من غزة المدمرة إلى غزة الجديدة … ماذا يريد كوشنر من إعادة إعمار القطاع ؟

د . مهدي مبارك عبد الله

في اللحظة التي ما زالت فيها غزة تبحث بين الركام عن جثث الضحيا وبقايا البيوت وأسماء الشهداء وذكريات العائلات التي اختفت تحت الأنقاض يظهر جاريد كوشنر من جديد في عموم مشهد الالم الفلسطيني وهو يحمل خرائط وصورا لناطحات سحاب وموانئ ومناطق سياحية ومدن جديدة كما يتحدث بزهو وطموح عن غزة المستقبل والاقتصاد مزدهر وفرص العمل المتميزة والاستثمارات الضخمة وكأن مأساة غزة مجرد مشروع عقاري دولي تأخر إطلاقه وليس أرضا تعرضت لحرب مدمرة وابادة جماعية منظمة حيث ما زال أهلها يعيشون فوق أنقاض بيوتهم وتحت وطأة الاحتلال والحصار والنسيان .

هنا يصبح السؤال الواجب أكبر من مجرد تطلعات لإعادة الإعمار الى من سيدفع ثمن إعادة بناء غزة المدمرة ومن سملك القرار في غزة الجديدة ومن سيحدد شكلها ومن سيملك أراضيها وموانئها ومناطقها التجارية والسياحية ومن سيحصل على عقود البناء والاستثمار والادارة وهل حقا يمكن أن تتحول هذه المليارات التي ستتدفق إلى القطاع إلى فرصة تاريخية لتحويل مأساة الفلسطينيين إلى أكبر صفقة عقارية وتجارية في الشرق الأوسط اشك في كل ذلك .

كوشنر اليهودي المتصهين ليس دبلوماسيا تقليديا بريئا ولا هو رجل إغاثة ومبادئ وقيم جاء إلى غزة من زاوية إنسانية بحتة بل رجل أعمال ومطور عقاري معروف وصاحب رؤية سياسية قامت منذ سنوات على مزج الاقتصاد بالسياسة وتحويل الصراعات إلى صفقات ومكاسب والمناطق المتنازع عليها إلى مشاريع استثمارية وتجارية وهذه الخلفية وخدها تجعل من الضروري التعامل مع مشروعه في غزة باعتباره مشروعا اقتصاديا وسياسيا في آن واحد وليس مجرد خطة لإزالة الركام وبناء المنازل واعادة سبل الحياة لاهل غزة .

الخطة المغرية والمشكوك فيها التي عرضها كوشنر تحدثت عن أكثر من خمسة وعشرين مليار دولار لتأسيس البنية التحتية وتنظيم الخدمات العامة اضافة الى اقامة مناطق اقتصادية ومشروعات للتمويل والتدريب وميناء ومطار وشبكات طرق وقطارات ومناطق صناعية وساحل سياحي وأبراج سكنية وتجارية وتحويل غزة خلال سنوات قليلة قادمة إلى مركز اقتصادي إقليمي محوري قادر على خلق مئات آلاف الوظائف وفرص العمل وهذه الأرقام ايضا تكشف حجم الفرصة الاقتصادية الهائلة التي يجري النظر إليها لمستقبل غزة بعد الحرب .

المفارقة الاساسية انه حين تتحول مساحة ارض صغيرة مدمرة إلى ورشة بناء تمتد لسنوات وتحتاج إلى عشرات المليارات يصبح الحديث لا يعود عن إعمار بالمعنى الإنساني المحض بل عن إعادة توزيع ضخمة للأراضي والعقود والأصول والمشروعات والموارد وهو ما يطرح الهواجس الجوهرية حول المستفيد النهائي من هذه العملية والمشاريع اللاحقة التي لم تكشف عنها الخطة حتى الساعة .

خلال القراءة الدقيقة والمتابعة المتواصلة لمجريات الاحداث تظهر لنا خلفية كوشنر السياسية اليهودية المنحازة لاسرائيل حيث ارتبط اسمه سابقا بشكل مباشر بصفقة القرن التي قدمت حينها الاقتصاد باعتباره مدخلا لمعالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كما ارتبط ايضا باتفاقيات إبراهيم المشبوهة وبعلاقات واسعة مع دوائر القرار والاستثمار الخليجية ولذلك نجد بإن رؤيته القديمة والجديدة تبدو قائمة على فكرة أساسية مفادها أن تحسين الوضع الاقتصادي يمكن أن يكون مدخلا لإعادة تشكيل الواقع السياسي برؤية اسرائيلية وامريكية واضحة .

ربما يكون هذا هو موضع القلق الابرز اتجاه نواياه المتقلبة لأن غزة بالنسبة إلى كوشنر ليست مجرد أرض منكوبة وشعب مدمر وإنما موقع استراتيجي على البحر المتوسط يمكن أن يتحول بالدعم الاقليمي والدولي إلى مركز اقتصادي وسياحي وصناعي ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي ان نطرحه ليس لماذا يريد كوشنر إعمار غزة وإنما لماذا يريد أن يكون أحد أبرز مهندسي مستقبلها ومن أين جاء له هذا الاهتمام الاستثنائي بقطاع كان العالم يتعامل معه طوال عقود باعتباره مشكلة أمنية وإنسانية مغلقة .

اللافت ان أهمية ما يجري تزداد يوما بعد يوم عندما نعرف الابعاد الخفية للمخطط الاجرامي حيث يرتبط مشروع الإعمار الكوشنري بنزع سلاح حماس وباقي فصائل المقاومة ومباشرة الترتيبات الأمنية والسياسية المطلوبة قبل ان تنسحب اسرائيل من القطاع وهذا يعني أن المال يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي لى المقاومة والمواطنين وان البيت الذي هدمته الحرب لا يعود مجرد بيت يحتاج إلى إسمنت وحديد وإنما يصبح جزءا من عملية سياسية قذرة مشروطة بإعادة تشكيل السلطة والأمن والسلاح .

على ارض الواقع المعادلة الإنسانية حتما ستنقلب إلى معادلة سياسية ومن يملك المال سوف يستطيع تحديد الأولويات ومن يحدد الأولويات يستطيع التأثير في الجغرافيا ومن يسيطر على المشاريع الكبرى يستطيع التأثير في الاقتصاد ومن يسيطر على الاقتصاد يستطيع التأثير في القرار السياسي وهكذا يصبح اعادة الإعمار المنشود أداة استعمارية واستغلالية جديدة لإعادة هندسة غزة بدلا من أن يكون مجرد وسيلة طبيعية لإعادة روح الحياة إليها .

لعل الامر الأخطر الذي لا يعطيه العميل الصهيوني كوشنر اهتمامه الكافي أن غزة عبر التاريخ وحتى اليوم لم تكن أرضا بلا أصحاب حتى تأتي شركات دولية متعددة الجنسيات لتعيد تصميمها دون الاخذ بعين الاعتبار انها كانت قبل العدوان الاسرائيلي البربري مجتمع كامل له ذاكرة حيه وهوية تاريخية وحقوق مشروعة وملكيات مسجلة وعائلات ممتدة ومخيمات مأهولة ومزارعون نشطون وصيادون مثابرون وتاريخ مشرف وطويل من المقاومة والصمود ولهذا فإن أسئلة الملكية المطروحة ليست تفصيلا فنيا حول من سيملك الأرض بعد إزالة الركام ومن سيعوض أصحاب المنازل المدمرة ومن سيحصل على عقود تشغيل الميناء والمطار وبناء الطرق والمناطق الصناعية ولكن الاهم من كل ذلك من سيضمن ألا يتحول الفلسطيني صاحب الأرض إلى مجرد مستأجر أو عامل في مدينة بنيت فوق أرضه وسلبت فيها حقوقه .

عمليا مثل هذه الأسئلة قد تصبح أكثر إلحاحا عندما يكون المشروع مرتبطا بمصالح أمريكية وإسرائيلية وخليجية خفية ومتشابكة حيث تمتلك الولايات المتحدة النفوذ السياسي وإسرائيل تملك القوة العسكرية والأمنية والدول الخليجية تملك جزءا كبيرا من القدرة المالية اللازمة لإعادة الإعمار وكوشنر يتحرك في نقطة التقاطع بين هذه الأطراف جميعا ولذلك فإن مشروع غزة الجديدة يبدو أقرب إلى إعادة ترتيب شبكة مصالح إقليمية ودولية منه إلى مجرد مشروع بناء مدن وتطوير حياة .

في العمق قد لا يعني ذلك أن كل ما يطرحه كوشنر هدفه تحقيق منفعة شخصية مباشرة أو أن كل مشروع استثماري هو مؤامرة لكن الخطر الحقيق يبدأ عندما يصبح المنطق التجاري هو العدسة الأساسية التي ينظر من خلالها إلى مأساة سياسية عمرها عقود خاصة وان الاستثمار يحتاج إلى الاستقرار والاستقرار يحتاج إلى ترتيبات أمنية والحسابات الأمنية الإسرائيلية قد تتقاطع مع المصالح الاستثمارية الأمريكية في إنتاج غزة مستقرة وقابلة للحياة ولاستثمار ولكن الخوف الذي يتردد في النفوس ولا يغيب عن الاذهان هو عن أي استقرار يتحدثون ولصالح من .

بالمنطق العام إذا كان الاستقرار يعني إنهاء الحرب وحماية الفلسطينيين وإعادتهم إلى بيوتهم وضمان حقوقهم السياسية فهذا أمر ينبغي الترحيب به أما إذا كان في الباطن يعني تحويل غزة إلى منطقة منزوعة الإرادة السياسية ومحكومة أمنيا ومفتوحة أمام المستثمرين ومغلقة أمام أي مشروع وطني فلسطيني فهنا لا نكون أمام إعادة إعمار وإنما أمام إعادة تشكيل سياسي مشبوه للقطاع .

ما يجب على كوشنر وشركاه ان يعلموه جيدا ان غزة ليست شركة عامة والفلسطينيون ليسوا مساهمين في مشروع عقاري ووجود الدمار والركام ليس فرصة استثمارية والدم الفلسطيني الطاهر الذي سال فوق الأرض لا يمكن أن يتحول إلى رأسمال سياسي ومن الممكن بناء الميناء والمطار والأبراج والمناطق الصناعية لكن من سيملك قرار تشغيلها ومن سيسيطر على حدودها ومعابرها وبحرها وجوها ومن سيضمن سيادتها وهذه قد تكون أخطر نقطة في المشروع كله لأن الاحتلال لا يحتاج دائما إلى إدارة كل شارع بصورة مباشرة إذا كان يستطيع التحكم في الحدود والمياه والجو والمعابر والأمن والاقتصاد وبذلك يمكن أن تصبح غزة حديثة عمرانيا لكنها ناقصة سياديا ومزدهرة اقتصاديا لكنها مقيدة سياسيا .

تكرار الحديث عن غزة باعتبارها ريفييرا جديدة أو مركزا اقتصاديا إقليميا قد يبدو جذابا في المؤتمرات والعروض الاستثمارية لكنه يصطدم بحقيقة أن سكانها الذين يعيشون فوق الركام لا يبحثون عن الأبراج قبل أن يبحثوا عن الأمان والكرامة والعودة إلى بيوتهم واستعادة حقوقهم وانتشال شهدائهم .

السؤال الاقتصادي لا يقل أهمية عن السؤال السياسي فمن سيدفع عشرات المليارات ومن سيديرها ومن سيحدد العقود والمناقصات ومن سيضمن ألا تتحول أموال إعادة الإعمار إلى أرباح ضخمة لشركات أمريكية وإسرائيلية وعربية ودولية بينما يبقى الفلسطينيون مجرد عمال في مشاريع تقام فوق أرضهم ومن سيضمن أن تكون ملكية الأرض والقرار الاقتصادي بيد أصحابها .

لقد أثبت التاريخ الفلسطيني أن تحسين الظروف الاقتصادية لا يلغي المطالب الوطنية فالاقتصاد نتيجة للاستقرار والحرية وليس بديلا عنهما ولذلك فإن أي مشروع يريد أن يقدم للفلسطيني بيتا ووظيفة وطريقا وميناء مقابل التخلي عن الدولة والسيادة والقدس واللاجئين وحق العودة هو في الحقيقة محاولة لاستبدال الحقوق السياسية بالمنافع الاقتصادية وهنا يجب التمييز بوضوح بين إعادة إعمار غزة وإعادة استثمار غزة .

لا شك أن غزة تحتاج إلى عشرات المليارات وإلى الخبرات العربية والدولية وإلى الموانئ والمطارات والمناطق الصناعية وإلى اقتصاد حديث يوفر العمل والحياة الكريمة لكن كل ذلك يجب أن يأتي في خدمة الفلسطيني لا بديلا عن الفلسطيني وأن تكون إعادة البناء وسيلة لاستعادة الحياة والسيادة لا وسيلة لإعادة صياغة القطاع بما يتناسب مع مصالح المستثمرين والقوى التي تملك المال والسلاح والنفوذ .

الخطر الابرز في مشروع كوشنر وترامب وإسرائيل ليس أن تتحول غزة إلى مدينة حديثة لان هذا أمر يتمناه كل فلسطيني وإنما أن تتحول الحداثة إلى غطاء لانتزاع القرار وأن تتحول المليارات إلى وسيلة لشراء الذمم و الصمت وأن يتحول نزع السلاح إلى نزع الإرادة وأن تتحول إعادة الإعمار إلى إعادة تشكيل سياسي واقتصادي للقطاع يخدم إسرائيل ومصالح المستثمرين أكثر مما يخدم أهله لذلك يجب أن يكون المبدأ واضحا منذ البداية غزة ليست عقارا معروضا للاستثمار ولا مشروعا تجاريا بلا أصحاب وإعادة إعمارها لا يمكن أن تبدأ من المستثمر وتنتهي بالفلسطيني بل تبدأ بالفلسطيني وتنتهي ببناء اقتصاد قوي له ولأرضه ودولته ومستقبل اجياله .

ختاما : الكثيرين من المحللين والمراقبين الاقليميين والدوليين لا زالوا يخشون انه اذا تم تنفيذ هذا المخطط الصهيوني الخبيث الا تعود غزة إلى أهلها بعد أن يعود إليها العمران وأن ترتفع الأبراج فوق أرضها بينما يبقى القرار خارجها وعندها لن تكون العملية الفعلية إعادة إعمار غزة وإنما إعادة استثمار مأساتها وخرابها وإعادة توزيع ما تبقى من أرضها وثروتها ونفوذها تحت غطاء السلام والازدهار والتنمية وهذه هي الغاية التي يجب أن يحذر منها الفلسطينيون والعرب قبل أن تتحول إعادة الإعمار من فرصة لإنقاذ غزة إلى وسيلة لإعادة صياغتها بما يخدم أهداف ومصالح كوشنر وترامب ونتنياهو .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى