ترامب يسخر من شعبية اسم النبي محمد.. حين ينحدر رئيس أمريكا إلى قاع الابتذال و قعر القذارة

د . مهدي مبارك عبد الله

ليست كل إهانة زلة لسان وليست كل سخرية دعابة بريئة وليس كل من امتلك منصة انتخابية ورئاسة دولة عظمى يحق له أن يحوّل مقدسات مئات الملايين من البشر إلى مادة للتندر الرخيص ثم يتوقع أن تمر إساءته بلا حساب أخلاقي أو سياسي وهذا بالضبط ما يجعل تصريحات دونالد ترامب عن اسم ( النبي محمد صلى الله عليه وسلم ) أكثر من مجرد نكتة سمجة ألقاها أمام حشد انتخابي في دالتون بولاية جورجيا سخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من شعبية اسم محمد في العالم الإسلامي بينما كان يتهكم على الرئاسة في ‌إيران .

خلال خطاب انتخابي عقد يوم الجمعة 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 قال ترامب أمام حشد في ولاية جورجيا ومن داخل حظيرة طائرات في مطار دالتون أتعلمون إذا كنتم في شك بشأن اسم شخص ما من الشرق الأوسط، فما عليكم سوى أن تقولوا محمد لديكم فرصة صواب بنحو 65 في المئة مرحبا يا محمد أفعل ذلك منذ سنوات ولم أخطئ أبدا ثم تظاهر بسؤال عدة أشخاص يدعون محمد عمّا إذا كانوا يريدون تولي المنصب وقد قوبلت الدعابة برد فعل فاتر من الحشد الا ان هذا الحديث المستهتر كشف بوضوح عن عقلية سياسية حاقدة تتعامل مع المسلمين باعتبارهم كتلة بشرية يجوز اختزالها والسخرية منها واستثمار ازدرائها في سوق الأصوات الانتخابية.

حين يقف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ويصرح بمثل هذه الهرطقات المرضية فإن القضية لم تعد تتعلق باسم شائع فحسب بل بالطريقة التي اختار بها رئيس دولة تدعي قيادة العالم الحر في أن يستعرض بها ذكاءه المسموم أمام جمهوره حيث أراد أن ينتزع الضحك من اختزال ملايين البشر في قالب واحد وأن يجعل من اسم يرتبط في وجدان المسلمين بنبيهم الكريم مادة للتندر السياسي المقزز وكأن السخرية من هوية الآخرين دليل قوة واحتقار مشاعرهم علامة تفوق بارزة .

ليعلم ترامب الابله والحقير ان اسم نبينا محمد ليس نكتة سخيفة في أفواه المقامرين ولا هو كلمة عابرة في قاموس الحملات الانتخابية ولا هو تفصيل صغير تستطيع أن يمرر من خلاله احتقاره للمسلمين تحت لافتة الفكاهة بل إنه اسم يحمله ملايين البشر في مختلف القارات ويستحضره المسلمون محبة لنبيهم وإجلالا لسيرته ورسالته ولا يحتاج مقام النبي الكريم إلى دفاع من رئيس أمريكي عربيد ومبتذل أو ان يأخذ إذن مسبق من البيت الأبيض حتى يحتفظ بمكانته في ضمائر أتباعه وان من يحتاج إلى مساءلة فعلية وجادة هو هذا صاحب الانحدار الاخلاقي والقيمي في مفهوم الخطاب السياسي وحين يصبح ازدراء جماعة دينية وسيلة لاسترضاء جمهور انتخابي وعندما يتعامل رئيس يفترض أن يمثل جميع مواطني بلاده مع المسلمين وكأنهم هدف مشروع للاستهزاء والتشكيك والتمييز يصبح الخزي والعار اكبر واعظم .

الأمر الأشد دلالة أن هذه السخرية جاءت في سياق حديث عن إيران بما يحمله ذلك من استدعاء متعمد لصورة نمطية عن المسلمين في الشرق الأوسط، وكأن مئات الملايين من البشر لا يختلفون في ثقافاتهم ومواقفهم وخياراتهم وأن مجرد طرح الاسم يكفي لتعريف الإنسان واختزال عقله وهويته وكرامته رغم ان هذا ليس قوة في الحجة وسخرية سياسية ذكية بل هو هروب من واقع مأزوم ومهزوم إلى أحط واحقر أشكال الابتذال حيث يستبدل ترامب الخطاب ومناقشة السياسات بتصنيف البشر ويستعيض عن الدليل والبرهاان بالتنميط والاساءة وعن احترام الاختلاف باستعراض الاستعلاء والنرجسية الخرقاء .

ليست بطولة ولا هي رجولة أن يختبئ ترامب خلف كلمة ادعائه بالمزاح كلما انكشف خلل وعيب وسقوط في حديثه وخطابه حاصة وان السياسي القدير الذي يعرف جيدا قيمة الكلمات في تعبئة الجماهير لا يستطيع أن يتصرف كأن تصريحاته لا تحمل أي مسؤولية وحين تتكرر الإشارات والتفاهات المهينة للمسلمين والمهاجرين والأقليات وعندما يصبح المرشح المسلم أو النائبة المسلمة مادة للاستهداف الشخصي فإن الحديث عن المزاح العابر لا يعود تفسيرا مقنعا ومقبولا بل يصبح محاولة خبيثة لتخفيف وقع خطاب ممجوج يستحق النقد والمحاسبة لإن أخطر ما في هذا الأسلوب ليس ذكر عبارة واحدة بل تطبيع السخرية من جماعات بشرية كاملة حتى يبدو التمييز رأيا عاديا والازدراء شجاعة والإهانة مهارة انتخابية وقدرة مبهرة على جلب المؤازرين .

المفارقة التي تستحق أن تُقال بوضوح هي أن من يطالب الآخرين باحترام الولايات المتحدة ورئيسها ومؤسساتها ثم يستخف بمشاعر الآخرين ومقدساتهم ورسالاتهم ورسلهم يجب ان بفهم جيدا ان الاحترام ليس امتيازا أمريكيا تمنحه واشنطن لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء وليس هو ايضا قانونا يسري على خصومها ويعفى منه رئيسها ومن يرفع شعار الحرية عليه أن يعي أن حرية التعبير لا تعني الإعفاء من النقد والرد وأن حقه في الكلام لا يمنحه حصانة أخلاقية من كشف التفاهة والحقارة حين تتخفى في ثياب النكتة القذرة ولا يحوّل الإساءة إلى فضيلة لمجرد أن صاحبها يجلس في المكتب البيضاوي .

المسلمين في كل اركان الارض ليسوا مطالبين بإثبات كرامة نبيهم لمن يسخر من اسمه ولا باستجداء الاحترام من سياسي معتوه ومختل علقليا يعتقد أن كل شيء قابل للمساومة في سوق الدعاية المصلحية لكنهم في المقابل مطالبون مثل سائر أصحاب المعتقدات والكرامات الإنسانية بألا يسمحوا للخطاب المتعالي والموجه ضدهم أن يفرض عليهم معادلة الإهانة والصمت وان الرد الأبلغ على السفلة والمجانين ليس في الانزلاق إلى كراهية مضادة بل في تسمية السلوك باسمه وفضح تناقضاته وفضح اهدافه ومطالبة المؤسسات المدنية والإعلامية والسياسية في الولايات المتحدة بأن تقيس خطاب رئيسها بالمعايير نفسها التي تستخدمها حين يتعلق الأمر بغيره.

عمليا لقد كشف ترامب بهذه السخرية الساقطة حدود ما يقدمه من خطاب سياسي حين ينفد رصيد لغة المنطق والعقلانية والتبرير ولا يبقى في اليد سوى التنميط والاستهزاء الاستعراضي وان الرئيس الذي يحتاج إلى تحويل اسم نبي عظيم إلى مادة للضحك كي يحرّك جمهوره لا يقدم دليلا على قوة شخصيته بل يكشف إفلاسا في احترام التنوع الإنساني والعقائدي ويظهر خللا في فهم معنى المسؤولية العامة وقد يصفق له بعض الحاضرين وقد تمر العبارة في زحام الأخبار لكن هذا لا يجعل من الابتذال والنذالة حكمة خاصة وان المنصب الرئاسي لا يحوّل الإساءة إلى شرف والسلطة العليا لا تمنح صاحبها حق الاستعلاء على ضمائر الشعوب ومقدساتهم .

ختاما : نقول لترامب مسعور البيت الاسود حقا وصدقا انه يمكنك أن تراهن في الكازينوهات على المال الحرام وفي المواخير على العاهرات وفي السياسية على صنوك نتنياهو وأن تخوض مقامراتك وشطحاتك على حساب خصومك لكنك لا تملك ابدا أن تراهن على كرامة المسلمين ومكانة نبيهم ولا أن تفرض عليهم الصمت حين تجعل مقدساتهم مادة لاستعراضك الانتخابي المنتظر لان اسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكبر من سخريتك ودونه الرقاب وشلالات الدماء ولتبقى انت سادر في غيك وغارق في حماقاتك وحملاتك وان التفافنا حول اسم محمد سيبقى ما دامت الحياة سياجا وحصنا اقوى وأعظم من أن تنال منه نكتة رخيصة من سكير ارعن وخائب منهزم .

سيبقى ترامب امام التاريخ وشرفاء امريكا واحرار العالم مسؤولا قانونيا وادبيا واخلاقيا عن كلماته مهما حاول تغليفها بدعابة المزاح الكريه ومهما أحاط به التصفيق والتطبيل والنفاق فليس كل من يضحك جمهوره رئيسا عظيما وليس كل من امتلك القوة امتلك الاحترام وهو اعلم بذلك والرجال لا يقاسون بما يملكون من سلطة او بما لديهم من جراءة في الوقاحة والاستخفاف بالأخرين بل بما يكشفونه من أخلاق حين يظنون أن لا أحد يستطيع محاسبتهم وان تردده فيما قاله لاحقا لن يغسل قبح الإساءة ولن يحوّل الابتذال إلى شجاعة.

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى