسمه يتقدم بقارق كبير على أسماء معظم منافسيه المحتملين على خلافة محمود عباس .

القراءة الأهم والتحليل الاقرب أن البرغوثي لا يستمد قوته من كونه قيادياً في حركة فتح فقط بل من اجتماع ثلاث شرعيات في شخص واحد شرعية فتحاوية تنظيمية وشرعية نضالية اكتسبها خلال الانتفاضتين وشرعية شعبية عابرة للفصائل جعلت قطاعات واسعة من أنصار حركتي فتح وحماس والقوى الفلسطينية الأخرى تنظر إليه بوصفه شخصية موثوقة قادرة على إعادة وصل ما انقطع بين الضفة وغزة وبين الحركة الوطنية ومؤسسات السلطة التي تعامل معها الكثيرون وفق موازين المكاسب والامتيازات المتوارثة .

المكانة الكاريزمية التي شكلها البرغوثي من بداية النضال الوطني حتى الاعتقال غير المبرر لم تكن مجرد مجرد انطباع سياسي عابر حيث أظهرت استطلاعات الرأي للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن البرغوثي تصدر مراراً قائمة الشخصيات الأكثر شعبية في سباق الرئاسة وفي إحدى الدراسات حصل على 34 بالمئة من نوايا التصويت مقابل 8 بالمئة فقط لمحمود عباس وعندما حصر السؤال في الذين قالوا إنهم سيشاركون في التصويت ارتفعت حصة البرغوثي إلى 57 بالمئة وهو فارق واضح يكشف حجم المشكلة التي يمثلها اسمه لأي ترتيبات سياسية لا تستند إلى انتخابات حقيقية .

القضية برمتها لم تعد تتعلق بأسير فلسطيني كبير يمكن إدراج اسمه في أي صفقة تبادل أسرى وإنما أصبحت مسألة سياسية بامتياز لان إطلاق سراح البرغوثي يعني إعادة إدخال لاعب ثقيل إلى ملعب أعيد ترتيب خطوطه خلال أكثر من عقدين في ظل غيابه وقد يعني هذا أيضاً أن الشخص الذي كان خارج الحسابات اليومية للسلطة سيعود فجأة ليصبح في قلب الحسابات الفلسطينية والإسرائيلية والإقليمية والدولية وبما له من قوة وتأثير يخشاه الكثيرون .

لعل ما يزيد حساسية المسألة أن البرغوثي لم يفقد موقعه داخل حركة فتح رغم وجوده في غياهب السجن حيث جاءت التطورات الأخيرة لتؤكد استمرار ثقله التنظيمي وفي انتخابات البنية القيادية الجديدة لحركة فتح عام 2026 احتفظ البرغوثي بمقعده كعضو اساسي في اللجنة المركزية وقد حصل وفق النتائج الأولية على أعلى عدد من الأصوات وهو ما يعطي دلالة سياسية كبيرة بان ن الرجل لم يكن ينافس من مكتب في رام الله أو من قاعدة انتخابية منظمة بل من داخل السجن الإسرائيلي المحاصر والمحكم الاغلاق .

اللافت هنا انه بينما ظل البرغوثي أسيراً في سجون إسرائيل كان ياسر عباس نجل الرئيس محمود عباس يدخل في المقابل إلى اللجنة المركزية لحركة فتح في خطوة أثارت تكهنات واسعة حول ترتيبات الخلافة داخل الحركة والسلطة الفلسطينية وقد ذكرت تقارير صحفية أن صعود ياسر عباس إلى موقع قيادي جاء في وقت تتزايد فيه التكهنات بشأن مستقبل السلطة بعد محمود عباس البالغ من العمر تسعين عاماً والذي يتعرض لانتقادات قوية من المعارضين لبقائه على سدة الرئاسة .

للتوضيح اكثر ان دخول ياسر عباس المرتب للجنة المركزية لحركة فتح لا يعني بالضرورة أنه أصبح الوريث المؤكد لمحمود عباس حيث لا زال المشهد أكثر تعقيداً من ذلك وهناك أسماء أخرى تمتلك مواقع نفوذ داخل النظام الفلسطيني غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن أي ترتيب للمرحلة المقبلة سيصطدم عاجلاً أم آجلاً بالسؤال عن مروان البرغوثي واحقيته لأن تجاهله قد يكون ممكناً وهو في السجن لكنه يصبح أكثر صعوبة بكثير إذا خرج منه وواجه الحقائق وفند المواقف بشكل مباشر .

بناء على هذا السبب تحديداً يمكن فهم جانب من أسباب الرفض الإسرائيلي المتكرر للإفراج البرغوثي خصوصا وان إسرائيل لا تنظر إلى البرغوثي باعتباره مجرد سجين عادي يقضي أحكاماً مؤبدة وإنما باعتباره قائداً فلسطينياً يمكن أن يتحول بعد الإفراج عنه إلى رمز اكبر ومركز ثقل سياسي جديد يعيد تشكيل الخريطة الفلسطينية من داخل حركة فتح بعيدا عن مصالحها وسياساتها القائمة .

في المقابل ان بعض الأصوات الإسرائيلية التي عرفت البرغوثي عن قرب لا تنظر إليه بالضرورة بالطريقة التي تنظر بها إليه أكثر الأجنحة الإسرائيلية تشدداً فقد دعا رئيس الموساد السابق إفرايم هاليفي إلى إطلاق سراحه واعتبر أن شعبيته ومواقفه الواضحة وجراءته وقدرته على الحديث مع الإسرائيليين باللغة العبرية تجعله مؤهلاً للعب دور في قيادة مسار سياسي فلسطيني جديد كما سبق أن أبدى مسؤولون إسرائيليون آخرون استعداداً للتعامل معه سياسياً وكرئيس مستقبلي حتى مع بعض الخلافات الكبيرة مع اسرائيل .

ربما لازال السؤال الاكثر اهمية في هذا الوقت لماذا تخشى إسرائيل رجلاً تتحدث بعض شخصياتها الأمنية والسياسية السابقة عن قدرته على التفاوض والسلام والجواب ربما يكمن في أن المشكلة ليست في شخص البرغوثي وحده وإنما في نوع القيادة التي يمكن أن يمثلها فهو ليس قائداً إسرائيلياً يمكن التفاوض معه على ترتيبات أمنية منفصلة عن المزاج الشعبي الفلسطيني بل شخصية تمتلك شرعية نضالية وشعبية وتنظيمية في الوقت نفسه .

على الجانب العملي لم يكن البرغوثي يوما في مواقفه السياسية أسير خطاب واحد فقد دعا إلى حل الدولتين وأكد رفض قتل المدنيين ودعا إلى العملية الديمقراطية والحوار لكنه في الوقت نفسه تمسك بحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال وهو مزيج سياسي يجعله مختلفاً عن الصورة التي تحاول بعض الدوائر الإسرائيلية تكريسها عن القيادة الفلسطينية المطلوبة حيث يستطيع أن يتحدث عن السلام دون أن يتخلى عن خطاب التحرر والثوابت الاساسية .

للحقيقة والموضوعية إن إطلاق سراح البرغوثي قد ينتج معادلة سياسية جديدة مختلفة تماماً وبدلاً من اللهاث بالبحث عن رئيس فلسطيني يستطيع إدارة الوضع القائم فان اطلاق صراحه قد يعيد إلى الساحة قائد قادر على تغيير الوضع نفسه وهذا هو الفارق بين رئيس يدير السلطة وفق الاملاءات الاسرائيلية ورئيس يحاول إعادة بناء شرعيتها وفق المبادئ والضرورات الوطنية .

امام هذا الواقع يتساءل كثير من المحللين السياسيين الفلسطينيين بقناعات واستغراب ه هل توجد تفاهمات خلف الكواليس وغرف التنسيق الأمني بين بعض دوائر السلطة الفلسطينية وإسرائيل أو بين أطراف فلسطينية وأجهزة الأمن الإسرائيلية لتعطيل ومنع الإفراج عن البرغوثي .

للمصداقية الصحفية والعلمية لا توجد حتى الآن أدلة علنية موثوقة تسمح بالقول إن هناك اتفاقاً سرياً بين السلطة الفلسطينية والشاباك لمنع إطلاق سراحه ولذلك سيكون من غير المهني تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة لكن مجرد وجود مصلحة مشتركة بين بعض الأطراف الفلسطينية في إبقاء البرغوثي خلف القضبان بعيداً عن المنافسة السياسية يستحق التوقف عنده لان هناك فرق كبير بين إثبات وجود صفقة سرية وبين الوصول الى تحليل يكشف بعض المستفيدين المحتملين من استمرار غيابه .

النظام السياسي في إسرائيل الرافض كليا لقيام أي قيادة فلسطينية تتمتع بقاعدة شعبية واسعة قد يجد في استمرار اعتقال البرغوثي مصلحة واضحة وبعض مراكز السلطة الفلسطينية التي تخشى إعادة توزيع النفوذ داخل فتح قد ترى بدورها ايضا أن غيابه يبقي ميزان القوى أكثر قابلية للسيطرة وهذه المصالح المتقاطعة لا تحتاج بالضرورة إلى اتفاق مكتوب أو غرفة عمليات مشتركة كي تنتج النتيجة نفسها .

الملاحظ في التفاصيل ان الخطر الأكبر على القيادة الفلسطينية الحالية لا يأتي فقط من شعبية البرغوثي بل من قدرته المحتملة على إعادة تعريف حركة فتح نفسها فإذا عاد إلى الضفة فلن يعود كعضو عادي في اللجنة المركزية وإنما سيعود بوصفه أحد أكثر أعضائها حصولاً على الأصوات وأكثرهم قدرة على مخاطبة القاعدة التنظيمية والشارع الفلسطيني معاً وهنا يصبح السؤال الملح وطنيا واسرائيليا ماذا سيحدث لو خرج البرغوثي وعاد إلى رام الله .

السيناريو الأول ربما يتم احتواءه داخل القيادة الحالية ومنحه موقعاً بارزاً في حركة فتح ومكانة سياسية كبيرة مقابل عدم خوض مواجهة معه على مركز القيادة وهذا السيناريو قد يبدو الأقل كلفة لكنه قد يفشل لأن قوة البرغوثي ليست في الموقع الذي يمنح له وإنما في القاعدة الشعبية التي تقف خلفه .

السيناريو الثاني أن يدخل البرغوثي في معركة داخلية لإعادة بناء حركة فتح واستعادة دور مؤسساتها وإجراء انتخابات داخلية حقيقية وهو ما قد يؤدي إلى إعادة توزيع واسعة لمراكز النفوذ ويضع أسماء كثيرة اعتادت إدارة الحركة والسلطة أمام اختبار شعبي وتنظيمي غير مسبوق سوف تخسر فيه الكثير .

أما السيناريو الثالث الأكثر إثارة هو أن يصبح البرغوثي مرشحاً للرئاسة الفلسطينية في انتخابات عامة وإذا حدث ذلك وإن المنافسة لن تكون مجرد معركة بين أسماء وإنما استفتاء على المرحلة السابقة كلها وعلى مستقبل السلطة الفلسطينية وعلى شكل العلاقة مع إسرائيل وعلى إمكانية إعادة توحيد شطري الوطن الضفة وغزة .

المتوقع في هذه الحالة ان تصبح إسرائيل أمام معضلة حقيقية فإذا منعته من الترشح ستتهم بأنها تمنع الفلسطينيين من اختيار قيادتهم وإذا سمحت له بالمشاركة ونجح فقد تجد نفسها أمام رئيس فلسطيني يمتلك شرعية شعبية لم يحصل عليها أي رئيس فلسطيني منذ سنوات طويلة والامر الأكثر تعقيداً أن البرغوثي قد يكون واحداً من الأسماء القليلة القادرة نظرياً على مخاطبة جمهور فتح وجزء من جمهور حماس في الوقت نفسه وهو ما يجعل احتمالات نجاحه في إعادة بناء الجسر بين الضفة وغزة أكبر من احتمالات معظم الشخصيات المستهلكة والمطروحة في المشهد الحالي .

وفق هذا التصور والتحليل يمكن فهم لماذا لا يتعلق الخوف الإسرائيلي بالبرغوثي كشخص بقدر ما يتعلق بما يمكن أن يمثله خروجه من السجن لان الرجل قد يتحول إلى عنوان لإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني بعد سنوات من الانقسام وقد يصبح الإفراج عنه بداية لمرحلة جديدة لا تستطيع إسرائيل التحكم بمخرجاتها بسهولة وأما داخل حركة فتح فإن عودته قد تفتح معركة أكبر من معركة الرئاسة نفسها وهي معركة تعريف الحركة لمن تكون ولمن تمثل وهل تبقى حركة تدير سلطة محدودة الصلاحيات في ظل الاحتلال أم تعود إلى مشروعها الوطني بوصفها أحد مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية .

هذا تحديداً هو الاختبار الذي يجعل اسم البرغوثي مزعجاً لدوائر كثيرة ووجوده في السجن يسمح للجميع بتأجيل السؤال أما خروجه فسيفرض السؤال فوراً من يمثل الفلسطينيين ومن يملك الشرعية ومن يختار القيادة وهل تأتي الشرعية من الترتيبات الأمنية والسياسية أم من صناديق الاقتراع ولذلك فإن قصة مروان البرغوثي ليست قصة رجل يقبع خلف القضبان منذ عام 2002 فحسب وإنما قصة مستقبل سياسي فلسطيني مؤجل وكلما طال سجنه ازداد تحوله من قائد سياسي إلى رمز وطني بارز وكلما اقتربت مرحلة الخلافة الفلسطينية أصبحت كلفة الإفراج عنه بالنسبة لبعض الأطراف اصعب وأكبر .

بالتوازي مع تطورات المشهد الفلسطيني العام فأن التطورات داخل فتح عام 2026 أظهرت المفارقة بوضوح شديد ففي الوقت الذي دخل فيه ياسر عباس إلى اللجنة المركزية باعتباره ابناً للرئيس الحالي احتفظ البرغوثي بمكانه داخل القيادة التنظيمية وحصل على أعلى الأصوات وهو ما يجعل المقارنة بين شرعية الموقع وشرعية الصندوق وشرعية التاريخ النضالي أمراً لا يمكن تجاهله وربما لهذا السبب تحديداً فإن معركة البرغوثي الحقيقية لا تجري داخل السجن فقط وإنما في الخارج أيضاً وهناك من يريد أن يبقى أسيراً حتى لا يدخل معركة الخلافة وهناك من يريد الإفراج عنه لأنه يرى فيه فرصة لإعادة بناء الشرعية الفلسطينية وهناك من يخشى أن يتحول إلى منافس لا يمكن احتواؤه وهناك من يعتقد أن وجوده قد يكون المدخل الوحيد لإعادة توحيد فتح والفلسطينيين .

ختاما قد يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا ترفض إسرائيل الإفراج عن مروان البرغوثي وإنما ماذا تخشى إسرائيل أن يحدث في اليوم التالي لخروجه والخوق انه إذا خرج من السجن لن يكون مجرد أسير محرر آخر بل سيخرج ومعه رصيد أربعة وعشرين عاماً من الأسر وذاكرة الانتفاضة وعضوية اللجنة المركزية وأعلى أصوات القاعدة التنظيمية وشعبية متكررة في استطلاعات الرأي ورمزية يستطيع أنصار فتح وحماس وغيرهما قراءتها كل على طريقته وهذا هو سر المسألة كلها وإسرائيل تستطيع أن تبقي البرغوثي خلف القضبان لكنها لا تستطيع أن تسجن شعبيته ولا أن تمنع اسمه من دخول كل معادلة تتعلق بمستقبل فلسطين وربما تكون المفارقة الأكبر أن الرجل الذي أرادت إسرائيل إخراجه من التاريخ السياسي الفلسطيني قد يعود في يوم ما ليكون واحداً من أكثر المرشحين قدرة على إعادة كتابة هذا التاريخ بكل ثقة واقتدار .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى