تقرير ساكسو بنك: النظر أبعد من خام برنت يكشف الحجم الحقيقي لأزمة إمدادات الطاقة

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

قد يوحي استمرار تداول النفط الخام دون مستوى 100 دولار للبرميل بأن سوق الطاقة العالمية تمكنت من استيعاب الصدمة الأخيرة في الشرق الأوسط بصورة جيدة نسبياً. لكن هذا الاستنتاج قد يغفل عن مكمن الضغوط الحقيقية التي تتراكم في السوق.

فقد استفادت سوق النفط الخام حتى الآن من مزيج من السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، وتراجع الواردات الصينية، وانكماش الطلب، واستمرار تدفقات النفط من الشرق الأوسط، سواء عبر خطوط الأنابيب أو، بصورة أكثر هدوءاً، عبر مضيق هرمز. ولذلك لا يزال خام برنت دون المستويات التي ترتبط عادةً بأزمة إمدادات شاملة.

لكن الصورة تبدو أكثر إثارة للقلق في المراحل اللاحقة من سلسلة المنتجات النفطية. فقد أصبحت المنتجات متوسطة التقطير، مثل الديزل ووقود الطائرات، نقطة الضغط الرئيسية، إذ يقترب سعر الديزل الأوروبي من 200 دولار للبرميل، فيما لا يزال وقود الطائرات بعيداً عنه بفارق محدود. ولا تقتصر أهمية هذه المنتجات على الأسواق المالية؛ فشركات النقل بالشاحنات والشحن والطيران والبناء والزراعة والتصنيع والتدفئة تعتمد جميعاً بدرجة كبيرة على وقود التقطير، ما يعني أن أي نقص فيه يترجم سريعاً إلى ارتفاع تكاليف التشغيل في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وبذلك تتحول صدمة الطاقة الحالية بصورة متزايدة إلى أزمة في المنتجات المكررة، وليس مجرد أزمة في النفط الخام.

 

طاقات التكرير تصبح الحلقة الأضعف

اجتمعت عدة عوامل لتشديد توافر المنتجات المكررة. فقد شهدت المصافي في الخليج العربي، التي تعد عادةً من كبار موردي الديزل ووقود الطائرات وغيرها من المنتجات إلى الأسواق العالمية، اضطرابات في عملياتها وصادراتها بسبب الصراع. وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات الأوكرانية المتكررة إلى خفض معدلات تشغيل المصافي الروسية وصادراتها، ما أدى إلى سحب مزيد من الإمدادات من سوق تعاني أصلاً نقصاً في المنتجات متوسطة التقطير.

أما الصين، التي بنت خلال العقد الماضي طاقات تكرير تتجاوز احتياجاتها المحلية بفارق كبير، وكانت تعمل بصورة دورية كمورد مرن للمنتجات المكررة إلى السوق العالمية، فقد أصبحت أقل استعداداً للقيام بهذا الدور. وأدى ضعف واردات النفط الخام والرغبة في الحفاظ على المخزونات إلى الحد من معدلات تشغيل المصافي، وفي بعض الفترات إلى تقليص صادرات الوقود، ما حرم السوق من مصدر آخر محتمل للإمدادات.

والنتيجة هي اتساع الفجوة بين النفط الخام والمنتجات المكررة. فقد ارتفعت هوامش التكرير، ولا تزال المخزونات شحيحة، فيما تُتداول أنواع الوقود المكررة بصورة متزايدة بعلاوات سعرية تعكس شح المعروض الفعلي وليس مجرد تكلفة النفط الخام.

وتظهر هذه الضغوط أيضاً في أسواق الأسهم. فقد تصدرت شركات التكرير والطاقة ذات الانكشاف على طاقات التكرير الشحيحة أو أسواق الغاز خارج الولايات المتحدة أداء القطاع، وكانت ماراثون بتروليوم وفاليرو من بين أقوى الأسهم أداءً، في حين استفادت شركات مثل إكوينور وشينيير من ارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال.

 

الغاز يضيف طبقة أخرى من الضغوط التضخمية

لا تقتصر الضغوط على المنتجات النفطية. فقد أدى تعطل صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري عبر مضيق هرمز إلى سحب مصدر رئيسي للإمدادات المرنة من سوق الغاز العالمية، قبيل فصل الشتاء مباشرة وفي وقت تكون فيه المخزونات عادةً في طور البناء استعداداً لارتفاع الطلب المرتبط بالطقس.

ويقدر معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن السحب من المخزونات يوفر عادةً ما بين 20% و33% فقط من صافي إمدادات الغاز الأوروبية خلال فصل الشتاء، ما يبرز أهمية استمرار الواردات.

وتستحوذ قطر عادةً على نحو خُمس صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية، فيما أفادت رويترز مؤخراً بأنه لم يتم تصدير سوى 18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال القطري منذ اندلاع الحرب، مقارنة بأكثر من 500 شحنة خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وقد أجبر هذا الاضطراب المشترين في أوروبا وآسيا على التنافس بصورة أكثر حدة على الشحنات البديلة، وساعد على دفع أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي إلى ما يتجاوز 140 دولار للبرميل على أساس المعادل النفطي.

وتكتسب هذه التطورات أهمية كبيرة لأن الغاز يدخل مباشرة في تحديد أسعار الكهرباء، وتكاليف الصناعة وإنتاج الأسمدة والتدفئة. ومن ثم، فإنه يخلق قناة تضخمية مستقلة عن النفط، مع تعزيزه للمشكلة الأوسع نفسها: إذ تضطر القطاعات كثيفة استهلاك الطاقة في الاقتصاد إلى تحمل ارتفاعات ملموسة في تكاليف المدخلات.

ويمثل اجتماع ارتفاع أسعار الديزل ووقود الطائرات وزيت الوقود والغاز الطبيعي مصدر قلق خاص للمستهلكين حول العالم، الذين تتقلص دخولهم المتاحة للإنفاق. كما يمثل مصدر قلق متزايداً للبنوك المركزية التي تكافح أصلاً تضخماً مستمراً، لا ينتج عن قوة الطلب أو متانة الاقتصاد، وإنما عن صدمة في جانب المعروض لا يمكن علاجها برفع أسعار الفائدة.

وغالباً ما تبدأ صدمات الطاقة من التضخم العام، لكن كلما طال أمدها، زاد خطر ترسخ ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والمرافق في أسعار السلع والخدمات الأساسية، وبالتالي انتقالها إلى التضخم الأساسي.

 

الديزل يوضح آلية انتقال الصدمة

يوفر قطاع النقل بالشاحنات في الولايات المتحدة مثالاً واضحاً على ذلك. فقد بلغ متوسط سعر الديزل المستخدم على الطرق السريعة على مستوى الولايات المتحدة نحو 5.60 دولار للغالون في نهاية أغسطس، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مقارنة بمستويات كانت أقرب إلى 3.70 دولار قبل بدء صدمة الطاقة الحالية. ومنذ ذلك الحين، واصل السعر ارتفاعه ليصل إلى مستوى قياسي يقل بقليل عن 6 دولارات للغالون.

وتقطع شاحنة نموذجية من الفئة 8 لمسافات طويلة نحو 6 إلى 7 أميال فقط لكل غالون. وبالنسبة إلى شاحنة تقطع نحو 90 ألف ميل سنوياً، فإن زيادة تتجاوز دولارين في سعر غالون الديزل يمكن أن تضيف نحو 30 ألف دولار إلى فاتورة الوقود السنوية.

ونادراً ما تتحمل شركة النقل هذه التكاليف وحدها؛ إذ تنتقل عبر أسعار الشحن، وصولاً في نهاية المطاف إلى أسعار المواد الغذائية والسلع المصنعة ومواد البناء والمنتجات الاستهلاكية. وتعمل آليات مماثلة في قطاعات الطيران والشحن البحري والزراعة.

 

نقطة الضغط التالية المحتملة: وقود السفن

تبرز نقطة ضغط أخرى في زيت الوقود، المستخدم على نطاق واسع في قطاعي الشحن وتوليد الكهرباء. وأفادت رويترز بأن المصافي التي تواجه اضطرابات في إمدادات النفط الخام، إلى جانب هوامش استثنائية القوة للديزل والبنزين، تعطي الأولوية بصورة متزايدة لإنتاج هذه المنتجات الأعلى قيمة، ما يؤدي في المقابل إلى خفض إنتاج زيت الوقود.

ومن المتوقع أن يتسع العجز العالمي في زيت الوقود بصورة حادة خلال الربع الثالث، فيما تقل المخزونات في مراكز رئيسية، من بينها سنغافورة وأمستردام وروتردام وأنتويرب والفجيرة، بنحو 30% عن مستوياتها الموسمية المعتادة.

وتتعرض آسيا بصورة خاصة لهذه المخاطر بسبب اعتمادها على إمدادات الخليج. وتستورد سنغافورة، أكبر مركز عالمي لوقود السفن، أكثر من نصف احتياجاتها البالغة نحو مليون برميل يومياً. وأي ارتفاع إضافي في أسعار وقود السفن سيرفع تكاليف الشحن في وقت تسلك فيه السفن بالفعل طرقاً أطول لتجنب البحر الأحمر وباب المندب بسبب المخاطر الأمنية.

وهذا يوفر قناة أخرى يمكن من خلالها لصدمة الطاقة أن تنتقل إلى التضخم العالمي.

 

النفط الخام لا يزال يمثل الخطر الرئيسي على الجانب الصعودي

في الوقت الراهن، لا تزال سوق النفط الخام تتمتع بإمدادات أفضل نسبياً مقارنةً بالمنتجات المكررة. لكن لا ينبغي الخلط بين هذا الاستقرار النسبي وبين غياب المخاطر.

فقد انخفضت حركة المرور عبر مضيق هرمز مجدداً بصورة حادة عقب تجدد الهجمات الأمريكية-الإيرانية، بينما لا تزال مخاطر فرض مزيد من القيود على حركة الشحن التجاري مرتفعة. وتشير بعض التقارير إلى أن حركة ناقلات السلع المرصودة تراجعت مؤخراً إلى أدنى مستوياتها منذ مايو.

ومن ثم، فإن استمرار الاضطرابات يشكل تهديداً مزدوجاً. أولاً، قد يدفع خام برنت بصورة حاسمة إلى ما فوق 100 دولار، مع استنزاف مخزونات النفط والاحتياطيات الطارئة تدريجياً. وثانياً، وربما يكون أكثر ضرراً للاقتصاد الحقيقي، فإنه سيزيد الضغط على منظومات التكرير التي تكافح أصلاً لتوفير كميات كافية من الديزل ووقود الطائرات وزيت الوقود.

ولذلك، لم يعد الخطر الرئيسي يتمثل ببساطة في ارتفاع جديد وحاد لأسعار النفط الخام، بل في ارتفاع النفط الخام مع استمرار شح المنتجات المكررة والغاز بصورة هيكلية.

ومن شأن هذا المزيج أن يزيد الضغوط على قطاعات النقل والصناعة والمرافق والأسر، ويرفع احتمالات تحول صدمة الطاقة الحالية إلى ارتفاع مستمر في أسعار المستهلكين، وإلى آفاق تضخمية أكثر صعوبة أمام البنوك المركزية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى