تقرير السلع الأسبوعي من ساكسو بنك: العوائد تحت تأثير الحروب والطقس وهيكل السوق المعكوس

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

مع تجاوزنا منتصف شهر يوليو والدخول في موسم العطلات، حيث يبتعد الكثير من المتداولين والمستثمرين والمحللين عن مكاتبهم لبضعة أسابيع، يبدو هذا التوقيت مثالياً لتقييم وضع أسواق السلع بعد نصف أول حافل بالأحداث من العام. فقد سجل مؤشر بلومبرغ للعائد الإجمالي للسلع مكاسب بلغت 5.3% منذ بداية الشهر وحتى الآن، ليعوض بذلك أكثر من نصف الانخفاض الحاد الذي شهده في شهر يونيو. ومع ذلك، جاء هذا التعافي ضيق النطاق، إذ تدفقت غالبية المكاسب من قطاعي الطاقة والزراعة، وتحديداً الحبوب، والبن والكاكاو.

وقد ارتفع المؤشر بنحو 20% منذ بداية العام الحالي، وقرابة 29% خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. وفي حين كانت المعادن هي المحرك الأساسي لصعود العام الماضي، فإن الأداء في عام 2026 هيمنت عليه الطاقة عقب الاضطرابات المتكررة التي لحقت بالإنتاج وتدفقات التجارة القادمة من الشرق الأوسط. فقد أدى التصعيد الجديد للعمليات العدائية بين الولايات المتحدة وإيران إلى عرقلة الشحنات المارة عبر مضيق هرمز مجدداً. ولم يقتصر تأثير هذا التباطؤ الناجم عن التصعيد على النفط الخام فحسب، بل امتد ليشمل الوقود المكرر، والغاز الطبيعي المسال، والمعادن، والمنتجات البتروكيماوية.

وبناءً على ذلك، لا تزال الحروب وظروف الطقس تفرض سيطرة ملحوظة على قطاع السلع الأساسية. وتساهم تكاليف الوقود المرتفعة في إبقاء المخاوف من التضخم حية، مما يزيد من احتمالية اضطرار البنوك المركزية إلى الإبقاء على السياسة النقدية التقييدية أو ربما تشديدها. وقد خلق هذا الوضع رياحاً معاكسة للأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب والفضة، في الوقت الذي قدم فيه الدعم للسلع المعرضة مباشرة لنقص المعروض المادي.

الطاقة تهيمن عبر اضطرابات الإمدادات وعائد الحيازة الإيجابي

باستثناء الغاز الطبيعي، حقق مؤشر بلومبرغ للعائد الإجمالي للطاقة مكاسب بنحو 54% منذ بداية العام. وارتفع كل من خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط بنسبة تناهز 65%، بينما سجلت المنتجات المكررة عوائد أكثر قوة؛ حيث قفز زيت الغاز (الديزل) الأوروبي بأكثر من 130% هذا العام، في حين كسب الديزل ذو النسبة المنخفضة جداً من الكبريت في الولايات المتحدة 124%. كما حقق البنزين أداءً قوياً يعكس انخفاض المخزونات، واضطرابات المصافي، وتأثير ارتفاع تكاليف النفط الخام والشحن.

ويظل الغاز الطبيعي الاستثناء الأبرز؛ إذ تراجع على أساس العائد الإجمالي بنسبة تقارب 20% منذ بداية العام، وبأكثر من 41% خلال العام الماضي. ولا تزال وفرة الإمدادات المحلية، ومستويات التخزين التي تتجاوز المعدلات الموسمية المعتادة، وفترات انخفاض القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المسال، تشكل ضغوطاً هبوطية مستمرة على السوق الأمريكية.

وقد لعب هيكل منحنى الأسعار الآجلة دوراً حاسماً في التباين بين العوائد الفورية والعوائد الإجمالية. إذ تظهر منحنيات النفط الخام والوقود المكرر حالة واضحة من التراجع الآجل أو مايعرف بهيكل السوق المعكوس (الباكوردشن)، وهو ما يعني تداول العقود المستقبلية الأقرب استحقاقاً بعلاوة سعرية (أعلى سعراً) مقارنة بالعقود المؤجلة. ونتيجة لذلك، فإن المستثمرين الذين يقومون بتدوير مراكز الشراء لديهم من عقد منتهي الصلاحية إلى عقد مؤجل أقل سعراً يحصلون على عائد تدوير إيجابي لأسعار العقود. ويبلغ عائد الحيازة الضمني لمدة 12 شهراً نحو 10% لخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، في حين يتجاوز 20% في العديد من المنتجات المكررة. وقد وفر عائد الحيازة الإيجابي هذا قوة دفع هائلة للمستثمرين السلبيين في مراكز الشراء، مما ساعد العوائد الإجمالية على التفوق بوضوح على تحركات الأسعار الفورية للعقود المستقبلية.

وفي المقابل، يستمر الغاز الطبيعي في التداول وفق هيكل السوق الطبيعي (الكونتانغو). وهذا يعني أن المستثمرين يبيعون عموماً العقد المنتهي الصلاحية ليستبدلوا به عقداً مؤجلاً أكثر تكلفة، مما يولد عائد تدوير سلبي للعقود حتى عندما تظل الأسعار الفورية دون تغيير يذكر.

الزراعة تواجه مخاطر الحرب والطقس والوقود الحيوي

حقق قطاع الزراعة مكاسب بنسبة 11.4% منذ بداية العام، مع صعود مجمع الحبوب وفول الصويا بنسبة 11%. وكان هذا القطاع أيضاً أحد أفضل القطاعات أداءً في شهر يوليو، حيث ارتفع بنسبة 8% مع عودة المخاطر الجيوسياسية ومخاطر الطقس إلى واجهة الاهتمام.

وقاد القمح الموجة الأخيرة من الارتفاع، حيث قفزت عقود القمح المستقبلية في بورصات باريس وشيكاغو وكانساس سيتي بنحو 14% أو أكثر، مدعومة بتجدد الهجمات على البنية التحتية للشحن في البحر الأسود، وشح الإمدادات القابلة للتصدير، والمخاوف بشأن أحوال المحاصيل في أجزاء من أوروبا. ويختلف هذا الوضع عما حدث في عام 2022، عندما تزامن تصعيد الحرب مع بداية موسم النمو في نصف الكرة الشمالي وأثار مخاوف من فقدان الإنتاج وتعطل الصادرات معاً. أما الخطر الحالي فيتركز أساساً على اللوجستيات ومدى توفر الإمدادات التصديرية. ومع ذلك، فإن أي اضطراب مطول قد يبقي على علاوة المخاطر الجيوسياسية كجزء أصيل من أسعار القمح.

وقد يضيف اشتداد ظاهرة “النينيو” مزيداً من التقلبات خلال النصف الثاني من العام. غير أن تأثيرها لن يكون متماثلاً بالضرورة؛ فقد تعاني بعض المناطق المنتجة من موجات حر أو جفاف أو أمطار غزيرة، بينما قد تستفيد مناطق أخرى من تحسن ظروف النمو. وبالتالي، فإن النتيجة المرجحة هي زيادة التباين الإقليمي وارتفاع حدة التقلبات، بدلاً من حدوث قفزة تلقائية في المستوى العام لأسعار الأغذية.

كما تبرز أهمية أسعار الطاقة أيضاً من بوابة الوقود الحيوي؛ حيث أصبحت أسعار الذرة وزيت الصويا والسكر مرتبطة بشكل متزايد باقتصاديات البنزين والديزل عبر إنتاج الإيثانول والديزل المتجدد. وعليه، فإن استمرار أسعار الوقود عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة قد يعزز الطلب على مدخلات زراعية مختارة.

المعادن الثمينة تبحث عن اتجاه جديد

تظل المعادن الثمينة واحدة من أضعف القطاعات أداءً في عام 2026، حيث انخفض مؤشر بلومبرغ للمعادن الثمينة بنسبة 9.5% منذ بداية العام. وتراجع الذهب بنسبة 8.2%، في حين هبطت أسعار الفضة والبلاتين والبلاديوم بأكثر من 20%. ويأتي هذا الضعف المسجل منذ بداية العام بعد مكاسب قوية حققتها في العام السابق؛ إذ لا يزال الذهب مرتفعاً بنسبة 18% على مدار الأشهر الاثني عشر الماضية، بينما كسبت الفضة أكثر من 44%، مما يوضح حجم الطفرة السعرية السابقة والتصحيح الذي تلاها.

ويكافح الذهب والفضة الآن لتحديد اتجاه واضح في وقت يوازن فيه المستثمرون بين قوى اقتصادية كلية متضاربة. فقد ساهمت القراءات الأخيرة لمؤشر أسعار المستهلكين ومؤشر أسعار المنتجين في الولايات المتحدة، والتي جاءت أقل حدة، في دعم الأسعار لفترة وجيزة عبر تقليص التوقعات بتشديد نقدي وشيك من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي. غير أن هذا الصعود سرعان ما تبدد بعد الارتفاعات الجديدة في أسعار النفط والضربات الأمريكية الأخيرة ضد إيران، مما أحيا المخاوف من أن تؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى تغذية التضخم مجدداً.

وتؤدي أسعار النفط المرتفعة تقليدياً إلى خلق ضغوط هبوطية على المعادن الثمينة من خلال رفع توقعات التضخم، ودعم عوائد سندات الخزانة، واحتمالية تعزيز قوة الدولار. ويزيد هذا من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الأصول غير المدرّة للعائد. وفي الوقت نفسه، فإن أي صدمة طاقة مطولة قد تضعف النمو العالمي، وتفاقم الضغوط المالية، وتجدد المخاوف بشأن استدامة الديون وتراجع قيمة العملات، وهي تطورات تصب في نهاية المطاف في مصلحة الذهب. ويفسر عجز السوق عن الاختيار بين هذين السيناريوهين حالة غياب الاتجاه الواضح التي هيمنت مؤخراً.

إشارات الاتجاه تظل بناءة لكنها مجزأة

لا تزال إشارات الاتجاه طويل الأجل داعمة بوجه عام في قطاعات الطاقة، والمعادن الصناعية، الحبوب، والمواشي. وبالاستناد إلى العلاقة بين المتوسطين المتحركين لـ 50 يوماً و200 يوم، فإن أكثر من نصف السلع التي يتم تتبعها تواجه تعاملات تبين استمرار اتجاهها الإيجابي طويل الأجل. ولا تزال أقوى الإشارات تتركز في الوقود المكرر، ومعادن صناعية مختارة، والقمح، ومنتجات فول الصويا، والمواشي. وفي المقابل، تواصل المعادن الثمينة التداول دون مستويات اتجاهها الصاعد طويل الأجل عقب التصحيح الحاد الذي شهدته في وقت سابق من هذا العام.

أما الصورة على المدى القصير فتبدو أقل إقناعاً؛ إذ انقسمت العلاقة بين المتوسطين المتحركين لـ 10 أيام و100 يوم بشكل عام بين إشارات إيجابية وسلبية. فقد واجه الضعف المشهود في النفط الخام – نتيجة الهبوط الأخير الذي سبق الارتداد الحالي – وفي المعادن الثمينة، تعويضاً من خلال تحسن زخم أسعار الحبوب والبن والكاكاو وعقود مواشي مختارة.

ويشير هذا التباين إلى أن قطاع السلع يستقبل النصف الثاني من العام دون وجود عنوان رئيسي واحد مهيمن على كافة الأسواق. وستظل التطورات الجيوسياسية، والظروف الجوية، والسياسة النقدية، وهيكل منحنى الأسعار الآجلة عوامل ذات أهمية بالغة، غير أن تأثيرها سيتفاوت بشكل كبير بين قطاع وآخر.

وبناءً على ذلك، قد يستمر الصعود الواسع للسلع، لكن المرجح أن يظل الأداء انتقائياً. وفي بيئة كهذه، سيكون فهم مدى شح الأسواق الفورية، والهيكل الزمني للأسعار، ومخاطر الإمدادات الإقليمية على نفس القدر من الأهمية مثل توقع اتجاه الأسعار الفورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى