مسلسل “بالحرام”: ما تخقيه الذات وتكشفه مرآة الحياة

بلقيس عثامنه
إن للفن رسالة تتجاوز المتعة والجمال، فهو يحاور أسقام المجتمع، ويضيء للإنسان ما قد يغفل عنه في حياته وذاته وعلاقاته، ولا تنفرد بذلك صورة فنية دون أخرى؛ فالفنون، على اختلاف أشكالها، أسهمت في تغيير الإنسان والعالم، وفي تشكيل الوعي وإعادة النظر في كثير من المسلمات والأفكار، ومن هذا الإيمان بأن الفن، كل الفن، قادر على أن يطور الحياة ويسلط الضوء على مكامن الخلل فيها، أقف اليوم أمام عمل تلفزيوني لا نص أدبي؛ هو المسلسل اللبناني “بالحرام”، من بطولة ماغي بوغصن وإنتاج جمال سنان.
أقف أمام هذا العمل بوصفه قراءة للإنسان من الداخل؛ إذ يحاول تجريد الذات من صورها، حتى تلك التي لا تعرفها هي عن نفسها، وكشف ما تختبئ خلفه من خوف ورغبة ونقص وتناقض، فكلنا نمثل أدوارًا تفرضها علينا الحياة، والعجيب أن الإنسان قد يتظاهر، أحيانا، أمام نفسه بصورة تخالف جزءا من جوهره، حتى ينتهي به الأمر فاقدا لبوصلة ذاته، رافضا لها، وغير مدرك لبعض الألم الذي يعتصره وهو يحاول البقاء خلف ستار يخنقه.
ومن هنا تبدأ الحكاية من خفايا الإنسان التي تصنعه وتحركه، رغم مقتضيات روحه ومبادئه التي يتبناها؛ ما يجعلنا نتساءل: هل الإنسان ضحية في كل وقت؟ أم هو مضحٍ؟ أم أنه شخصية تتطور وتتكشف مع الأيام والتحديات؟
كلها تساؤلات مشروعة تربط شخصيات العمل بالواقع، وبعوالم وروح المشاهد ما يقوده للبحث في ذاته وعنها، ويصبح الشك في كل ما حوله ومن حوله جزءا من رحلته الدرامية، فالحياة درب الإنسان الخاص الذي يتقاطع مع دروب كثيرة، ويبقى الأثر في داخل النفس.. ما يجعل هذه الروح قابلة للتبدل في أشكالها بين خفاياها وصورتها فيعيش الإنسان صراع هذه الثنائية بين الظاهر والباطن، بين كل هؤلاء الحاضرين والغائبين في قصته؛ ليتشكل صلصاله من هذا المزيج المتنافر دون أن يفهم نفسه أو يلاحظ تقلباتها، أحيانا، ويسحق في ظل الضغوط، في أحيان أخرى..
من جانب آخر، يظهر الجزء غير المعلن حين يصبح النقص مركزا للقرار لدى هذه الذات فيكون شرًا مطلقا.. يحول الإنسان إلى آلة تعمل لأجل لذاتها وشهواتها المكبوتة، والتي تفقدها الرحمة والإنسانية بغية اللذة، هذه اللذة التي تقتات المكر والخداع والجشع، بهذه اللحظة تفقد ذات الإنسان جزءا من إنسانيتها وتتشوه، هنا تجعل من مخاوف الآخرين طبقها اللذيذ، وبالتالي تراهن على الخوف فتسحق الذات الأخرى طمعا بالمال والسلطة ولذة الامتلاك والسيطرة على الآخر.. إنها الروح المتعطشة للمكانة، الروح الراغبة في الوصول دون التفكير في الآخر أو العواقب فتصبح ماكينة القتل مشروعة، كل الأنواع من القتل الروحي والنفسي والعاطفي إلى زهق الأرواح…
لست في مقام تحليل البناء الدرامي والحبكة والإخراج وغيرها من التقنيات، ولكني أرغب في الوقوف على الرسائل العامة وأبعاد تكوين الشخصيات، إذ يقوم العمل في ركيزته المحورية على رفض الظلم والخوف، ويقضي بالعدالة، وهذا يظهر من ديناميكية حركة الشخصيات وتطور علاقاتها.
فلا تبدو شخصيات العمل مجرد أدوات تتحرك داخل الحكاية، وهذا الأساس، وإنما أضحت وجوهًا متعددة للإنسان حين تضعه الحياة أمام اختباراتها القاسية، فكل شخصية تحمل في داخلها ما تخفيه وما تعجز أحيانًا عن مواجهته، وتكشف الأحداث منها بقدر ما تكشف هي من نفسها. فجود، بما تحمله من خوف وأمومة وارتباك ومحاولات متكررة لاستعادة زمام حياتها، تبدو كذات تحاول النجاة من آثار ما صنعته بها الأيام والعلاقات، أما فريد فيتحول إلى الوجه الأكثر عتمة فالنقص والرغبة في السيطرة لديه قاده إلى سلطة الاستغلال فأصبح الآخر بالنسبة إليه وسيلة لإشباع ما يعجز عن إشباعه في ذاته، وأما ناي فتقف في الجهة الأخرى من هذه المعادلة، حيث هشاشة العمر وارتباك اكتشاف الذات يجعلان الإنسان أكثر عرضة لمن يتقن استغلال الخوف والحاجة إلى الاحتواء فتتحول والمراهقون إلى سلع بنظر الجاني، وسوق لاستغلال الخوف وتغذية السلطة.
وبين هذه النماذج تتسع الشخصيات لتقول إن الشر لا يولد دائمًا مكتمل الملامح، وإن الضحية لا تبقى بالضرورة في موقعها، وإن الإنسان قد يحمل في اللحظة ذاتها خوفه وخطيئته، ضعفه وقوته، رغبته في النجاة ورغبته في إيذاء غيره، وهنا تصبح الشخصيات مرايا متجاورة لا نسأل أمامها من هو الطيب ومن هو الشرير بقدر ما نسأل: أي جزء من الإنسان تكشفه الظروف حين تسقط عنه الأقنعة، وأي ذات تبقى منه حين تضيق الحياة بما رحبت؟
يأتي العمل بوقفة خاصة ومحورية على قضية مهمة لفئة خاصة في المجتمع، فئة المراهقين، الذين تتبدل سلوكياتهم وتتمرد ذاتهم على البيت والأسرة، فيصبح من السهل إيقاع الأذى بهم، رغم الخوف والحرص والمراقبة وإتاحة المساحة، لكن لديهم من السذاجة ما يجعلهم فريسة سهلة الاستغلال يثق مفترسها بخوفها ويراهن عليه، ويستمد لذته من الاستغلال الجنسي والابتزاز العاطفي أو المادي بالإضافة إلى السوء الذي يتملك أرواح كثيرة مريضة تتلذذ في هذه الأمور.. ومحور اللقاء هنا أن المراهق مهما حرص أهله عليه يشعر بأنه فاقد لخصوصيته وأنهم العدو له، رغم المحبة والتفهم والتوعية، ولكن القضية تكمن في عقولهم في مرحلة التمرد فيكون الاستغلال سهلا!
يقوم العمل على محاربة الصمت والخوف، ويحث كل هؤلاء المراهقين وذويهم للإدلاء بالأمر والاتجاه للجهات المعنية بغية الحماية وقطع حبال الابتزاز، إن الرسالة التي تقدمها ماغي وفريقها في هذا العمل تمثل مسألة غاية الخطورة والحساسية، تمزق أرواحا صغيرة ما زالت تبحث عن نفسها في رداء التمرد والخروج على الأسرة، ولكن المأمن يكمن في داخل الأسرة التي يخرج عليها متغافلا فيعود إليها مكسور الجناح إن لم يكن حريصا على نفسه، فالعالم سيىء يطعن الروح الخائفة ويجعل منها طريقا للعبور، محطة لعلو المسيء وارتفاع سقفه وزيادة نفوذه وسلطته، كما شخصية فريد في المسلسل.
ومن جانب آخر، تتكشف هشاشة الأرواح أمام مرآة الحياة، وتقلبات الذات التي تبتعد وتعود وتتأرجح دوما بين ما تخفيه وما تظهره، فالعالم مسرح كبير، والإنسان فيه حاضر بإنسانيته، بصلاحه وسوئه، بخوفه ورغبته، بقدرته على الحب وقدرته على الإيذاء، وربما لهذا تبدو السعادة في العمل عابرة كنسمة لا يمكن الإمساك بها، ولا تستقر في روح لا تعرف القناعة والرحمة، فالسكينة لا تأتي دائما من السعي خلف المزيد، وإنما من القدرة على رؤية قيمة ما نملك وما نعطيه معنى في حياتنا، والحب، ذلك الرابط الخفي بين البشر، يقف في الجهة المقابلة للخوف؛ فإذا استسلم الإنسان لخوفه أصبح فريسة، وإذا عرف الحب أصبح أكثر قدرة على المقاومة، وأكثر إيمانا بنفسه وبالآخر.
ولعل ما يتركه العمل في النهاية ليس إجابة واحدة عن الخير والشر، ولا حكما نهائيا على الشخصيات، بقدر ما يضع الإنسان أمام مرآته الخاصة: ماذا تفعل بنا الحياة حين تضيق؟ وماذا يبقى من ذواتنا حين تسقط الأقنعة؟ وأي طريق نختار حين نمنح القدرة على الاختيار بين النجاة وإيذاء الآخر؟
فالحياة تمنح عبرها لمن يتأملها ويبحث فيها، ويكون جسورا في التفكير والسعي والمواجهة والقرار، وقد لا تتحقق العدالة دائما بالصورة التي نتوقعها، وقد لا تصل في الوقت الذي نريده، لكن أثر أفعالنا يبقى في داخلنا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يهرب طويلا من ذاته.
وهنا ربما تكمن العدالة الأعمق، أن ما نفعله بالآخر لا ينتهي عنده، و يترك أثره فينا، فإن أحسنا، بقي في أرواحنا ما يستحق البقاء، وإن أسأنا، حملنا شيئا من إساءتنا معنا، وإن غابت عدالة البشر، أحيانا، بقيت للإنسان عدالة روحه، وبقيت للحياة نهاياتها التي لا يستطيع أحد الإفلات منها.
ولذلك، فإن “بالحرام” لا يتركنا أمام سؤال: من المذنب ومن الضحية فحسب، وإنما نقف معه أمام سؤال أكثر إثارة، ماذا يمكن أن تفعل بنا الحياة، وماذا يمكن أن نفعل نحن بأنفسنا وبالآخرين حين نواجهها؟ ولعل هذه هي المرآة التي يستحق الفن أن يضعها أمام الإنسان.



