الانتخابات الفلسطينية المنتظرة … هل تكون تجديدًا حقيقيًا للشرعية أم إعادة إنتاج للسلطة القائمة ؟

د . مهدي مبارك عبد الله

الانتخابات الفلسطينية المرتقبة ليست مجرد موعد جديد يضاف إلى روزنامة سياسية مثقلة بالتأجيلات والانقسامات وإنما هي اختبار حقيقي لما تبقى من شرعية النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على إنتاج قيادة جديدة بإرادة شعبية حرة خاصة وان الموعد المحدد للانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر المقبل وانتخابات الرئاسة المنتظرة في الربع الأول من عام 2027 وانتخابات المجلس الوطني المقررة قبل ذلك تأتي بعد نحو عقدين من الغياب الانتخابي وفي لحظة فلسطينية شديدة التعقيد والاهمية حيث خرجت غزة من حرب مدمرة بينما تتعرض الضفة الغربية لتوسع استيطاني واقتحامات واعتقالات وحواجز وتبقى القدس تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل ستفتح صناديق الاقتراع أبوابها وإنما هل سيكون الصندوق قادرا هذه المرة على تغيير موازين السلطة وإعادة بناء الشرعية أم أنه سيستخدم لمنح السلطة القائمة شرعية جديدة من دون تغيير جوهري في قواعد الحكم .

في العرف السياسي الدولي الانتخابات العامة لا تصبح ديمقراطية بمجرد تحديد موعدها ولا بمجرد طباعة أوراق الاقتراع وفتح مراكز التصويت وإنما تحتاج إلى بيئة سياسية وقانونية وأمنية تضمن للمرشح حرية المنافسة وللناخب حرية الاختيار وتضمن في النهاية احترام النتيجة مهما كانت وهذه الشروط تبدو في الحالة الفلسطينية أكثر تعقيدا من أي انتخابات تجري في دولة مستقلة لأن الاحتلال الإسرائيلي يملك القدرة على التأثير في حركة المرشحين والناخبين وفي الوصول إلى القدس والضفة وغزة بينما يعيش قطاع غزة تحت آثار حرب مدمرة ونزوح واسع وانهيار في البنية التحتية كما تواجه الضفة واقعا مؤلما من انتشار الحواجز واتصاعد الاستيطان وزيادة الاقتحامات ما يجعل حرية الحركة نفسها مشكلة يومية ولذلك فإن الحديث عن نزاهة الانتخابات يجب ألا يختزل في إجراءات التصويت بل يجب أن يشمل قدرة الفلسطيني على الوصول إلى الصندوق وقدرة المرشح على الوصول إلى الناخب وحرية الدعاية وتكافؤ الفرص وعدم استخدام القوة أو النفوذ للتأثير في إرادة الناخبين .

للحقيقة الاحتلال الاسرائيلي ليس العقبة الوحيدة وهناك مشكلة أكثر حساسية تتعلق بقواعد المنافسة التي وضعت قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية فقد شهد قانون الانتخابات تعديلات متلاحقة شملت عدد أعضاء المجلس التشريعي وسن الترشح وتمثيل المرأة ونسبة الحسم وشكل القوائم فيما برز الشرط المتعلق بإلزام القوائم والمرشحين بالإقرار التام بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي والوطني وبقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وهنا لا تكمن المشكلة في مكانة منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني وإنما في تحويل الالتزام ببرنامج سياسي محدد إلى شرط سابق على المنافسة لأن الديمقراطية تقوم على أن يذهب المرشح إلى المواطن ببرنامجه وموقفه ثم يترك له حق القبول أو الرفض لا أن تحدد اجراءات السلطة مسبقا مساحة الاختلاف السياسي المسموح بها فإذا كان الصندوق يفترض أن يكون الحكم بين البرامج والرؤى المختلفة فإن فرض برنامج سياسي مسبقا يجعل الناخب يصل إلى الصندوق وقد جرى تضييق مساحة الخيارات أمامه قبل أن يبدأ الاقتراع ,

هذه المسألة تكتسب أهمية أكبر عندما نضعها في سياق أزمة الشرعية التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني منذ سنوات طويلة حيث غابت الانتخابات التشريعية منذ عام 2006 والانتخابات الرئاسية منذ عام 2005 وتعطلت المصالحة الوطنية مرات متكررة وتحولت مؤسسات سياسية عديدة إلى هياكل تعاني من الجمود والتخلف والشيخوخة السياسية فيما بقيت القيادة الحالية في مواقعها سنوات طويلة من دون تجديد ديمقراطي حقيقي وقد كانت انتخابات عام 2021 المثال الأكثر وضوحا على هشاشة هذا المسار عندما ألغيت قبل موعدها بعد أن تحولت مشاركة المقدسيين إلى عقدة أساسية في العملية الانتخابية وهو ما ترك انطباعا لدى قطاعات واسعة بأن الانتخابات يمكن فتح بابها عندما تكون نتائجها محتملة لمرشحي السلطة وإغلاقه عندما تصبح نتائجها أكثر خطورة على توازناتها القائمة ولذلك فإن التحدي هذه المرة لا يتمثل فقط في إجراء الانتخابات وإنما في إقناع الفلسطينيين بأن موعدها لن يكون قابلا للإلغاء أو التأجيل عندما تقترب لحظة الحقيقة .

أهمية هذا الاختبار تزداد ثباتا مع إعلان حركة حماس استعدادها للمشاركة في الانتخابات المقبلة وسط تحريض سافر على فكرة أي حضور لفصائل المقاومة والترتيب لإقصاء حماس من المشاركة في الانتخابات عبر تنظيم مقاطعة شعبية للانتخابات في حال ترشحها ضمن قائمة ائتلافية حيث تعتبر هذه المشاركة تطور سياسي بالغ الدلالة لأنه يزيل واحدة من أهم الذرائع التي يمكن استخدامها لتبرير غياب المنافسة الحقيقية ويفتح الباب أمام مشاركة قوى المعارضة والقوائم المستقلة والشخصيات الجديدة وإذا تحولت المشاركة إلى منافسة فعلية فإن نتائج الصندوق لن تكون مضمونة مسبقا لصالح السلطة أو القوى المسيطرة على مؤسساتها وهذا بالضبط هو المعنى الحقيقي للديمقراطية التي لا تختبر عندما تكون السلطة مطمئنة إلى النتيجة وإنما عندما تصبح مستعدة لاحتمال خسارتها وقبول خصومها الذين اختارهم الناخبون ولذلك فإن مشاركة حماس ليست مجرد إضافة انتخابية وإنما اختبار واقعي لجدية السلطة نفسها فإما أن تقبل بمنافسة حقيقية يمكن أن تغير موازين القوى أو أن تبحث عن وسائل قانونية وسياسية لتطويق هذه المنافسة قبل وصولها إلى الناخب .

بالنظر الى تجربة عام 2006 قدمت درسا أكثر قسوة من كل الخطابات السياسية حول الديمقراطية حيث جرت الانتخابات وفازت حركة حماس بأغلبية واضحة لكن النتيجة لم تتحول إلى انتقال ديمقراطي طبيعي للسلطة وإنما أصبحت بداية لصراع سياسي وأمني انتهى بالانقسام الفلسطيني الذي ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم ولذلك فإن الانتخابات المقبلة تحتاج إلى ضمان سياسي مسبق لا يقل أهمية عن ضمان نزاهة الاقتراع وهو أن تلتزم جميع الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية باحترام النتيجة أيا كانت لأن الانتخابات التي يجري قبولها عندما تأتي بمن نريد ورفضها عندما تأتي بمن لا نريد ليست ديمقراطية وإنما عملية سياسية مشروطة بالنتيجة وهذا هو الخطر الأكبر الذي يجب ألا يتكرر فإذا كان الفلسطينيون سيذهبون إلى الصناديق فعليهم أن يعرفوا أن صوتهم لن يتحول بعد إعلان النتائج إلى أزمة أو حصار أو محاولة منظمة لإفشال من اختاروه .

قضية القدس تظل الحلقة الأكثر هشاشة في العملية الانتخابية كلها لأن تجربة عام 2021 أظهرت أن إسرائيل تستطيع أن تتحول إلى طرف غير منتخب داخل الانتخابات الفلسطينية من خلال التحكم في قدرة المقدسيين على المشاركة وإذا لم توضع هذه المرة ترتيبات واضحة تضمن حق الفلسطينيين المقيمين في القدس بالتصويت فإن القضية قد تتحول مرة أخرى إلى مدخل للتأجيل خصوصا أن الانتخابات الإسرائيلية ستسبق الانتخابات الفلسطينية وأن طبيعة الحكومة التي ستتولى الحكم في إسرائيل قد تؤثر بصورة مباشرة في موقفها من مشاركة المقدسيين وفي المقابل فإن غزة تواجه مشكلة من نوع آخر لأن القطاع الذي يفترض أن يكون جزءا أصيلا من العملية الانتخابية خرج من حرب مدمرة غيرت واقعه السكاني والعمراني والسياسي وجعلت ملايين الفلسطينيين يعيشون في ظروف استثنائية قاهرة ولذلك فإن إجراء انتخابات هناك يحتاج إلى ضمانات خاصة تحول دون أن تصبح الكارثة الإنسانية والنزوح والدمار عوامل اخرى مؤثرة في حرية الاختيار بينما تواجه الضفة الغربية بوتيرة عالية تحديات الحواجز والاستيطان والاقتحامات والاعتقالات التي يمكن أن تؤثر في حركة المرشحين والناخبين والحملات الانتخابية .

في الوقت نفسه لا يمكن قراءة الانتخابات بعيدا عن الضغوط العربية والدولية التي تدفع باتجاه إصلاح السلطة وتجديد مؤسساتها وإعادة إدخالها في ترتيبات ما بعد الحرب وهو ما يجعل الاستحقاق الانتخابي يحمل وظيفتين متداخلتين فهو من جهة حاجة فلسطينية حقيقية لإنهاء حالة الجمود واستعادة الشرعية ومن جهة أخرى جزء من محاولة دولية لإعادة تأهيل السلطة وإعطائها دورا في ترتيبات سياسية قادمة بعد أن تراجع حضور رام الله بصورة واضحة منذ السابع من أكتوبر وأصبحت غزة في قلب الاهتمام الدولي وهنا يجب التمييز بين الشرعية التي تأتي من الداخل والشرعية التي تسعى إليها السلطة من الخارج فقد تستطيع السلطة الحصول على دعم دولي لإجراء الانتخابات لكنها لا تستطيع بتاتا الحصول على الشرعية الشعبية إلا من خلال عملية صادقة يشعر الفلسطينيون بأنها تعكس إرادتهم وقادرة على تغيير الواقع السياسي لا مجرد تحسين صورته أمام العواصم الأجنبية .

كذلك لا يمكن تجاهل مسألة خلافة محمود عباس وما يرافقها من إعادة ترتيب لمراكز القوة داخل السلطة وفتح ومنظمة التحرير لأن أي انتخابات تجري في هذه المرحلة ستتقاطع بالضرورة مع حسابات المرحلة المقبلة ومع السؤال عن شكل القيادة الفلسطينية بعد عباس ولذلك فإن الانتخابات يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء النظام السياسي أو إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ داخل النظام نفسه من دون المساس بجوهره وإذا بقيت قضية الخلافة تتحرك خلف الستار بينما يجري تقديم الانتخابات باعتبارها تجديدا عاما للشرعية فإن الشكوك ستظل قائمة حول ما إذا كان المطلوب إعادة تأسيس النظام السياسي أم تأمين انتقال سلس للسلطة داخل النخبة القائمة .

من هنا إن الانتخابات التشريعية وحدها لا تستطيع حل الأزمة الفلسطينية لأن المشكلة أكبر من المجلس التشريعي نفسه فهي تشمل الرئاسة ومنظمة التحرير والمجلس الوطني والعلاقة بين غزة والضفة وطبيعة المشروع الوطني وآليات اتخاذ القرار ولذلك فإن القيمة الحقيقية للانتخابات يجب أن تكون في تحويلها إلى بداية لمسار شامل يعيد بناء النظام السياسي على قاعدة التعددية والشراكة الوطنية ويعيد لمنظمة التحرير دورها كإطار جامع لكل الفلسطينيين في الداخل والشتات وينهي الانقسام ويعيد الاعتبار للمؤسسات المنتخبة ويفتح المجال أمام جيل سياسي جديد لا يرتبط بالضرورة بقواعد السلطة القديمة أو صراعاتها الداخلية لان الفلسطينيون في المحصلة لا يحتاجون إلى مجلس تشريعي جديد بقدر حاجتهم إلى نظام سياسي جديد قادر على إنتاج قيادة تستمد شرعيتها من الناس وتملك رؤية للتعامل مع الاحتلال والحرب والانقسام معا .

ان استمرار أزمة الثقة قد تكون الخطر الأكبر على الانتخابات قبل أن تبدأ فقد أظهر استطلاع فلسطيني حديث أن 79 بالمئة من الفلسطينيين يرون أن السلطة أصبحت عبئا على الشعب وأن 70 بالمئة يؤيدون استقالة محمود عباس فيما لا يتوقع 70 بالمئة أن تكون الانتخابات المقبلة نزيهة ويتوقع 44 بالمئة تأجيلها ويقول 40 بالمئة إنهم لا ينوون المشاركة فيها وهذه الأرقام لا تعكس فقط تراجع شعبية القيادة وإنما تكشف ايضا أزمة أعمق تتعلق بثقة الجمهور بالعملية الانتخابية نفسها فإذا كان سبعة من كل عشرة فلسطينيين لا يتوقعون انتخابات نزيهة فإن المشكلة لم تعد فقط فيمن سيفوز بالصندوق وإنما في مدى استعداد الناس أصلا لتصديق أن الصندوق قادر على إنتاج تغيير حقيقي ولذلك فإن أي انتخابات مقبلة ستحتاج إلى شرعية تتجاوز إعلان النتائج إلى إقناع الشارع بأن ما حدث لم يكن ترتيبا مسبقا ولا إعادة تدوير للسلطة نفسها .

رغم استشراء حالة الاحباط واليأس التي تجتاح الشارع الفلسطيني الا إن الدعوة إلى الانتخابات لا ينبغي أن تواجه بالرفض وإنما بالضغط من أجل ضمان نزاهتها وشمولها وتكافؤ فرصها واحترام نتائجها والاصرار على فتح وحماس وبقية الفصائل والقوى والشخصيات المستقلة أن تدرك أن المعركة المقبلة ليست معركة مقاعد وإنما معركة حاسمة على شكل النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل القضية كلها وعلى الأطراف العربية والدولية التي تضغط باتجاه الانتخابات أن تتحمل مسؤوليتها أيضا فلا يكفي أن تطالب الفلسطينيين بالديمقراطية ثم تقبل بنتائجها فقط إذا جاءت منسجمة مع الحسابات السياسية المطلوبة لأن الديمقراطية الفلسطينية لا يمكن أن تكون ديمقراطية انتقائية يصفق لها الخارج عندما تنتج القيادة التي يريدها ثم يجري حصارها عندما تنتج قيادة لا يريدها .

الانتخابات الفلسطينية القادمة لا ينبغي أن تكون وسيلة لتجديد شرعية السلطة القائمة وإنما فرصة لإعادة الشرعية إلى صاحبها الحقيقي وهو الشعب الفلسطيني ولذلك فإن المعيار الحقيقي لن يكون في عدد الصناديق التي ستفتح ولا في نسبة المشاركة ولا في عدد المقاعد التي ستحصل عليها هذه القوة أو تلك وإنما فيما إذا كان الناخب الفلسطيني سيقدرا فعلا على تغيير موازين السلطة وما إذا كانت القيادة الحالية مستعدة لقبول نتيجة لا تريدها .

إذا جرت الانتخابات في بيئة تنافس متكافئة وشارك فيها الجميع دون إقصاء مسبق والتزمت السلطة باحترام نتائجها مهما كانت فإنها يمكن أن تصبح بداية حقيقية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وإنهاء حالة الجمود والانقسام أما إذا جرى التحكم بقواعد المنافسة وتضييق مساحة التعددية ثم التعامل مع الصندوق باعتباره وسيلة لتجديد شرعية السلطة لا لتغييرها فإن الانتخابات لن تكون سوى إعادة إنتاج للنظام القديم بثوب ديمقراطي جديد ملتبس ومشكوك فيه .

ختاما : في هذا الواقع المتشابك والمعقد تكمن الحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير من التأويل والتحليل بان الفلسطينيون لا يحتاجون إلى صندوق يثبت بقاء من يحكمهم وإنما إلى صندوق يمنحهم القدرة على تغييره فإذا كان الصندوق قادرا على إسقاط السلطة التي دعت إليه فهذه انتخابات حقيقية أما إذا كان المطلوب من الناخب أن يختار ضمن حدود مرسومة سلفا فإن ما يجري لن يكون تجديدا للشرعية وإنما تجديدا لعمر السلطة غير الطويل .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون التجارية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى