بعدما تحولت الحرب إلى عبء سياسي لا يمكن حسمه … هل يترك ترامب ملف إيران للرئيس الأمريكي المقبل ؟

د . مهدي مبارك عبدالله
ربما لم يعد السؤال المطروح في واشنطن اليوم فيما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة فعلا على مواصلة الضغط على إيران لان هذه القدرة ما تزال متوافرة عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا وإنما أصبح السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما يزال يمتلك طريقًا واقعيًا لتحويل هذا الضغط إلى إنجاز سياسي دائم يستطيع تقديمه للرأي العام الأمريكي بوصفه انتصارًا تاريخيًا وبعد أشهر طويلة من المواجهة العسكرية والضغوط الاقتصادية والمفاوضات المتعثرة يبدو ان الصراع دخل مرحلة مختلفة لم تعد فيها القوة وحدها قادرة على فرض النتائج كما لم تعد الدبلوماسية وحدها أيضا قادرة ايضا على إنتاج التفاهمات والتسويات وهو ما جعل مسار الحرب يتحول تدريجيًا من ورقة قوة في يد ترامب إلى عبء سياسي واستراتيجي يصعب عليه التعامل معه او حتى التخلص منه.
منذ بدء الازمة راهنت الإدارة الأمريكية على أن الضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية والحصار البحري ستدفع إيران إلى القبول بالشروط الأمريكية وفي مقدمتها وقف التخصيب النووي بصورة نهائية وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية وإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في المنطقة ووقف دعم الخلفاء وضمان حرية الملاحة الكاملة في مضيق هرمز إلا أن ما حدث على الأرض جاء مختلفًا تمامًا عن الحسابات الأمريكية بكل تفاصيلها حيث تمكنت إيران من الصمود وامتصاص الضربات والاحتفاظ بأدوات الردع الأساسية كما رفضت تقديم التنازلات التي اعتقدت واشنطن أنها ستصبح حتمية بعد اتساع الضغوط العسكرية والاقتصادية بل وانتقلت من مرحلة تلقي الضربات الى المبادرة بالهجمات الصاروخية المكثفة على القواعد الامريكية في معظم الدول المحيطة بالمنطقة .
بعد هذه التطورات غير المتوقعة في مسارات الحرب ظهرت معضلة ترامب الحقيقية حيث لم يستطيع إعلان الانتصار لأن أهداف الحرب لم تتحقق ولا يستطيع إعلان الفشل لأن ذلك سيعني ضربة قاسية لصورته السياسية التي قامت على شعار القوة والترهيب والحسم كما أنه في الوقت ذاته لا يستطيع الانسحاب بسهولة لأن ذاك سيُفسر على أنه اعتراف ضمني بعجز الولايات المتحدة عن فرض إرادتها على دولة ظلت تخضع لأقسى العقوبات منذ عقود وهكذا وجد ترامب نفسه محاصرًا بين خيارات كلها صعبة ومكلفة وكلما طال أمد الصراع ازدادت هذه الكلفة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وتصاعد معها الغضب الداخلي المعارض لاستمرار الحرب .
على الجانب الاخر كانت طهران تدرك هذه الحقيقة جيدًا ولذلك بقيت طوال مدة الصراع تبدو أقل استعجالًا للوصول إلى اتفاق مؤقت لا يعالج جوهر الخلافات الاساسية كما انها راهنت على عامل الزمن أكثر من رهانها على التصعيد العسكري وهي تعتقد أن استمرار الضغوط على الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الانقسام داخل الولايات المتحدة والحزب الجمهوري نفسه سيجعل موقف الرئيس الأمريكي في النهاية أكثر مرونة مع مرور الوقت ومن هذا المنطلق ظلت القيادة الإيرانية لا ترى نفسها مضطرة إلى تقديم أي تنازلات استراتيجية كبرى ما دامت ترى أن الوقت كان يعمل لصالحها أكثر مما يعمل لصالح البيت الأبيض.
في المقابل اصبح ترامب يواجه معادلة معقدة للغاية فإذا اختار الانتظار على أمل أن تؤدي العقوبات والحصار إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني فإنه قد يخاطر باستمرار إغلاق أو اضطراب الملاحة الدولية في مضيق هرمز وما يرافق ذلك من ارتفاع أسعار النفط والغاز وما ينعكس عنه من ضغوط تضخمية على الاقتصاد الأمريكي والعالمي وهي نتائج قد تتحول بسرعة إلى عبء انتخابي ثقيل خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية النصفية داخل الولايات المتحدة.
أما إذا ما اختار ترامب التصعيد العسكري فإن المخاطر تصبح أكبر بكثير خاصة وان الحرب الواسعة لن تضمن القضاء على البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام او فرض الاستسلام لكنها قد تؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة لتشمل الخليج والبحر الأحمر وربما إسرائيل بصورة أكثر مباشرة وهو ما يعني حتما استنزافًا متزايدًا للقدرات العسكرية الأمريكية وارتفاعًا هائلًا في تكاليف الحرب واحتمال تعرض القواعد الأمريكية والحلفاء الإقليميين في كل المنطقة لموجات جديدة وقاسية من الهجمات الكبيرة والمركزة فضلًا عن تراجع التأييد الشعبي الأمريكي والمعارضة لأي حرب طويلة في الشرق الأوسط وهو الأمر الذي تعهد ترامب أصلًا بإنهائه لا بتوسيعه.
المشهد العام لتوالي لأحداث اصبح يزداد خطورة وتعقيدًا امام ترامب بسبب الانقسام داخل الولايات المتحدة نفسها خصوصا مع وجود تيار جمهوري يدفع باتجاه تشديد الضغوط وعدم تقديم أي تنازل لإيران في ذات الوقت كان هنالك تيار آخر قوي ومؤثر يحذر من الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة أما بالنسبة للديمقراطيين فقد ظلوا يرون أن استمرار الحرب واستنزاف الموارد وارتفاع أسعار الوقود قد يتحول إلى نقطة ضعف سياسية للإدارة الحالية وبهذا لم تعد المفاوضات تدار بين واشنطن وطهران فقط بل أصبحت تدار بصورة اشرس داخل المؤسسات الأمريكية نفسها حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الحسابات الانتخابية بصورة غير مسبوقة.
عمليا لا تبدو العلاقات مع الحلفاء أفضل حالًا فدول الخليج تريد إنهاء التهديد الإيراني ولكنها لا تريد حربًا مفتوحة تدمر اقتصادات المنطقة بينما لا تخفي إسرائيل رغبتها في مواصلة الضغط العسكري حتى النهاية أما الأوروبيون فيزداد قلقهم من تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وهو ما يجعل الإدارة الأمريكية مطالبة بإدارة شبكة معقدة من المصالح المتناقضة يصعب الجمع بينها في سياسة واحدة.
المشكلة الأعمق تكمن في أن ترامب رفع منذ البداية سقف توقعاته ومطالب حلفائه إلى مستويات يصعب تحقيقها حيث قدم المواجهة مع إيران باعتبارها معركة ستفرض استسلامًا سياسيًا كاملاً عليها لكن الوقائع أثبتت أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالشعارات ولا بالقصف وحده وأن الدول الكبيرة قد تخسر جزءًا من قدراتها العسكرية لكنها لا تتخلى بسهولة عن أوراقها الاستراتيجية خصوصًا عندما ترى أن خصمها هو الآخر يخشى كلفة الحرب الطويلة نفسها .
وفق هذه التصورات ظهر بقوة الاحتمال الذي لم يعد مستبعدًا وهو أن يتحول الملف الإيراني إلى عبء مؤجل للمرحلة المقبلة وأن يكتفي ترامب بإدارة الأزمة ومنع انفجارها الكامل تاركًا للرئيس الأمريكي المقبل مهمة التوصل إلى التسوية النهائية سواء عبر اتفاق جديد أو تفاهمات مرحلية أو إعادة صياغة العلاقة مع إيران على أسس مختلفة وان التاريخ الأمريكي قدم أكثر من نموذج لرؤساء بدأوا مواجهات كبرى بينما جاء من خلفهم ليتحمل مسؤولية إنهائها عندما أصبحت كلفتها أكبر من فوائدها.
المفارقة الأهم في خضم هذه التحديات والاضطرابات أن ترامب هو الذي حشر نفسه إلى هذه الزاوية الضيقة حين ظل يبالغ في التهديد ويرفع سقف المطالب إلى الحد الأقصى ويربط نجاحه السياسي بإجبار إيران على الرضوخ الكامل ثم وجد أن أدوات القوة العسكرية لم تستطع فرض ما عجزت عنه العقوبات وأن التفاوض لا يستطيع تحقيق ما وعدت به لغة التصعيد والوعيد وبين رفض تقديم التنازلات التي يطلبها من طهران وعدم امتلاكه رؤية واضحة لشكل الاتفاق الممكن أصبح هامش المناورة أمامه يضيق يومًا بعد يوم دون أي امل بالانفراج .
اللافت في هذا السياق أن النقاش داخل واشنطن لم يعد يدور فقط حول كيفية تحقيق النصر في المواجهة مع إيران وإنما بدأ يلامس سؤالًا أكثر إحراجًا يتعلق بجدوى الاستراتيجية الأمريكية نفسها في الشرق الأوسط وما إذا كان استمرار الانتشار العسكري الواسع والقواعد والقوات والأساطيل قد أصبح يحقق لواشنطن من المكاسب أقل مما يفرض عليها من أعباء ومخاطر .
الحرب المتواصلة على إيران كشفت أن التفوق العسكري الأمريكي الهائل لا يعني بالضرورة القدرة على الوصول الى نهاية سياسية مضمونة وأن امتلاك القدرة على توجيه ضربات عسكرية مؤلمة لا يساوي امتلاك القدرة على إنهاء الحرب بالشروط التي تريدها واشنطن وهذه الفجوة المتصاعدة بين ( القدرة العسكرية والنتيجة السياسية ) قد تكون أخطر ما واجهه ترامب في هذه المعركة لأنها وضعته أمام خيارين أحلاهما مر إما الاستمرار في حرب تستنزف القوة والموارد وتبقي المنطقة مفتوحة على احتمالات التصعيد اللانهائي أو البحث عن مخرج سياسي قد لا يرقى إلى مستوى الوعود والتهديدات التي أطلقها في بداية المواجهة .
من هنا يمكن فهم التحول المحتمل في التفكير الأمريكي من محاولة حسم الملف الإيراني إلى محاولة إدارة المأزق بأقل الخسائر خاصو وانه حين تصل الحرب إلى مرحلة يصبح فيها الانتصار الكامل غير متاح والهزيمة العلنية غير مقبولة فإن الخيار الأكثر واقعية أمام الرئيس لا يعود البحث عن نصر عسكري حاسم وإنما صناعة مخرج سياسي يسمح له بإغلاق الملف أو تجميده دون أن يبدو وكأنه تراجع أمام خصمه وقد يكون هذا هو التفسير الأعمق لأي حديث أمريكي متزايد عن تخفيض الانخراط العسكري في الشرق الأوسط أو إعادة توزيع أدواره وأعبائه على الحلفاء الإقليميين .
للحقيقة والمصداقية قد لا تكون واشنطن في واردها مغادرة المنطقة لكنها قد تكون مضطرة إلى إعادة تعريف شكل وجودها فيها بعدما أثبتت التجربة أن القوة الأمريكية رغم ضخامتها لا تستطيع وحدها فرض نظام إقليمي مستقر وفق إرادتها وفي هذه الحالة يصبح تأجيل التسوية وليس تحقيقها هدفًا مرحليًا ويصبح الرئيس الامريكي المقبل مرشحًا لحمل الملف الذي عجز سلفه عن إغلاقه كما حدث في مراحل أمريكية سابقة تحولت فيها الحروب من مشروع انتصار إلى إرث سياسي ينتقل من إدارة إلى أخرى .
أخطر ما في هذه المعادلة أن أي انسحاب أمريكي جزئي أو إعادة انتشار عسكري لن تعني بالضرورة نهاية النفوذ الأمريكي بل ربما بداية مرحلة مختلفة منه مرحلة تعتمد فيها واشنطن بدرجة أكبر على الحلفاء والشراكات الإقليمية بدل الانتشار المباشر وتتحول فيها مهمة الولايات المتحدة من خوض الحروب بنفسها إلى إدارة موازين القوى ومنع خصومها من ملء الفراغ لكن نجاح هذا النموذج سيبقى مرهونًا بقدرة واشنطن على إقناع حلفائها بأنها لا تتخلى عنهم وفي الوقت نفسه إقناع خصومها بأنها لا تستعد لجولة عسكرية جديدة وهذه معادلة شديدة الصعوبة وقد تكون إيران هي الاختبار الأول والأكثر قسوة لها .
عبر التاريخ السياسي الأمريكي الحديث لم يكن هنالك ما يمنع تكرار مثل هذا السيناريو فقد سبق لرؤساء أمريكيين أن تعاملوا مع أزمات وحروب استعصت على الحسم بمنطق إدارة الأزمة وتقليص كلفتها بدل حلها نهائيًا ثم تركوا ما تبقى للرئيس الذي جاء بعدهم من نيكسون الذي أنهى التورط العسكري الأمريكي المباشر في فيتنام دون إنهاء الحرب إلى كارتر الذي انتهت أزمة الرهائن الإيرانيين مع انتهاء ولايته تقريبًا إلى بوش الابن الذي ترك لأوباما حربي العراق وأفغانستان مفتوحتين وعلى هذا الأساس فإن خروج ترامب من حرب إيران أو تجميدها قبل نهاية ولايته لا يعني بالضرورة أنه حسمها بل قد يعني ببساطة أنه نجح في إخراجها من حساباته السياسية وترحيل الجزء الأصعب منها إلى الرئيس الأمريكي المقبل .
ختاما : خلال التدقيق في كل ما سبق يكمن طرح بعض الاسئلة الافتراضية التي قد تحدد مستقبل هذا الصراع بأكمله اولها هل يحتاج ترامب فعلًا إلى اتفاق مع إيران لتحقيق أهدافه أم أنه بات يحتاج قبل ذلك إلى مخرج سياسي يحفظ ماء وجهه ويمنحه فرصة الادعاء بأنه حقق ما يمكن تحقيقه بعدما اصبحت أن المشكلة لا تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على مواصلة الضغوط، بل في قدرتها على تحويل هذه الضغوط إلى نهاية سياسية مستقرة وهل يستطيع ترامب مواصلة الحرب وإنهاءها بالشروط التي أعلنها في بدايتها خاصة وانه كلما طال أمد المواجهة تحولت من ورقة ضغط إلى إرث ثقيل وكلما ارتفع سقف المطالب ضاق هامش التراجع وهو ما قد يضطر ترامب في النهاية الى تجميد الملف الإيراني وترحيل تسويته إلى الرئيس الأمريكي الذي سيجلس بعده في المكتب البيضاوي وهنا قد لا تكون المعركة الحقيقية هي من ينتصر في الحرب وإنما من ينجح في الخروج منها بأقل قدر من الخسائر .
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية




