بين حوكمة الرعاية وقطع جسور التكافل: عندما تُحاصر الإجراءات روح التطوع والدمج المجتمعي

بقلم: عبدالكريم غازي الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
في فلسفة الرعاية الاجتماعية الحديثة، لا يُقاس نبل المؤسسات بما تقدمه من أسِرّة دافئة أو وجبات طعام منتظمة فحسب، بل بمقدار ما تفتحه من نوافذ للأمل، وما تبنيه من جسور إنسانية تصل كبار السن بمحيطهم الحيوي. فالإنسان في خريف عمره لا يقتات على السعرات الحرارية بقدر ما يتغذى على اللمسة الحانية، والكلمة الطيبة، والشعور المستمر بأنه ما زال جزءاً لا يتجزأ من النسيج المجتمعي.
ولطالما شكلت دور رعاية المسنين واحات ناصعة للتكافل، تتدفق إليها همم الشباب والمبادرات التطوعية، محمّلة بالحب والهدايا ووجبات المحبة التي يُعدونها أو يجلبونها ليتشاركوا بها مع آبائنا وأمهاتنا على مائدة واحدة. غير أن بوادر القرارات التنظيمية الصارمة والتعاميم المغلّقة التي تعتمد مبدأ المنع المطلق لإدخال الوجبات، واشتراط تحويل التبرعات العينية إلى مجرد توريد تمويني للمواد النيئة، تفتح باباً واسعاً للحيرة، وتضعنا أمام تساؤل أخلاقي ومهني عميق: أين تنتهي حوكمة الرعاية، وأين يبدأ جفاف الإجراءات؟
أولاً: سلامة الغذاء.. حقٌ مشروع وواجبٌ لا نختلف عليه
بدايةً، ومن واقع المسؤولية المهنية في مجال تمكين ورعاية كبار السن، نؤكد بلا تردد أن سلامة الغذاء وضبط الاشتراطات الصحية في دور الرعاية يُعدّ خطاً أحمر لا يقبل التهاون. فالجسد الإنساني في هذه المرحلة العمرية يمتلك حساسية عالية تجاه أي خلل في سلسلة التبريد أو ظروف التحضير والنقل. إن حرص الإدارات على ضبط هذا الجانب هو مطلب مشروع نثمنه ونشجع عليه.
ولكن، في الإدارة الاستراتيجية للمؤسسات الاجتماعية، هناك فارق جوهري بين “إدارة المخاطر بالحلول المرنة” وبين “إلغاء المبادرات بالمنع الصارم”. إن معالجة مخاوف السلامة الغذائية عبر قطع الشريان الإنساني بالكامل تشبه إغلاق المدرسة لتجنب انتقال العدوى؛ إجراءٌ يحقق الأمان الظاهري، لكنه يدمر الغاية الأسمى للمؤسسة.
ثانياً: البُعد النفسي والدمج المجتمعي.. الغاية المغيبة
إن الخطورة الحقيقية لمثل هذه القرارات لا تقف عند حدود المطبخ أو المخزن، بل تتجاوزها لتصيب “فلسفة الدمج المجتمعي” في مقتلها—وهي الفلسفة الاستراتيجية التي تحث عليها وزارة التنمية الاجتماعية وتدعو إليها كل المواثيق الإنسانية.
عندما يُجبر المتبرع أو الفريق التطوعي على تحويل مساهمته إلى مجرد شحنة من الأرز أو اللحوم النيئة تُسلّم للمخازن، فإننا ننتزع من العمل الخيري قبسه الوجداني. إن الوجبة التي يحملها المتطوع ليست مجرد “طعام”، بل هي “دعوة للمشاركة والوئام”؛ هي الذريعة الجميلة التي تجعل الشاب يجلس إلى جوار المسن، يتبادلان الحديث، وتنساب بينهما الضحكات والذكريات.
إن استنكاف المتطوعين وانفضاض المبادرات نتيجة التعقيدات الإدارية سيعيد فرض جدار صلب من العزلة والوحدة على كبار السن. وتؤكد التجربة الميدانية والدراسات النفسية المتخصصة أن الشعور بالانقطاع والتهميش هو المُعرّض الأول لتدهور الصحة النفسية والجسدية للمسن، حيث يتسلل الاكتئاب والشعور بالفقدان إلى قلوبهم بمجرد أن تخبو حركة الزوار وينقطع صخب الأحفاد المتطوعين من حولهم.
ثالثاً: وهم التراجع عن القرار.. وكلفة استعادة الزخم المفقود
قد تعتقد بعض الإدارات أن تطبيق مثل هذه القرارات لفترة تجريبية تجعلها قابلة للإلغاء لاحقاً في حال ظهور نتائجها السلبية، إلا أن هذا الفهم يتجاهل ديناميكية العمل الاجتماعي وشغف المبادرات الشبابية.
* خسارة الثقة والزخم: إن البيئة التطوعية المعاصرة تقوم في أصلها على التنافس الاستراتيجي والجذب التشاركي لاستقطاب طاقات الشباب، وليس على التنفير ووضع المصدات الإدارية.
* صعوبة استعادة الشركاء: عندما يُغلق الباب في وجه المبادرة أو المتبرع، يتجه السلوك الطبيعي فوراً للبحث عن بدائل واستثمار جهوده في مؤسسات أخرى تُبدي مرونة وترحيباً أعلى. وإذا ما أدركت المؤسسة خطأها لاحقاً وحاولت التراجع عن قرارها، فلن يكون من السهل إطلاقاً استعادة تلك الفرق والمبادرات بعد أن تكون قد بنت شراكات جديدة واستقرت في قنوات خيرية بديلة، مما يوقع المؤسسة في عزلة طويلة الأمد.
رابعاً: نحو المقاربة الرشيدة: كيف نجمع بين العقل والقلب؟
إن الحوكمة الناجحة لقطاع الرعاية الاجتماعية لا تدار بمنطق “المنع المطلق”، بل بشرعنة “التسهيل الآمن”. ومن موقع الخبرة والتخصص، نضع أمام صناع القرار والإدارات المعنية معالم طريق تضمن سلامة الجسد دون أن تقتل روح الأمل:
1. الاعتماد والرقابة بدلاً من الإغلاق: تحديد قائمة بالشركاء من المطاعم والمطابخ الإنتاجية المعتمدة ذات الترخيص الصحي العالي، مما يضمن سلامة الوجبة ويسهل على المتبرع.
2. بروتوكول “المائدة المشتركة”: إتاحة الفرصة للمبادرات والمتطوعين لتمويل الوجبات التي تُطهى داخل الدار نفسها، مع منحهم حق الحضور والمشاركة في إعداد الموائد وتناول الطعام مع المسنين لضمان البعد النفسي والدمج المجتمعي.
3. تغليب لغة الجذب والاحتواء: احتواء المبادرات الشبابية وإعادة توجيه طاقاتها نحو مجالات الدعم الموازي (كالبرامج الترفيهية، والأنشطة التأهيلية، والدعم النفسي)، وتطوير أدوات استقطابهم بدلاً من تنفيرهم.
كلمة أخيرة..
إن الرعاية الصحيحة لكبار السن ليست معادلة حساسية وصحة فقط، بل هي معادلة كرامة وحب واندماج. دعونا لا نجعل من الإجراءات التنظيمية أسباباً لبناء أسوار عالية تجعل دور الرعاية جزراً معزولة عن دفء المجتمع. نأمل من كل القائمين على هذا القطاع الإنساني النبيل إعادة النظر في القرارات الاحادية، وتبني الحلول التي تحفظ للغذاء سلامته، وللمسن كرامته وبهجته، وللمتطوع شغفه وعطاءه.
عبدالكريم الشنون



