الاتفاق الأميركي ـ الإيراني : التسوية التي كشفت تراجع النفوذ الإسرائيلي في صناعة القرار الدولي !
د . مهدي مبارك عبد الله
لا تبدو ردود الفعل الإسرائيلية على اتفاق التفاهم الأميركي الإيراني المرتقب مجرد اعتراض اعتيادي على اتفاق سياسي أو تفاوضي بين خصمين تاريخيين بل عكست حالة أعمق من القلق الاستراتيجي المرتبط بمكانة إسرائيل نفسها داخل منظومة القرار الأميركي ومستقبل دورها في رسم معادلات الشرق الأوسط خاصة وان النقاش الدائر في تل أبيب لم يعد يتركز فقط على البنود التقنية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني أو آليات الرقابة والتفتيش وإنما تجاوز ذلك إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بمدى قدرة إسرائيل على التأثير في القرارات الأميركية عندما تتعارض أولويات واشنطن مع الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي
المشهد السياسي والإعلامي الإسرائيلي برمته كشف ايضا عن إجماع نادر بين الحكومة والمعارضة ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام على اعتبار الاتفاق تطوراً سلبياً من وجهة النظر الإسرائيلية وان الفشل الذريع والمُجلجل والمُدوّي لم يكن من نصيب نتنياهو فقط بل من نصيب إسرائيل ككيانٍ غير أن هذا الإجماع لا يخفي وجود خلافات واسعة حول أسباب ما جرى والجهة المسؤولة عنه وبينما ترى أوساط قريبة من حكومة نتنياهو أن الإدارة الأميركية تراجعت عن شروط كانت ترفعها سابقاً تجاه إيران تحت ضغوط واعتبارات اقتصادية وإقليمية ودولية فيما تعتبر شخصيات معارضة أن القيادة الإسرائيلية بالغت في تقدير نتائج المواجهة العسكرية مع إيران وافترضت أن القوة العسكرية ستقود إلى استسلام سياسي كامل يفرض على طهران شروطاً قصوى لم يتحقق أي منها عملياً
اللافت أكثر أن الاعتراض الإسرائيلي لم يقتصر على الملف النووي وحده ومنذ سنوات طويلة كانت إسرائيل تدفع باتجاه اتفاق شامل يتناول البرنامج النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطين بطهران في لبنان واليمن والعراق وسوريا أما التفاهم الجاري الحديث عنه فقد ركز بصورة رئيسية على منع إيران من امتلاك سلاح نووي من دون التطرق بصورة حاسمة إلى الملفات الأخرى التي تعتبرها إسرائيل جوهر التهديد الحقيقي لمكانتها الاستراتيجية وأمنها القومي
لهذا السبب وصفت شخصيات إسرائيلية عديدة الاتفاق ايضا بأنه هزيمة سياسية أكثر منه تسوية دبلوماسية خاصة وان الحرب الأخيرة وما سبقها من عمليات عسكرية واسعة روج لها داخل إسرائيل باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتقليص النفوذ الإيراني بصورة جذرية وربما فتح الطريق أمام ترتيبات إقليمية جديدة تكرس التفوق الإسرائيلي لعقود مقبلة لكن أن النتيجة التي بدأت تتبلور اليوم تشير إلى أن إيران خرجت من المواجهة وهي لا تزال قادرة على التفاوض من موقع قوة نسبية وتحافظ على جزء مهم من أوراقها السياسية والعسكرية والإقليمية
بالتدقيق نجد ان حساسية هذا الشعور تزداد داخل إسرائيل لأن الاتفاق لا يأتي بعد انتصار حاسم أو انهيار للنظام الإيراني كما كانت تراهن بعض الأوساط الإسرائيلية والأميركية وان طهران تعرضت بلا شك لضربات مؤلمة لكنها لم تنهزم ولم تتخل عن مشروعها الإقليمي ولم تفقد قدرتها على التأثير في ملفات المنطقة بل إن انتقالها من ساحة المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض مع واشنطن منحها من وجهة نظر كثير من الإسرائيليين اعترافاً ضمنياً بأنها لا تزال لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه أو استبعاده من معادلات الشرق الأوسط
الأزمة المتفاقمة تبرز بصورة أوضح عند تناول طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة خلال هذه المرحلة بعد متابعة التقارير التي تحدثت عن محادثات متوترة بين نتنياهو ومسؤولين أميركيين والتصريحات المنسوبة للرئيس دونالد ترامب بشأن ضرورة التزام إسرائيل بمسار التهدئة والتي أعادت إلى الواجهة قضية قديمة تتعلق بحدود النفوذ الإسرائيلي داخل واشنطن وعلى الرغم من متانة التحالف العسكري والأمني بين الطرفين الا إن التطورات الأخيرة أظهرت أن الولايات المتحدة تبقى صاحبة القرار النهائي عندما يتعلق الأمر بتحديد موعد الحرب وموعد إنهائها وشكل التسويات المقبولة ومضمونها حيث لم تسمح للكيان بالمشاركة في صياغت بنود الاتفاق أو معرفة تفاصيله مما جعل نتنياهو يطلق العنان لأبواقه لشن حربٍ شعواء ضد حليفه ترامب
الحقيقة التي شكلت صدمة لكثير من النخب الإسرائيلية التي اعتادت النظر إلى العلاقة الخاصة مع واشنطن باعتبارها ضمانة دائمة لتبني الرؤية الإسرائيلية غير أن الإدارة الأميركية الحالية بدت أكثر اهتماماً بإنهاء الحرب وتخفيف الضغوط الاقتصادية العالمية وضمان انسياب الطاقة والتجارة الدولية من اهتمامها بتحقيق الأهداف القصوى التي كانت إسرائيل تسعى إليها وبذلك ظهرت فجوة واضحة بين رؤية إسرائيل التي أرادت استثمار الإنجاز العسكري لإحداث تغيير استراتيجي طويل الأمد وبين رؤية ترامب الذي كان يبحث عن مخرج سياسي سريع يمكن تسويقه باعتباره نجاحاً دبلوماسياً واقتصادياً
عمليا لا يمكن فصل هذا التحول عن المأزق الذي واجهه المشروع السياسي الذي حمله نتنياهو طوال السنوات الماضية والقائم على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن تفوقاً إسرائيلياً مطلقاً ويحد من قدرة القوى المنافسة على التأثير في معادلات المنطقة سيما وان الحرب على إيران كانت بالنسبة إلى قطاعات واسعة داخل اليمين الإسرائيلي تتجاوز مجرد مواجهة أمنية أو عسكرية لتشكل محطة مفصلية في مشروع أوسع يهدف إلى إعادة رسم موازين القوى الإقليمية بصورة تمنح إسرائيل موقع اللاعب الأوحد القادر على فرض شروطه الاستراتيجية الا أن العودة إلى التفاوض مع طهران بدلاً من فرض الاستسلام عليها أظهرت حدود هذا المشروع وكشفت أن إعادة هندسة المنطقة بالقوة العسكرية وحدها ليست مهمة سهلة كما كان يعتقد أصحاب هذا التصور
ربما أخطر ما اقلق المؤسسة الإسرائيلية اليوم هو أن الاتفاق المرتقب قد لا يكون مجرد تسوية مؤقتة بل بداية مرحلة جديدة تعود فيها إيران تدريجياً إلى الساحة الإقليمية والدولية من بوابة الشرعية السياسية والتفاهمات الدولية وهو ما يعني عملياً أن سنوات طويلة من الضغوط والعقوبات والحروب لم تنجح في إقصائها من المشهد كما كانت تأمل تل أبيب وإذا تمكنت طهران من تثبيت موقعها التفاوضي والحفاظ على جزء معتبر من قدراتها الاستراتيجية فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف السردية الإسرائيلية التي قامت على أن القوة العسكرية قادرة وحدها على حسم الصراعات وإخراج الخصوم من المعادلة
من هنا يمكن فهم حجم الغضب الذي ظهر في تعليقات عدد من المحللين الإسرائيليين الذين اعتبروا أن إسرائيل لم تعد شريكاً فعلياً في صناعة الاتفاق بل أصبحت موضوعاً من موضوعاته والاتفاق لم يحدد فقط ما ستفعله إيران وما ستلتزم به الولايات المتحدة وإنما فرض بصورة غير مباشرة حدوداً جديدة على حرية الحركة الإسرائيلية مستقبلاً سواء في مواجهة إيران نفسها أو في الساحات المرتبطة بها
الساحة اللبنانية بقيت تحتل مكانة خاصة في هذه الحسابات وإسرائيل تدرك أن أي تفاهم أميركي إيراني ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل المواجهة مع حزب الله وعلى طبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان ولذلك تحاول تل أبيب التمسك بحرية العمل العسكري هناك ورفض أي ترتيبات قد تقيد قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية أو فرض وقائع ميدانية جديدة غير أن إدماج الملف اللبناني بصورة أو بأخرى ضمن التفاهمات الإقليمية الجديدة يعني أن هامش المناورة الإسرائيلي قد يصبح أكثر ضيقاً مما كان عليه خلال السنوات الماضية
إسرائيل تدرك كذلك أن الخطر لا يقتصر على مضمون الاتفاق الحالي بل يمتد إلى ما قد ينتجه من تحولات سياسية بعيدة المدى وإذا نجحت طهران في تجاوز مرحلة المواجهة العسكرية والوصول إلى تفاهمات مستقرة مع واشنطن فذلك سيمنحها شرعية سياسية أوسع ويشجع عدداً من دول المنطقة على إعادة بناء علاقاتها معها انطلاقاً من قناعة بأن إيران ما زالت قوة إقليمية مؤثرة لا يمكن تجاوزها أو عزلها بالكامل وهذا ما تعتبره إسرائيل تهديداً مباشراً لمشروعها القائم على تكريس نفسها بوصفها القوة الإقليمية المهيمنة وصاحبة الدور المركزي في ترتيبات الشرق الأوسط الجديد
في عمق السياق نفسه كشف الاتفاق حدود القوة العسكرية عندما لا تترافق مع رؤية سياسية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب فقد أثبتت إسرائيل والولايات المتحدة امتلاكهما قدرات عسكرية واستخباراتية كبيرة ونجحتا في توجيه ضربات مؤثرة لإيران وحلفائها غير أن النجاح العسكري لم يتحول إلى نتيجة سياسية حاسمة بل إن المشهد الراهن يوحي بأن الطرف الذي يمتلك القدرة على تحديد شكل النهاية ليس بالضرورة الطرف الذي يحقق أكبر قدر من الإنجازات الميدانية وإنما الطرف القادر على إدارة التوازنات السياسية والاقتصادية الدولية الأكثر تعقيداً
في ضوء ذلك كله يبدو أن الجدل الإسرائيلي الحالي يتجاوز مجرد الاعتراض على اتفاق بعينه ليأخذ شكل مراجعة شاملة لنتائج المرحلة الماضية بأكملها فبعد سنوات من الرهان على العقوبات والضغوط القصوى والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة تجد إسرائيل نفسها أمام واقع جديد تتصدر فيه الدبلوماسية مجدداً المشهد الإقليمي والأهم من ذلك أنها تجد نفسها مضطرة لمواجهة سؤال استراتيجي صعب يتعلق بمستقبل قدرتها على التأثير في السياسات الأميركية في وقت تتغير فيه أولويات واشنطن وحساباتها الإقليمية والدولية
أما فيما يتعلق بسلوك نتنياهو خلال المرحلة المقبلة فإن السؤال الأكثر حضوراً داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية لا يتعلق بقدرته على الاعتراض على الاتفاق بقدر ما يتعلق بمدى استعداده للالتزام العملي بمقتضياته فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من رصيده السياسي على مواجهة إيران ومحور حلفائها يدرك أن أي تهدئة طويلة الأمد قد تضعف خطابه القائم على استحضار التهديدات الوجودية بصورة دائمة ولذلك لا يستبعد أن يحاول الحفاظ على مستوى معين من التوتر خصوصاً على الجبهة اللبنانية التي ما تزال توفر له هامشاً واسعاً للمناورة العسكرية والسياسية
المتوقع على الارض انه من غير المرجح أن يتخلى نتنياهو بسهولة عن سياسة الضربات المتقطعة أو التهديدات المستمرة تحت عنوان منع تعاظم قوة حزب الله أو حماية أمن إسرائيل غير أن قدرته على الذهاب بعيداً في هذا المسار ستبقى مرهونة بالموقف الأميركي فإذا رأت واشنطن أن أي تصعيد إسرائيلي يهدد التفاهمات التي تسعى إلى تثبيتها مع طهران فإنها قد تمارس ضغوطاً غير مسبوقة على نتنياهو للحد من اندفاعته وهو ما يعني أن الجبهة اللبنانية قد تتحول خلال المرحلة المقبلة إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى التزام إسرائيل بروح الاتفاق أو استخدامها كمنصة لمحاولة تقويضه تدريجياً أما على الصعيد الداخلي فإن نجاح الاتفاق واستمرار التهدئة قد يضعفان جزءاً من السردية التي يستند إليها نتنياهو في تبرير سياساته الأمنية والعسكرية وقد يمنحان خصومه فرصة للقول إن سنوات التصعيد والحروب انتهت في النهاية إلى تسوية تفاوضية كان يمكن الوصول إليها بكلفة أقل الأمر الذي قد يؤثر سلباً في حظوظه السياسية مستقبلاً وإن كان الرجل سيحاول بالمقابل تسويق أي تنازل إيراني باعتباره نتيجة مباشرة للضغوط التي قادها هو وحكوماته المتعاقبة
بخصوص التوقعات لمستقبل الاتفاق فمن المبكر اعتباره محطة نهائية أو تحولاً دائماً في العلاقات الأميركية الإيرانية لأن جذور الصراع ما تزال قائمة والكثير من الملفات الخلافية لم تُحسم بعد فالبرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة الدولية ومصير اليورانيوم المخصب والعقوبات الاقتصادية والدور الإقليمي لإيران جميعها قضايا مؤجلة أكثر منها محلولة ولهذا فإن الاتفاق يبدو أقرب إلى إطار لإدارة الأزمة منه إلى تسوية تاريخية تنهيها نهائياً وتبقى احتمالات التعثر أو الانهيار قائمة إذا فشلت المفاوضات اللاحقة أو إذا تغيرت الحسابات السياسية داخل واشنطن بعد الانتخابات أو تحت ضغط الكونغرس واللوبيات المؤيدة لإسرائيل
الاهم في المحصلة انه لا يمكن استبعاد عودة التهديدات العسكرية أو إعادة فرض العقوبات إذا اتهمت إيران بعدم الالتزام بتعهداتها أو إذا شهدت المنطقة تطورات أمنية كبرى وفي هذا السياق قد تلعب تل أبيب دوراً محورياً في إعادة إحياء التوتر سواء عبر الضغوط السياسية والإعلامية داخل الولايات المتحدة أو من خلال عمليات أمنية وعسكرية محدودة تستهدف إظهار الاتفاق بوصفه عاجزاً عن كبح النفوذ الإيراني ومع ذلك فإن أي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ستواجه هذه المرة واقعاً مختلفاً يتمثل في وجود إرادة أميركية وإقليمية ودولية قوية لتجنب حرب شاملة جديدة وهو ما يجعل مستقبل الاتفاق معلقاً على توازن دقيق بين قوى تسعى إلى تثبيته وأخرى لا تزال تراهن على إفشاله أو تجاوزه
ختاما : الاتفاق الأميركي الإيراني لا يمثل في نظر إسرائيل مجرد تسوية مؤقتة أو هدنة سياسية عابرة بل يعكس تحولاً أعمق في توازنات القوة داخل المنطقة وفي طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب فالمشكلة الإسرائيلية الحقيقية ليست في أن إيران نجحت في الوصول إلى طاولة التفاوض فحسب بل في أن هذه المفاوضات كشفت حدود القوة الإسرائيلية وحدود قدرتها على فرض رؤيتها على الحليف الأميركي ولهذا يبدو القلق الإسرائيلي الراهن أقرب إلى أزمة نفوذ استراتيجية منه إلى خلاف حول بنود اتفاق أو تفاصيل تفاوضية لأن ما يجري اليوم قد يرسم ملامح مرحلة جديدة يصبح فيها النفوذ السياسي والدبلوماسي أكثر حسماً من القوة العسكرية وحدها في تحديد مستقبل المنطقة
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]




