كيف أعاد حزب الله بناء نفسه ولماذا فشل الرهان على انهياره ؟

د. مهدي مبارك عبد الله

يأتي هذا المقال في محاولة لاكتشاف واقع الأنماط والقواعد التي تحكمت في بعض الأحداث الاخيرة التي اجتاحت المنطقة وتحديدا ما يتعلق بحزب الله والعدوان الصهيوني على الجنوب اللبناني .

على امتداد العامين الماضيين بدا المشهد في لبنان وكأنه يتجه نحو نهاية فصل تاريخي كامل من الصراع مع إسرائيل خاصة وان الحرب التي اندلعت عقب أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من مواجهات واسعة على الجبهة اللبنانية ثم حرب عام 2024 التي استمرت ستة وستين يوماً وسلسلة الاغتيالات التي استهدفت قيادات بارزة في حزب الله دفعت كثيرين داخل إسرائيل وخارجها إلى الاعتقاد بأن الحزب تلقى ضربة استراتيجية قاسمة يصعب التعافي منها في المدى المنظور ولم يقتصر الأمر على حجم الخسائر البشرية والعسكرية بل امتد إلى محاولة ترسيخ صورة سياسية وإعلامية مفادها أن حزب الله فقد جزءاً كبيراً من قدراته القيادية والتنظيمية وأن معادلات القوة التي حكمت الحدود اللبنانية الفلسطينية لعقود قد انهارت إلى غير رجعة وأن مسألة نزع سلاحه لم تعد سوى مسألة وقت محدود .

خلال تلك المرحلة سادت في الأوساط الإسرائيلية حالة من الثقة المفرطة بأن حزب الله بات أقرب إلى الشلل الاستراتيجي منها إلى القدرة على استعادة المبادرة حيث جرى تقديم الاغتيالات المتتالية التي طالت قياداته العسكرية والسياسية باعتبارها إنجازاً تاريخياً سيغير وجه المنطقة ويعيد رسم موازين القوى على الجبهة الشمالية بصورة دائمة كما روجت الدوائر السياسية والإعلامية الإسرائيلية ومعها دوائر غربية إلى أن الحزب فقد معظم بنيته القيادية والعسكرية وأن مرحلة ما بعده قد بدأت بالفعل.

الوقائع الميدانية خلال الأشهر التالية ذهبت في اتجاه مغاير تماماً وبدلاً من الانهيار التدريجي الذي توقعه كثيرون بدأت عملية إعادة بناء واسعة منذ اليوم التالي لدخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ حيث تعاملت قيادة الحزب مع الهدنة لا باعتبارها نهاية للحرب وإنما باعتبارها نافذة زمنية قصيرة لإعادة التنظيم والاستعداد لجولة جديدة من الصراع وهو ما يفسر السرعة النوعية التي أعاد بها ترميم جزء كبير من قدراته خلال فترة وجيزة.

التطورات اللاحقة ازهرت ايضا أن الحزب لم ينشغل فقط بتعويض خسائره البشرية والقيادية بل ركز بصورة أكبر على مراجعة شاملة لتجربته العسكرية واستخلاص الدروس القاسية التي فرضتها الحرب حيث أعاد بناء منظومة القيادة والسيطرة بطريقة أكثر مرونة وقلص حلقات اتخاذ القرار ووسع صلاحيات القادة الميدانيين بما يسمح باستمرار العمليات حتى في حال تعرض مراكز القيادة الرئيسية للاستهداف كما منح الوحدات القتالية قدرة أكبر على العمل المستقل ضمن أهداف وخطط مرسومة مسبقاً.

عمليا لعل أبرز ما كشفته التجربة الجديدة هو أن الحزب لم يكتف بإعادة بناء ما تهدم بل أعاد التفكير كليا في فلسفة العمل العسكري ذاتها بعدما أظهرت الحرب حجم الاختراق الذي تعرضت له منظومات الاتصالات الأمر الذي دفعه إلى التخلي عن جزء كبير من شبكاته السابقة في القضايا الحساسة والعودة إلى وسائل أكثر بساطة وأشد أمناً تقوم على الرسل البشريين من المقاتلين والرسائل المكتوبة والفصل بين مستويات القيادة والوحدات الميدانية وهو تحول قد يبدو بدائياً من الناحية التقنية لكنه وفر مستوى أعلى من الحماية وأربك قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على تعقب القيادات واستهدافها.

كما أعاد الحزب إحياء نموذج تنظيمي يقترب من العقيدة التي ارتبطت بالقائد الراحل عماد مغنية والقائمة على وحدات صغيرة وشبه مستقلة تعمل وفق سيناريوهات وخطط معدة سلفاً دون الحاجة إلى اتصال دائم بالقيادة المركزية وهو نموذج يمنح التنظيم قدرة أكبر على الصمود في ظروف الحرب ويجعل استهداف القيادة أقل تأثيراً في استمرارية العمليات.

من أبرز التحولات الفاعلة ايضا الانتقال السريع من نموذج يعتمد على كثافة الانتشار البشري إلى نموذج يقوم على نشر الوحدات الصغيرة عالية التدريب والمتخصصة سيما وان الحروب الحديثة أثبتت أن الأعداد الكبيرة لم تعد توفر الحماية في مواجهة تقنيات الاستطلاع والاستهداف المتقدمة لذلك اتجه الحزب إلى تعزيز دور الوحدات النوعية المزودة بوسائل قتالية دقيقة والقادرة على تنفيذ مهامها بكفاءة مع تقليل حجم الخسائر البشرية إلى أدنى حد ممكن.

ضمن هذا السياق برزت كذلك وبشكل لافت ومؤثر الطائرات المسيّرة بالالياف الضوئية او البصرية كأحد أهم عناصر القوة الجديدة والتي لم تعد مجرد وسيلة مساندة بل أصبحت جزءاً رئيسياً من منظومة الاستطلاع والرصد وجمع المعلومات والاستهداف الدقيق كما أظهرت المواجهات الأخيرة قدرتها على متابعة تحركات القوات الإسرائيلية وإرباك انتشارها الميداني بصورة جعلتها أحد أكثر أدوات الحرب تأثيراً في المرحلة الراهنة.

الاهم ميدانيا ان الحزب بدا مؤخرا أكثر ميلاً إلى اعتماد استراتيجية الاستنزاف الطويل بدلاً من خوض معارك واسعة ومكلفة وبدلا من السعي إلى منع أي تقدم إسرائيلي مهما بلغت كلفته أصبح التركيز على استنزاف الخصم ورفع كلفة وجوده وتحركاته العسكرية بصورة مستمرة وهي مقاربة تعكس فهماً مختلفاً لمفهوم النصر في الحروب الحديثة حيث لا تقاس النتائج بالسيطرة المؤقتة على الأرض بقدر ما تقاس بالقدرة على منع الخصم من تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية.

الامر اللافت في طبيعة العمليات التي شهدها جنوب لبنان ان الحزب اعتمد بصورة متزايدة على الخلايا الصغيرة والكمائن الدقيقة وإعادة تشغيل المواقع التي لم تدمر بالكامل وإصلاح البنى العسكرية المتضررة بهدوء ومن دون تشكيلات كبيرة أو ظاهرة بما سمح بإعادة تثبيت حضوره الميداني تدريجياً رغم ترتيبات وقف إطلاق النار والرقابة المشددة على المنطقة.

التحدي المتواصل لم يكن مقتصراً على إعادة الانتشار الميداني بل شمل أيضاً إعادة بناء منظومة التزويد والإمداد بعد التغيرات الكبيرة التي شهدتها الساحة السورية وانقطاع كثير من خطوط الإسناد التقليدية غير أن الحزب لجأ إلى إعادة تنظيم مصادر التموين والتوسع في التصنيع المحلي والاستفادة من النوافذ اللوجستية المتاحة بما مكنه من تعويض جانب مهم من خسائره رغم استمرار الصعوبات المرتبطة ببعض الأنظمة العسكرية المتقدمة.

على المستوى المعنوي لا يقل ما جرى أهمية عن التحولات العسكرية فقد استطاع الحزب بعد مرحلة الصدمة التي أعقبت الاغتيالات والخسائر الكبيرة أن يحول جانباً من تلك الضربات إلى عامل تعبئة داخل صفوفه وبين جمهوره لتصبح الخسائر جزءاً من رواية الصمود وإعادة البناء كما أسهمت نتائج العمليات اللاحقة في استعادة جانب مهم من الثقة بالنفس وترميم صورة التنظيم القادر على الاستمرار والتكيف مع الواقع ونفسه .

هذه التجربة تجديدا كشفت حقيقة راسخة كثيراً ما أغفلتها التقديرات العسكرية والسياسية وهي أن التنظيمات العقائدية لا تقاس قدرتها على البقاء بحجم خسائرها البشرية أو المادية وحدها وإنما بسرعة تكيفها مع الصدمات وامتصاصها وقدرتها على تحويل الهزيمة التكتيكية إلى عملية تعلم مؤسسي تعيد إنتاج القوة بأدوات وأساليب جديدة وهو ما جعل الرهان على نهاية مثل هذه التنظيمات استناداً إلى الضربات العسكرية وحدها رهاناً كثيراً ما يفتقر إلى الدقة.

الا انه رغم كل ما تحقق من إعادة بناء وتطوير فإن التحدي الأكبر الذي لا زال يواجه حزب الله لا يقتصر على الجبهة العسكرية في وقت يعيش فيه لبنان واحدة من أكثر مراحله السياسية والاقتصادية هشاشة منذ عقود كما تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية المرتبطة بمستقبل سلاح الحزب ودوره في المعادلة اللبنانية وهو ما جعل البيئة الداخلية عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الحزب على مواصلة استراتيجية الاستنزاف على المدى الطويل.

على الجانب الاخر تبدو إسرائيل أمام معضلة استراتيجية تتجاوز حدود التفوق العسكري والتكنولوجي خصوصا وان التجارب المتعاقبة أثبتت أن القوة النارية مهما بلغت شدتها وقوتها لا تكفي وحدها لحسم الصراعات ذات الطابع العقائدي والسياسي حيث لجأت إسرائيل خلال العقود الماضية إلى الاجتياحات والاغتيالات والقصف واسع النطاق واستهداف البنى التحتية والقيادات إلا أن ذلك لم ينجح في إنهاء ظاهرة المقاومة أو إلغاء حضورها في المعادلة اللبنانية ولهذا فإن أي رهان على كسر إرادة حزب الله بالقوة العسكرية وحدها سيواجه العقبات نفسها التي واجهتها إسرائيل في تجارب سابقة انتهت بانسحابها من جنوب لبنان عام 2000 تحت ضغط حرب الاستنزاف والهزيمة.

أما على المستوى اللبناني الداخلي فإن الجدل حول مستقبل المواجهة لا ينفصل عن النقاش الأوسع المتعلق بكيفية حماية لبنان وسيادته في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وبينما تراهن بعض القوى اللبنانية على المسارات الدبلوماسية والتفاهمات السياسية يرى آخرون أن أي تسوية لا تستند إلى عناصر قوة حقيقية على الأرض ستبقى عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ومن هنا تتصاعد الدعوات إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني وترسيخ التكامل بين مؤسسات الدولة والقدرات الدفاعية الوطنية بما يضمن حماية السيادة ويفرض على إسرائيل احترام الحدود والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وفق قواعد توازن القوة وأحكام القانون الدولي.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران ايضا قدمت أول اختبار عملي لنتائج عملية إعادة البناء التي شهدها حزب الله خلال الأشهر الماضية حيث لم يعد التنظيم يتصرف بوصفه قوة تحاول التعافي من آثار حرب 2024 وإنما كفاعل إقليمي ما زال يمتلك القدرة والقوة على التأثير في معادلات الردع وإسناد حلفائه وفرض كلفة أمنية وعسكرية على إسرائيل عند اتساع نطاق المواجهة وهو ما يشير إلى أن الرهان على إخراجه من معادلة الصراع عبر الضربات العسكرية وحدها لم يحقق النتائج التي توقعتها تل أبيب وواشنطن بل دفع الحزب إلى إعادة صياغة أدواته القتالية والتنظيمية بما يتلاءم مع مرحلة إقليمية جديدة وصعبة ومن هنا فإن تقييم مستقبل الصراع لم يعد يرتبط بحجم الخسائر التي تكبدها أي طرف خلال الحرب الماضية بل بقدر ما يرتبط بقدرته على التعلم والتكيف وإعادة إنتاج عناصر القوة في بيئة إقليمية تتغير بوتيرة متسارعة.داخل ساحات المواجهة وتعدد مستوياتها.

بناء على ما سبق يمكننا لقول إن ما جرى خلال العامين الماضيين لا يعكس مجرد نجاح تنظيم عسكري في تعويض خسائره بقدر ما يمثل نموذجاً واضحاً لقدرة التنظيمات العقائدية على التكيف مع الصدمات وإعادة إنتاج نفسها كلما اعتقد خصومها أنها بلغت مرحلة الانهيار النهائي ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد ما إذا كان حزب الله قد نجا من الضربات التي تعرض لها بل ما إذا كانت إسرائيل قد أخطأت مرة أخرى في الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده قادر على حسم صراع تتداخل فيه العقيدة والسياسة والهوية والبيئة الاجتماعية بقدر ما تتداخل فيه القوة بصورة اكبر.

ختاما : بالتدقيق في مسارات ومجريات الاحداث بالنسبة للمقاومة يبدو ان تجربة حزب الله خلال المرحلة الأخيرة كانت مثالاً على قدرة التنظيمات العسكرية المؤسسية على التكيف مع الصدمات الكبرى وإعادة إنتاج نفسها بعد الخسائر القاسية والشاهد ان الحزب الذي بدا للكثيرين قبل أشهر قليلة وكأنه يواجه الانهيار في أخطر أزمة في تاريخه الحديث يظهر اليوم بصورة مختلفة تعتمد على المرونة واللامركزية والتقنيات الحديثة وحرب الاستنزاف الطويلة وبينما تستمر المواجهة المفتوحة مع إسرائيل يبقى مستقبل هذه التجربة مرتبطاً ليس فقط بما يجري على خطوط التماس في الجنوب بل أيضاً بما ستشهده الساحة اللبنانية من تحولات سياسية واقتصادية قد تكون في نهاية المطاف أكثر تأثيراً من أي معركة عسكرية على الأرض وقد علمنا التاريخ أن الجيوش قد تنتصر في المعارك لكن الصراعات الطويلة لا يحسمها حجم القوة وحده وأن إعلان هزيمة الخصم قد يكون في كثير من الأحيان بداية الخطأ الاستراتيجي لا نهايته.

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى